الاثنين، نوفمبر 30

طبائع الإستبداد .. طبائع الإستملاك .. طبائع الإستهلاك

طبائع الإستبداد .. طبائع الإستملاك .. طبائع الإستهلاك

د. هبه رؤوف عزت

كتبت سابقا منذ أسبوعين عن فوائض الثروة والقوة والوهم، وانعكاساتها في السياسة والاقتصاد، وأجد أنه يمكن أن نرد هذه المفاهيم لمقولات أعمق تنفك عن الأيدلوجيات المعاصرة التي أشرت لها من رأسمالية وماركسية، أو نظم كالاستبداد، هذه المقولات ترتبط برؤية العالم ولا تنفك عن تجليات ذلك في الاجتماع السياسي، فواقع الناس تصوغه أفكارهم عن الكون الحياة وفلسفة الوجود، حتى وان لم يفلحوا في التعبير عن ذلك بمصطلحات فلسفية أو خطابات فكرية معقدة.

والنظريات تنبني على هذا الواقع كي تتمكن - عبر التظير والتجريد - من تفسير تحولات الواقع، ما بين اليومي والتاريخ، والواقع المُعاش وعالم الفكر تتولد المعاني.

وقد نظرت في أمر الاستبداد الذي يتحرك في فراغ يخلقه تراجع الناس عن ممارسة حقوقهم والدفاع عنها، فيملأ بالقوة مساحات الاجتماع والسياسة، فهو لا يكتفي بالحكم والجبروت بل يخلق ثقافة تستخف بالقوم فيطيعوا كما ذكر القرآن.

من هنا كان من أهم الكتب التي رصدت هذا التوازي بين نظم الاستبداد وثقافة الشعوب المستبد بها كتاب طبائع الاستبداد للكواكبي الذي توفي رحمه الله مع مطلع القرن العشرين. وقد رصد أنواع الاستبداد التي تسري في الأمم، منها استبداد القوي بالضعيف، واستبداد الجهل على العلم، والنفس على العقل.

ورصد كيف يمكن أن يستخدم الدين غطاء للاستبداد، فقد وجد أن التاريخ يدلنا على أن البعض استبد حتى كاد يزعم الألوهية بقدراستعداد أذهان الرعية، لذا وجد اصلاح الدين أول خطوة لاصلاح السياسة لأنه يغير الوعي، وكذلك العلم، فالاستبداد يرتع حيث تستشري الجهالة. وقد ربط بين الاستبداد والمال، وخلق نخب حول الساسة، فالأغنياء أعداء الاستبداد فكرا لكنهم أعوانه عملا، فالمال يذل الغني طمعا في الحفاظ عليه وهو يذل الفقير طمعا في تحصيله. واعتبر التربية مفتاح الاستبداد، فمن ينشأ على الخضوع والهوان في المجتمع يسهل عليه تقبل الهوان في السياسة. ورأى الحل في الأخلاق والتربية وبث الوعي ثم التغيير في الأنظمة كي تتحقق الحرية عبر آليات الشورى الدستورية.

لكن كتاب الكواكبي لم يدلني على تفسير كاف لأنظمة الاقتصاد الرعوي التي تقوم على كفاية حاجات الناس فينصرفون عن مقاومة الاستبداد، فهو استبداد بخيوط حريرية تارة وبقبضة حديدية تارة أخرى، جاهزة للتنكيل وقادرة على التحكم، توظف الدين تارة والعصبيات تارة أخرى، وتخلق طائفية وتدير نوازع جاهلية.

كنت أبحث عن المفهوم المفتاح، الذي ينظم شتات ظواهر متنوعة في عالم أكثر تعقيدا من عالم الكواكبي بعد مرور قرن وصعود مدن واكتشاف النفط وطغيان العولمة.

لذا قرأت باهتمام كتاب الصديق البحريني الفذ الدكتور نادر كاظم «طبائع الاستملاك»، وأنا أرى أن هذا من أفضل الكتب التي أنتجها العقل العربي في القرن الأخير، ليس لاحاطته بظواهر عدة ولا لطول واطنابه، فالكتاب متوسط الحجم متوفر على موضوع محدد، وهذا منبع عبقريته، فقد وضع يده على ذلك المفهوم الناظم الذي يحمله العنوان، هذا المفهوم الذي يبني على الكواكبي... ويكمل المعنى... ويمكننا من الفهم والتفسير.

والكتاب على رغم انطلاقه من الحالة البحرينية إلا أنه قد أفلح في الامساك بتلابيب فكرة مركزية منطق الهيمنة من ناحية وأدواتها من ناحية أخرى، والاستملاك هنا هو الدافع وراء التنافس بين الجماعات، ووراء هيمنة نخب سياسية على غيرها من الجماعات والفرق والطوائف التي يضمها وطن ما، واستملاك «ما هو غير قابل للاستملاك» على وجه التحديد، ليس الثروة فقط بل المجال العام والخطاب العام والقيم العامة، واحتكارها، ودائرة الحقوق الانسانية والقيم المشتركة والدولة ذاتها وكل ما هو عام. ومن هنا تمثيل الآخر بصورة مشوهة تقتضي عدم أحقيته في التواصل الاجتماعي أو الشراكة السياسية. والأمر يتجاوز الاستئثار الاقتصادي بالثروة إلى ما هو أبعد، إلى الطبائع والثقافة، كي يتمكن الاستبداد من تحقيق ذلك عبر تكريس هذه الطبائع، فيتم التصنيف الأيديولوجي والعقائدي والمذهبي والقبلي والطائفي.

عبقرية نموذج التحليل الذي قدمه نادر كاظم أنه يأتي من أصغر وحدات العالم العربي حجما، لكنه يبني تصورا يصلح لتفسير تحولات كثير من الدول الكبرى، ويفكك الملتبس ويربط التجليات المتناثرة في عقد فريد.

ولعل هذا دأب التحليل الثقافي الذي يقوم على الملاحظة والولع بالأنثروبولوجيا الذي لدى نادر كاظم، فعينه لاقطة وعقليته قادرة على أن تركب من التفاصيل رؤية كلية جلية، وهو بتخصصه في اللغة يضع الأفكار وينظم منها رؤية كلية كما تنظم حروف اللغة كلمة ثم جملة ثم نصا... فيتضح المعنى.

وقد تأملت في طبائع الاستبداد وطبائع الاستملاك، فوجدت الثلاثية تكتمل بطبائع الاستهلاك، فصورة استملاك ما لا يمكن استملاكه والاستبداد بمن لا ينبغي الاستبداد به يكملها استهلاك ما لا يحل استهلاكه... وبالأساس مساحات الوطن. وهو استهلاك يجعل الأرض سلعة، ويحول الوطن لمشروع استثماري، ولحساب جارٍ، فإن وقف شيء في وجه ذلك تم تجريفه، بما في ذلك التاريخ.

وكي يمكن تسويغ ذلك وتمريره تنتشر طبائع الاستهلاك المباشرة، وتغمر الأسواق مساحات الاجتماع، وتضحى هي نقاط التلاقي الأساسية بين الناس ومحور حياتهم اليومية، لا ليشهد الناس منافع لهم، بل ليدوروا حول ذواتهم المحدودة ويشبعوا نهمهم وشهواتهم، فينصرفون بذلك عن التمدن والعمران، وتحصيل الحقوق بالنضال و»الدفع»، ويركنون إلى التسوق و»الدفع».

وحين تكتمل حلقات طبائع الاستبداد وطبائع الاستملاك وطبائع الاستهلاك، وتتلاقى مع ثلاثية فائض القوة والثروة والوهم التي ذكرتها في مقال سابق، يكون الحال هو ما نراه في الواقع العربي اليوم، من تردي في الأحوال وغياب لهمة التغيير وانصراف للشأن الفردي وانشغال بما هو شخصي.

يستمر الاستبداد ويتم تسويق كل شيء ويصبح كل شيء قابلا للاستهلاك، حتى العلاقات الانسانية تصبح خاضعة لاستهلاك المرة الواحدة، من الجنس للعمل للاعلام للصداقة... وغيرها.

إنها الحداثة المشوهة التي لا نهضة قطعت ولا حضارة أبقت ولا دينا حفظت ولا إنسانا رعت ولا مجتمعا صانت.

والتغيير يبدأ من فك تلك الحلقات واحدة بعد الأخرى، وتغيير تلك الطبائع بالتوازي مع تغيير المنظومات الحاضنة لها.

من هنا نبدأ.

داحس والغبراء .. نسخة كروية

داحس والغبراء .. نسخة كروية

د. طه جابر العلواني

يبدو أن العرب في وضعهم الحالي قد اضطربت عندهم المقاييس واختلت الموازين، وتراجع الفكر وأُلغي العقل، وصار كل شيء في غير موضعه.

تغيرت اللغة.. وتدهورت المفاهيم، فبعد أن كانت صفة البطولة مثلا لا تُطلق إلا على من قام بعمل يكاد يكون خارقًا يقوم به للصالح العام في درء مفسدة عن شعبه، أو جلب مصلحة أو إنقاذها من خطر محقق، ولو بالتضحية بنفسه أو بمن أو بما يحب، صارت البطولة تُطلق على فنان يلعب دورًا في فيلم أو مسرحية بُغية كسب مادي أو تشجيع أو ما إلى ذلك، كما يُطلق على لاعب كرة أو ممارس رياضة، كأن هناك استهدافًا لحقائق المفاهيم وترويضًا لها تمهيدا لمسخها..

ولقد كانت الرياضات حتى بداية القرن الماضي تستهدف هدفًا أساسًا هو المتعة؛ متعة اللاعبين في ممارستهم ومتعة المتفرجين، وقد يضيف البعض إلى ذلك فائدة أخرى هي توثيق العلاقة بين الشعوب من خلال الدخول في منافسات سلمية، تتيح الفرصة لتلك الشعوب للتعارف والتآلف والتزاور، وتنفس عن الرغبات المكبوتة في الغلبة والانتصار بشكل سلمي لا دماء فيه ولا عداوات ولا بغضاء، يُهنئ الخاسرُ فيها الفائزَ؛ لأن الأصل فيها هو التدرب وملاحظة فن اللعب أو اللعب بفن ومهارة، وهذا الخاسر مادام قد أتقن وأحسن اللعب فهو مرشح لأن يكون غالبًا في دورة أخرى، فلا مرارة ولا أحقاد.

هذا لا يعني أن صفحات الرياضات قد سارت عبر تاريخ البشرية رخاء هكذا، لا سلبية فيها، فهناك شعوب متخلفة تنظر إلى العنف على أنه قيمة من القيم العليا، وترى فيه حلا لمنازعاتها واختلافاتها..

وهذه الشعوب قد تحول حفلات اللعب والرياضة إلى حروب وصراعات، وتجعل من الساحات الرياضية ساحات لنـزف الدماء والتعبير عن العنف وإثارة البغضاء والشحناء، فعلت ذلك روما حين كانت تلقي بالمصارعين الأشداء إلى زبى الأسود الجائعة ليصارعوها، وغالبًا ما تكون الغلبة لتلك الحيوانات المفترسة ويجد المصارع الإنسان نفسه تحت أقدامها ممزقًا بمخالبها وأنيابها، وقد يهوِّن أولئك المتفرجون على أنفسهم مناظر الدماء والأشلاء بأن ذلك المصارع -الذي خُيِّر بين أن يصرع الأسد فينجو من عقوبة الموت أو يصرعه الأسد فيموت ميتة مشرفة بين أنيابه ومخالبه- هو ميت في سائر الأحوال وحالة ميئوس منها..

والعرب في جاهليتهم مارسوا سباق الخف والحافر، وذات مرة أطلقت قبيلتا (عبس) و(ذبيان) فرسين وهما داحس- وهي فرس لقيس بن زهير من قبيلة عبس- والغبراء- وهي فرس لحذيفة بن بدر من قبيلة ذبيان- وفي السباق الذي تم بينهما سبقت داحس، فأطلق أحدهم سهمه عليها حنقًا وغضبًا وانتقامًا منها لسبقها فرس قومه، فأطلق الآخرون سهامهم على الغبراء، واقتتل الحيَّان لمدة أربعين سنة..

وما حدث في روما وبعض المناطق الأخرى من الأرض وبين عرب الجاهلية دليل على استعداد الإنسان للانحراف بأي شيء، وتحويل اللعب إلى جد والجد إلى لعب، وإيجاد أسباب النـزاع والعنف وما إلى ذلك.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه بمشاهد مختلفة.. فما حدث بين مصر والجزائر مؤخرا دليل على وجود تلك العناصر التي تسعد بالشقاق، وتزداد سعادتها حين يتحول الشقاق إلى عنف ودماء.

وهنا حقيقة لا بد من التأكيد عليها.. وهي أن لمصر ثقلها في العالم العربي والإسلامي، وثقلها هذا تستمده من تاريخ طويل عريض في خدمة العروبة والإسلام وخدمة البشرية، ولديها الكثير مما تستطيع أن تفخر به، فقد أسهمت في هزيمة الصليبين، وقادت عمليات المقاومة ضد التتار، وحققت انتصارات على جميع المستويات للعروبة وللإسلام قديمًا وحديثًا، وما ينكر عليها ذلك منصفٌ أو باحثٌ يتحرى الدقة والنصفة والعدالة.

وحين قامت ثورة الجزائر احتضنتها مصر، وشجعت جامعة الدول العربية والدول العربية أن تُعينها على الانتصار وتحقيق أهدافها، وأنفقت كثيرًا من المال والجهد في سبيل ذلك، وأعانت الجزائر على المحافظة على ثورتها وعروبتها وإسلامها، انطلاقًا من إدراك مصري عميق لأهمية ذلك، ولأهمية الجزائر باعتبارها بوابة هامة تربط بين أفريقيا وأسيا العربيتين المسلمتين وبين أوروبا، وأنها ثغرة لابد من تأمينها بعد تحريرها وتقويتها وشدِّ أزرها..

والجزائر -في ظل بن بيلا، وهواري بومدين- عرفت لمصر فضلها ولم تنسَ جميلها، وحاولت بقدر ما استطاعت ردَّ الجميل.

ومصر في حالة السلم مع الجزائر وبعد انتصار ثورتها لم تقصِّر في تزويدها بآلاف المُدَرسين والأساتذة لإعادة العربية إليها من جديد.

وكان موقف بومدين في إعادة الجزائر إلى العربية موقفًا مشرفًا، فقد فرض العربية لغةً أولى على شعب لم يكن يعرف العربية فيه إلا حَملة العلوم الإسلامية، لكنه استطاع - بمساعدة مصر ومدرسيها وأساتذتها- أن يُعيد للجزائرعربيتها وعروبتها في فترة قياسية!

وحينما وقعت حرب الأيام الستة حاول الجزائريون أن يردُّوا شيئًا من الجميل إلى مصر، لكنهم كانوا ما يزالون ضعافًا لم ينالوا استقلالهم إلا من وقت قريب، فكان الدعم المعنوي منهم كبيرًا.

ولكن في حرب السادس من أكتوبر التحريرية أرسلوا أسرابًا من طائراتهم لتُقاتل مع إخوانهم المصريين، تعبيرًا عن الإحساس بفضل مصر والمصريين على الجزائر، وتقديم شيء من واجب الشكر لمصر، وللتعبير عن أن ما زرعته مصر لم يكن في أرض بور، فهي زراعة مثمرة واستثمار ناجح.

الأزمة الجزائرية

لكن الجزائر الآن تمر بظروف خاصة، فنسبة الشباب فيها منذ تحررها أصبحت تتجاوز خمسًا وستين بالمائة من مجموع شعبها، وأوروبا_ وخاصة فرنسا_ تنظر إلى هذه الثروة البشرية على أنها مصدر خطر شديد.

ففرنسا التي أخرجتها حرب التحرير من الباب حاولت الرجوع من الشباك؛ ولذلك فإنها بدأت تعمل على العودة إلى الجزائر موظِّفة جميع الخبرات المتراكمة في أرشيفها عن الشعب الجزائري والأرض الجزائرية، فوحدة الجزائريين الوطنية كانت من أول أهداف فرنسا، فحركت البربر أو الأمازيغ ضد العرب.

والبربر ليسوا طارئين على الجزائر وليسوا عددًا قليلا يمكن محاصرتهم وإلغاء وجودهم، بل هم شركاء في الجزائر، وكانت القيادات الجزائرية قبل التحرير كثيرًا ما تدعو إلى الوحدة الوطنية مقرونة ببعض الإجراءات، فتدعو الناس إلى الصلاة في المساجد من العرب والبربر ليدعوا بلسان واحد وفي تناغم موسيقي جميل: ياربنا يا قادر.. لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر!

فكانوا يرددونها في المساجد في المناطق البربرية وفي المناطق العربية وكأنهم يرددون أورادًا وذكرًا لدى الصوفية، ليُذكِّروا أنفسهم بوحدتهم، ويتجاوزوا ويستوعبوا كل محاولات التفريق بينهم..

لقد حاولت فرنسا أن تُغري بعض القيادات البربرية "الأمازيغية" بإعلان جمهورية مستقلة أو مملكة -إن شاءوا- في الجبال وفي الصحراء، وأغرتهم بأن البترول الجزائري إنما هو في صحرائهم وأراضيهم، وبالتالي فستستطيع فرنسا أن تُعينهم وتُسيطر على البترول بهذه الطريقة، والذي أفشل تلك المحاولات إخلاص تلك القيادات البربرية والأمازيغية لله ولرسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم لوحدة الجزائر الوطنية والترابية، فرفضوا العرض الفرنسي.

ولقد لَقيتُ بعضَ زعماء الصحراء - من أصول بربرية ومذهب إباضي في وادي ميزاب في الصحراء الجزائرية - واستمعت إلى رواياتهم وقصصهم عن محاولات فرنسا اختراق الجزائر من خلالهم، وإعطائهم الوعود الكثيرة، فأبى إسلامهم وإيمانهم الاستجابة لفرنسا، وأصروا على قبول الوحدة مع إخوانهم حتى لو أن تلك الوحدة لم تلبِ سائر طموحاتهم، ولم تعطهم سائر حقوقهم.

ثم دخلت فرنسا - والكنائس التي تعمل ليل نهار على نشر النصرانية في الجزائر- من مدخل آخر هو مدخل التفريق المذهبي بين الإباضيين والمالكية، ومع وقوع بعض الحوادث المؤسفة في بعض المناطق فإن الوعي لدى شيوخ الإباضية وشيوخ المالكية حال دون تفاقم الأوضاع.

ولم تيأس فرنسا ولا الجهات الراغبة في إخراج الإسلام والعروبة من الجزائر، فما زالت الجهود مستمرة، وما زالت جهود تفريغ الشباب الجزائري من محتواه وشغل تلك الآلاف -بل الملايين- العاطلة عن العمل بسفاسف الأمور، وإن استطاعت أن تُدخل كل الموبقات من مخدرات وجنس وما إليها لتحطيم جبهتها الداخلية فستفعل.

ومعظم البلدان الأوروبية تشعر بمخاطر المخزون الشبابي الجزائري -الذي لم تستطع الحكومات الجزائرية تحويله إلى عمالة فنية مدربة قادرة على المشاركة في إعادة بناء الجزائر والحصول على فرص تكافئ فرص العمالة اليابانية والكورية والصينية وما إليها- وبذلك تجعل من ذلك المخزون الشبابي وسيلة تنمية ومحافظة على أمنها واستقرارها الآن وفي المستقبل، إنَّ أعداء الجزائر من القوى الشيطانيّة تتمنى لو رأت هذا المخزون يُبدد ويُستهلك فيما لا طائل تحته.

إنَّ كثيرًا من الدول الأوربية تُعاني من تهديد خطير بتراجع السكان الأصليين وتنامي الحاجة إلى دماء جديدة، حتى إن بعض الدول الاسكندنافية فتحت أبوابها للأكراد العراقيّين وغيرهم، وأشاعت لإقناع شعوبها أن أكراد العراق وغيرهم هم من الجنس الآريّ، ولذلك فإنّهم يستحقون التجنّس الفوري بجنسيّات تلك الدول.

وحينما خوطب رئيس وزراء إحدى الدول الاسكندنافية في ذلك قال لمن اعترض على سياسته تلك: بأنّ الإنجاب في بلاده قد ضعف وقل لانشغال الجنسين -الرجال والنساء- بالمتعة الجنسية دون رغبة في تحمل أعباء الحمل والولادة والتربية والتنشئة، وتلك المسؤوليات المشتركة بين الجنسين، وأن بلاده خلال خمسين عامًا لن تجد أعدادًا كافية من السكان تملأ الفراغ وتحافظ على البلاد، فهو مضطر لاستيراد هؤلاء الأكراد ومنحهم الجنسيَّة وإعطائهم سائر التسهيلات لكي يكونوا مصادر إنتاج لمواليد جديدة تربيها بلاده وفقًا لثقافتها، لتسد ذلك الفراغ الذي تركته الاتجاهات الإباحيّة في نسبة السكّان في بلاده...!

إن قرب الجزائر من أوروبا -وفيها ذلك المخزون الشبابي الضخم- يجعل أوروبا في حالة خوف من الجزائر، لذلك فإن استنفاذ الثروة الشبابيّة في الجزائر، أو إشغال الشباب بما لا ينفع، هدف من أهداف تلك الجهات، فلابد من إيجاد تيَّارات تشغل الأوقات وتُبدد الطاقات وتُدمر الإمكانات أو تُحيّدها، ولابد من تهميش الثقافة العربية والإسلامية في الجزائر ومحاصرتها، وإشعار الجزائريين بأن العروبة والإسلام مقترنتان بالقتل وتكوين جماعات العنف والإرهاب، وأن الإسلام لا يعود على الجزائر إلا بمصادر صراع، ومنابع إرهاب كالصراع بين الإباضية والمالكية والأمازيغية والعربية وما إلى ذلك.

استهداف العلاقة المصرية الجزائرية

هنا يبدو طبيعيا أن تكون العلاقة بين مصر والجزائر مستهدفة، فمصر -التي حافظت فيما مضى على عربية الجزائر وعروبته، وأعادت اللغة العربية إلى السوح الجزائرية- لابد أن يُدق إسفين ما بينها وبين الجزائر، وإن أمكن أن تفتعل مع مصر معارك تؤدي إلى المقاطعة والجفاء بين الشعبين والبلدين والحكومتين فذلك هو المطلوب..

وهنا يُصبح الأمر مفهومًا جدًّا، خاصة وأن مصر قد دخلت الجزائر في الآونة الأخيرة برؤوس أموال ورجال أعمال وشركات جعلتها ثاني مستثمر في الجزائر بعد فرنسا، ولاشك أن ذلك يزعج إسرائيل أولا، وفرنسا ثانيا، فإذا أخذنا هذه الأمور كلها بنظر الاعتبار فسيزداد الأمر وضوحا وجلاء.

فلعبة كرة القدم إذن لم تكن إلا الستار الذي أخفيت وراءه جميع رغبات الراغبين بإبعاد مصر عن الجزائر، بقطع النظر عن أي اعتبار آخر، وساعد على اختيار هذه اللعبة لتحقيق ذلك الهدف؛ أنّ لعبة كرة القدم والانتصار فيها يمثل موقع قيمة عُلْيا لدى الشباب العاطل عن العمل - الذي لا يجد ما يُنفقه ليحتسي فنجان القهوة على مقعد في مقهى في أي شارع من شوارع الجزائر- تُصبح عملية الانتصار فيها - الذي أُلبس ثياب البطولة – هدفًا قوميًّا، خاصة إذا وجد مَنْ يُهيجه ويأخذه من مقاهي الأزقة إلى طائرات تنقله إلى بلدان أخرى بوصفه مشجعًا متوشحًا بأعلام بلاده، فذلك أمر يُعيد له شيئًا من الإحساس بالذات والشعور بالقيمة، ويصبح من السهل جدًّا على أي عنصر مدسوس أن يجعل هذه الجماهير تتجه ذات اليمين أو ذات اليسار.

وتجربة الشارع العربي منذ أواسط القرن الماضي -في عمليات الاندساس بين الجماهير الغافلة وقيادتها من الشيوعيين ومن الصهاينة- كانت من أهم الخبرات والتجارب التي يعلمها هؤلاء الصهاينة والشيوعيون، خاصة لعناصر معينة يُدربونها على الاندساس في المجامع الشبابية الكبرى وتحويل توجهها..

فلقد رأينا مظاهرات كانت تبدأ قومية -وأحيانًا إسلامية- ثم تنتهي بهتافات وممارسات شيوعية أو صهيونية، ولا شك أن الجماهير التي هدَّدت وكسَّرت وداست بأقدامها على أعلام مصريّة -هي بعض أعلامها- وأخافت وأدخلت الرعب على الآخرين لا يمكن أن تكون إلا جماهير تعرضت لمحاولات اندساس كالتي أشرت إليها..

ومن هنا.. فإنني أناشد مصر ومفكريها ومثقفيها أن يلتفتوا إلى هذه الحقائق، فلا نريد أن ينتصر علينا أعداؤنا في الجزائر ويستلبوا الجزائر منا فنخسرها، وبذلك تخسر العروبة والإسلام ويخسر الجزائريون كثيرًا مما يتصفون به، كما نتوقع من مثقفي الجزائر وعقلائها وأهل العلم والدين فيها أن يدركوا حجم المخاطر التي تتهدد الجزائر، وأن يتذكروا زيارة رئيس فرنسا السابق شيراك والمليون جزائري الذين خرجوا لاستقباله، ونثر الورود على موكبه، فكانوا بذلك يعبرون عن مقولة مضمرة نستطيع الكشف عنها: بأنَّه إذا كسبنا حرب التحرير وخسرتها فرنسا فإن الجهود السلمية يمكن أن تأتي بأفضل مما تأتي به الحروب، فها نحن نخرج لاستقبال رمز فرنسا بالأذرع المفتوحة، معربين عن استعدادنا للترحيب بفرنسا، وأن على فرنسا أن ترحب بنا وتقدم لنا فرص العمل والدراسة في بلادها.

إن رفع الوعي بين الشباب ضمانتنا الأكيدة للمحافظة على وحدة أمتنا وبقاء قيمها، إننا لا نريد أن تتعرض الجزائر لنوع من العزلة تُلقي بها بعيدًا عن العروبة والإسلام وعن أفريقيا، فيكفي أنها قد عُزلت عن محيطها المغاربي، فافتعلت بينها وبين المغرب الأزمات، وكذلك مع تونس إلى حد ما، وموريتانيا وغيرها.

أيضا فإن مصر تعرضت إلى محاولات العزل -غير الذكية- التي جرت بعد زيارة الرئيس الراحل السادات للقدس، فكانت تلك الإجراءات المتعجلة غير المدروسة سببًا في عزلة مصر وتحجيم دورها، ولو أن العرب قدموا لمصر ربع ما خسروه في الهزات المالية التي تعرضت لها أرصدتهم وشركاتهم في الغرب لكانت أمتنا حافظت على مصر في كل ما تُمثل، وجعلت منها مصر الرائدة والقائدة.

على كل.. لعل ما حدث يُعطينا درسًا وعبرة، ويُخرجنا من دائرة ردود الأفعال السطحية لنبحث عن الجذور والأسباب الحقيقية، فلا نعطي لأعدائنا والطامعين في خيرات بلادنا الفرصة لأن يُحققوا أهدافًا سهلة لا نستطيع استعادتها بملايين الأهداف الرياضية.

إن أملنا كبير في القيادات الفكرية والثقافية والمعرفية في أقطار أمتنا المختلفة أن تواجه هذه المحاولات بما تستحقه، وألا تسمح لنفسها أن تسلِّم الأمةَ لها... والكلمة مسؤولية... وفقه الكلمة مسؤولية أكبر.

مسؤولية الحكومات أم مسؤولية الشعوب والنُّخب؟

مسؤولية الحكومات أم مسؤولية الشعوب والنُّخب؟

وائل مرزا

قد لا يصدقُ البعض. لكن أزمة الجزائر ومصر لا تزال مستمرّة بشكلٍ أو بآخر من منابر الصحافة إلى برامج التلفزيون مروراً بمواقع الإنترنت وصفحاته في كل مجال. لا حاجة في هذا المقام للتفصيل فيما يجري، فالتفاصيل باتت تثير الاشمئزاز إلى درجةٍ لا تُطاق. وفي حين أن مسؤولية صاحب القرار السياسي لا تخفى في مثل هذه القضايا، وهو ما تحدثنا عنه في المقال السابق، إلا أن سؤالاً معروفاً يعود ليفرض نفسه كلما تكررت القصة: هل يمكن تحميل السلطة السياسية المسؤولية الكاملة على الدوام، وفي كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تحصل في عالم العرب؟

تحضرني هنا أفكار طرحتها منذ زمن، وذلك بعد أن زار أحد الأصدقاء بلداً عربياً للمرة الأولى، ورأى فيه مظاهر سلبية لا تُعدُّ ولا تُحصى يقوم بها عامة الناس في كل مكان. وقد يكون في العودة إلى تلك الأفكار بتصرّفٍ بعضُ فائدة.

يومها، بدأ صاحبنا يتساءل: إلى أية درجةٍ يستطيع المرء أن يلقي بكل اللوم على الاستبداد السياسي لتفسير كل هذه السلبية والفوضى والقذارة؟ وإلى أية درجة يمكن الادعاء بعدم وجود مجال لعملٍ اجتماعي وثقافي يستصحبُ خصوصية الظرف وحساسيته، ولكنه يُحيي الوعي في القلوب والعقول، ويُرشد الناس إلى كيفية تجنب مثل هذه الآفات؟

ولو أن هؤلاء المتورطين بممارسات الإهمال والفوضى والاعتداء على حقوق القريب والبعيد من الناس، لو أنهم ملكوا أمر البلاد والعباد وتسنَّموا مسؤوليات الحكم والإدارة، أليس طبيعياً أن ينقلوا عقلية التجاهل لحقوق الآخرين إلى المستوى الجديد الذي يتحركون فيه، فيكون الحال نفس الحال والمآل نفس المآل؟ وهل يتصور المرء أن ينقلب الإنسان من مثل تلك الحالة من اللامبالاة إلى حالة الوعي بحقوق الأمة أفراداً وجماعاتٍ بقفزةٍ واحدة، فيعمل على إحقاق الحق وإبطال الباطل ونشر العدل بين الناس؟

إن أزمة العقل العربي والمسلم التي تُخيِّلُ له أن العمل لتغيير الواقع لا يمكن أن يتم إلا من مدخل السياسة إنما هي أزمةٌ عامة تُعبِّر عن ثقافةٍ سائدةٍ في مجتمعاتنا. وإن إحداث تغييرٍ حقيقي في موقعٍ يتفنَّنُ أهله في مثل تلك الممارسات، أينما كان ذلك الموقع، إنما هو أقرب للأماني والأحلام..

إن للاستبداد السياسي حدوداً لا يملك تجاوزها بحال، ومواقعَ لا يُمكن أن يصل إليها على الإطلاق. وقد يكون هذا من حكمة الله وعدله، لأن هذه الحقيقة تتركُ باستمرار منافذَ لحركة الإنسان على هذه الأرض، مهما أوحت الظواهر بغير ذلك، ومهما ظن البعض من بني البشر في أنفسهم جبروتاً زائفاً أو قوةً موهومةً على كتم أنفاس عباد الله. لكن من روعة الحكمة الإلهية أن جَعَلَت القدرة على اكتشاف هذه المنافذ، وتغيير الواقع من خلالها، منوطةً بحيوية العقل البشري وتحرره وانطلاقه وسعة آفاقه وقدرته العجيبة على الإبداع والابتكار، ولم يجعلها منوطةً بالخوارق والمعجزات.

إن الاستفزاز والتحفُّز والحضور الفكري والعقلي والثقافي الذي تتطلبهُ مثل هذه الأحوال للتعامل مع الواقع، وصولاً إلى تغييره، إنما تُمثل قمة الرقي في قصة التجربة البشرية ومسيرتها لإعمار هذه الأرض وفق قيم الحق والعدل والخير والجمال. وإن العقل المؤهل لهذه المرتبة إنما هو العقل الراشد، الذي ينطلق في حركته من كل ما هو أصيل في ثقافته، ومن قراءةٍ واعية لتجارب التاريخ وعطاء التراث من جهة، ولخصوصية الحاضر من جهة ثانية، مستصحباً فقه الأولويات، حاملاً راية الاجتهاد والتجديد، وباذلاً الوسع في نهاية المقام لاستخدام لغة العصر وأدواته وآلياته.

إن الاستبداد السياسي لا يُجبر الناس على التدخين بشراهة وابتذال، أو على التفنن في مخالفة القوانين، أو على رمي القمامة في الشوارع، أو على غير ذلك من الممارسات الاجتماعية السلبية التي نراها في واقعنا.. وإذا كنا نُقِرُّ بالآثار السلبية للخيار الحضاري العام الذي تختاره السلطة السياسية، وبقوة آلتها الإعلامية والدعائية في نشر القيم السلبية والتعتيم على القيم الأصيلة. وإذا كنا نُقِرُّ بالأثر النفسي السلبي العام الذي يتركهُ الكبت والقهر في الشعوب، داعياً إياها للانسحاب تدريجياً من الحياة في روحها الأصيلة، والغرق في متاهات الضياع والفوضى واللامبالاة الكاملة.. إذا كنّا نُقرُّ بكل ذلك، فإننا نرى في هذا الأمر ذاته مدعاةً للتحدي والاستفزاز الحضاري لدى الشرائح الأكثر وعياً ومعاصرةً من أبناء العرب والمسلمين. وهو تَحَدٍّ لا يمكن التعامل معه إلا عبر مُتواليةٍ من الإبداع والابتكار لأقنيةِ ووسائلِ الحركة في المجتمعات لمعالجة الظواهر الشاذة، دون أن تكون تلك الوسائل بالضرورة سياسيةً في عنوانها وطابعها ومفرداتها. فربما تكون بعض الترتيبات العفوية البسيطة أحياناً وسيلةَ العمل المُثلى، والمهم في جميع الأحوال أن تُستصحبَ خصوصيةُ الظرف، تمهيداً لمراحلَ تالية أكثر فُسحةً وحرية وانفتاحاً.. وإن نجاح الشرائح صاحبة الاهتمام في مثل ذلك التحدي إنما يُعبِّر عن مشروعية الوجود والدور أولاً، قبل أن يكون دليل الوعي والمعاصرة والفهم لديها..

لقد أظهرت الأجواء التي صاحبت مواجهة مصر والجزائر في كرة القدم حجم التحدي في إصلاح واقعنا العربي على وجه الخصوص. لكنها كانت أيضاً امتحاناً صعباً للنخبة لا يمكن القول إنها نجحت فيه، إذ لا يكفي أن تُلقي تلك النخبة بالمسؤولية على السلطة السياسية، وتُخلي مسؤوليتها عبر بيانٍ أو تصريح. وأول ما يمكن لها أن تفعله الآن هو مراجعةُ أولوياتها وأساليبها، لاستكشاف ما يمكن لها أن تفعله حقاً عندما يتعلق الأمر بقضية الإصلاح.

لا مهرب من مواجهة هذه الحقيقة. ولا يمكن أبداً اللجوء إلى الأعذار التقليدية المألوفة. لأن هذا الخيار المؤسف ينسف كل شعاراتٍ ترفعها النخبة، ويُعتبر سبباً لرفع المشروعية عن وجودها ودورها في نهاية المطاف.

ثقافة القطيع

ثقافة القطيع

أحمد منصور

كنت مستغرقا فى قراءة تقرير معمق عن أوضاع مصر الاقتصادية كتبه جاك شانكر فى صحيفة الجارديان البريطانية ونشرته صحيفة " الشروق " المصرية يوم السبت 14 نوفمبر حينما ترامى لمسامعي حيث كنت في القاهرة أصوات صاخبة لصراخ وهتافات وأبواق سيارات وإطلاق ألعاب نارية تشير إلى أن الفريق المصري لكرة القدم الذي كان يلعب مع فريق الجزائر فى ذلك الوقت قد أحرز هدفا فى مرمي الفريق الجزائري ضمن من خلاله مباراة أخري فاصلة في السوادان ، وأذكر أني فى ذلك اليوم الذي وصلت قبله بيوم واحد إلى القاهرة حينما كنت أمارس رياضة المشي فى الصباح الباكر حول إحدى حدائق القاهرة القليلة الباقية من زمن مصر الجميل رأيت من بعيد رجلا يبدو حسن الهندام يبحث فى أحد صناديق الزبالة التى تتواجد حول الحديقة وهذا أمر أصبح مألوفا فى القاهرة بشكل كبير أن تجد من ببحث عن شيء في صناديق الزبالة ولكن ليس حسن الهندام كما رأيت، وحينما اقتربت كان الرجل - وهو يتلفت بحذر وكأن الأمر جديد عليه أو يخشى أن يراه أحد يعرفه- يفرغ الأكياس من محتوياتها بسرعة ويبحث عن أي شيء نافع له فيها يضعه فى كيس كان يحمله، ورغم أني أغض الطرف عادة إذا رأيت ما يسبب الحرج إلا أن حسن هندام الرجل مع ما يقوم به دفعني للفضول وأن أبطئ الخطى لأعرف ما الذي يبحث عنه الرجل فى صندوق الزبالة، عجبت لما رأيته يضع فى كيس البلاستيك الذي كان يحمله زجاجات مياه بلاستيكية فارغة كما وجدته مشغولا بالبحث فى علبة دواء فارغة ربما وجد بقايا دواء فيها حيث كان يقرأ ما عليها ولاحظت أنه كان يفتح أكياس الزبالة التى في الصندوق ويفرغها بسرعة ثم مد يده بسرعة لشيء ما يفتحه إما يضعه فى كيس البلاستيك أو يلقيه مرة أخرى في الصندوق ، لاحظ الرجل أني أراقبه فبدا عليه الحرج وأعطاني ظهره بعدما نظر إلي نظرة ربما بها ألم أو حسرة أو لوم لكن المشهد برمته ألقى في نفسي ألما شديدا أن أصبح حسنو الهندام يبحثون فى أكياس الزبالة فى مصر عن شيء، أي شيء فأدركت أن الأمر قد وصل إلى درك خطير .

من جانب آخر فإني أذكر أني لم أفلح في ذلك اليوم في قضاء كثير من المصالح التى سعيت لقضائها حيث كان الجميع فى مصر مشغولا بمباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، والرياضة شيء محبب ومهم لدى الشعوب لكني شعرت أن الأمر قد تجاوز الرياضة ليصبح هو كل شيء فى حياة المصريين، فقد خرج الناس من كل همومهم أو هربوا منها بمفهوم أدق وسعوا للخروج من الإحباط الذي يعيشون فيه أو جعلتهم حكومتهم يعيشون فيه ليكون كل هدفهم أن تفوز مصر على الجزائر في مباراة كرة قدم حتى تسترد مصر عزتها وكرامتها وريادتها وسيادتها كما يتوهم هؤلاء، كل هذا فى بلد كما يقول جاك شانكر يصل الحد الأدنى للراتب فيه لنسبة عالية من الشعب أربعة جنيهات استرلينية في الشهر بينما نسبة الفقر المدقع وصلت إلى 20% من السكان بينما 40% لا تزيد دخولهم عن دولار واحد شهريا هؤلاء جعلوا كل همهم أن يهزموا الجزائر فى مباراة كرة قدم لا أن يهزموا الفقر الذي يزحف على من بقي من نسبة 90% من الشعب لا تستفيد الوفرة المالية التى تصب فى جيوب 10% فقط من المحظوظين من أبناء النظام وحوارييه، وفي وقت لا يجد القطيع أنابيب الغاز المنزلي، لا يحظى ملاك مصانع الحديد والسماد الذين ينتمون لنسبة الـــ 10% المحظوظة بأسعار مدعمة للغاز وحدهم، بل إن الأسرائيليين الذين سفكوا دماء المصريين فى أربعة حروب ولازالوا يسفكون دماء الجنود المصريين على الحدود من آن لآخر يحظون بأسعار مدعمة للغاز المصري لا يحصل عليها أي من أبناء القطيع الذي اختزل الانتماء والعطاء للوطن والجهاد من أجل بنائه في مباراة كرة قدم ضد فريق عربي ساهمت مصر بل قامت بالدور الرئيس فى تحريره واستقلاله قبل خمسين عاما .

لقد نجح النظام الذي أفقر الشعب وأمرضه ودمر فيه الإنسانية والآدمية؛ في اختزال المواطنة والانتماء وحب مصر لدى المصريين في رفع الأعلام والتعصب لمباراة كرة قدم ضد بلد وشعب شقيق واعتبر النصر فيها أكبر من الانتصار على إسرائيل وعلى الفقر والفساد والمرض الذي يفترس هذا القطيع، وهذا الأمر بهذا الشكل وبهذه الطريقة يمثل واحدة من أعلى درجات الإفساد للمجتمع وللانتماء وللمواطنة، لأن ما يحدث ليس سوى عملية تفريغ لمصر من حاضرها ومن تاريخها ومن أزماتها التى سببها النظام الفاسد الذي يحكم، ودليل على أن هذا الشعب يريد أن يهرب من أزماته التى ليس أولها أزمة تراكم الزبالة فى شوارع العاصمة الكبرى، أو أن صناديقها أصبحت مصدرا لإطعام كثيرين أو تفشي الفساد والبطالة وري المحاصيل الزراعية بمياه المجاري واختلاط مياه المجاري بمياه الشرب وتفشي التيفوئيد والأمراض القاتلة بين أبنائه .

لقد شعرت بِهّمٍّ وحزن شديد على ما آل إليه مصير الشعب المصري وأنا أحد أبنائه، حينما وجدت المصريين يهربون من هموم وطنهم بهذه الطريقة، طريقة ثفافة القطيع ، وشعرت إلى أي مدى نجح الحكام الذين دمروا آدمية هذا الشعب على مدي العقود الستة الماضية أن يحولوا المبدعين من أبناء هذا الشعب إما إلى مهاجرين يفيدون العالم بما لديهم من علم وإبداع وإما إلى محبطين فى بلادهم يحاولون الحفاظ على ما تبقي من خيرية الأمة وعلمها وثقافتها، أما باقي الشعب فقد أصبح ملهاة وأداة للتسلية والفرجة، لقد تحولت حقيقة المواطنة والانتماء من بذل وعرق وبناء للأوطان إلى ثقافة رفع الأعلام في الشوراع والهتاف لفريق كرة قدم، بينما التخريب فى كل مناحي الحياة في بلادهم يتم تحت أعينهم فيشاركون فيه أو يسكتون عن إيقاف المخربين .

أشعرني ما حدث فى مصر في الرابع عشر من نوفمبر 2009 أن كل المصلحين الذين يريدون أن ينهضوا بهذا الشعب إنما يحرثون في البحر ، وأن هناك آمادا واسعة بين هذا الشعب وبين خروجه من هذا المستنقع الذي يعيش فيه 90% من أبنائه وفقا لما ذكره جاك شانكر نقلا عن تقرير حكومي رسمي مصري هام لم يعرف هذا الشعب شيئا عنه أعدته هيئة الاستثمار التابعة للحكومة المصرية .

حتى لو فازت مصر فى مباراتها مع الجزائر، وشاركت فى مباريات كأس العالم وماذا لو فاز الفريق المصري بكأس العالم فى كرة القدم بينما 90% من الشعب المصري فقراء أو في طريقهم إلى الفقر والمرض حسب التقارير الاقتصادية ومنها تقارير رسمية، ما هو العائد على هذا القطيع الذي يأكل الفقر والمرض جسده بينما يستنفد كل طاقته ليس فى القضاء على الفقر والمرض أو على الذين سببوه وإنما فى التصفيق والهتاف لفريق كرة قدم .

كانت أصوات أبواق السيارات تتعالى فى الشوارع المحيطة بمنزلي وكذلك أصوات الهتافات بينما كنت أعيد قراءة ما كتبه جاك شانكر عن هؤلاء السكارى وأنا أدرك حجم السعادة الغامرة التي عمت نفوس ناهبي هذا الشعب ومصاصي دمائه، أنْ أوصلوه إلى هذا الحد من السفه والحيرة والتفاهة والضياع، ثم استغرقت مثل كثير ممن يحبون مصر ويعرفون معنى الانتماء والمواطنة في هم عميق .

إنتهى درس الوطنية الكروية يا غبي

إنتهى درس الوطنية الكروية يا غبي

مالك التريكي

في تعليق على ما شهدته بعض المدن الفرنسية من أحداث عقب مباراة المنتخبين الجزائري والمصري في السودان من ناحية وعلى طريقة الغش التي ترشح بها المنتخب الفرنسي على حساب المنتخب الإيرلندي (بعد لمس اللاعب تييري هنري الكرة باليد) من ناحية أخرى، قالت مارين لوبين نائبة (وابنة) زعيم حزب 'الجبهة الوطنية' اليميني المتطرف جان-ماري لوبين إن من حسن الحظ أن اليد كانت فرنسية، إذ 'لو كانت يد تييري هنري مصرية، فإني أعتقد أنه كان سيقع موتى' في فرنسا. وأضافت أنه 'ينبغي مطالبة هؤلاء الشباب (الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية) بالاختيار. إذ لا يمكن للمرء أن يحمل أمتين في قلبه، وأن يكون ذا ولاءين' مختلفين.

وإذا خلّصنا كلام لوبين من بديهي الحمولات العنصرية الثقيلة تجاه الأجانب عموما وأبناء المغرب العربي خصوصا، فإن السؤال يصبح: إذا كان هؤلاء الشباب فرنسيين بحكم المولد والنشأة واللغة وبحكم أن آباءهم استقروا في فرنسا منذ عقود، فلماذا لا يزالون يكنّون كل هذه المحبة للجزائر؟ أي لماذا يظلون أوفياء لبلد ليس وطنهم (في تصورها)؟ لماذا يظلون أوفياء لبلد من المفترض، حسب فهمها، أنه ليس موضوع وفاء بالنسبة إليهم؟

هنا بالضبط تلتقي لوبين مع السياسي البريطاني اليميني نورمان تبّيت. إذ إن لهذا الوزير السابق، الذي كان من أخلص خلصاء مارغريت تاتشر، نظرية في مسألة الوطنية تعرف بـ'امتحان تبّيت' أو 'امتحان الكريكت'. ومؤداها أنك إذا أردت أن تعرف مدى صدق ولاء أبناء المهاجرين، فحسبك أن تنظر أي الجانبين يناصرون في لعبة الكريكت يوم يتواجه المنتخب الإنكليزي مع منتخب بلادهم الأصلية. ولأن تبّيت يعرف النتيجة سلفا، فقد أعلن عام 1990 أن 'نسبة كبيرة من الجاليات الآسيوية في بريطانيا تسقط في امتحان الكريكت' هذا الذي يعدّه هو محكّ التفاني في حب الوطن.

وإذا كان مثل هذا 'الامتحان' الكيديّ السخيف مصيدة، فقد أثبت الشباب الفرنسيون ذوو الأصول المغاربية أنهم سعداء بالسقوط فيها كلما أتيحت الفرصة. ذلك أنه سبق لهم أن أطلقوا أصوات الصفير والنكير ضد نشيد المارسييز الوطني الفرنسي أثناء مباراة المنتخبين الجزائري والفرنسي يوم 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2001، ورموا بمقذوفات على الحاضرين من وزراء حكومة ليونيل جوسبان (الذي سبق له أن تعرض هو نفسه لوابل من حجارة طلاب جامعة بيرزيت يوم 26 شباط (فبراير) عام 2000 بسبب نعته أعضاء 'حزب الله' بأنهم 'إرهابيون'). كما تكررت مشاهد الصفير أثناء مباراة بين المنتخبين المغربي والفرنسي قبل عامين، وأخرى بين المنتخبين التونسي والفرنسي يوم 14 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي.

إلا أن من سوء حظ الساسة أن فرنسيي جزيرة كورسيكا من مناصري فريق باستيا (الذين لا سبيل لاتهامهم بأنهم من أصول مغاربية!) لم يقصّروا هم أيضا في التصفير ضد المارسييز أثناء مواجهة فريقهم مع فريق لوريون في نهائي كأس فرنسا يوم 11 أيار (مايو) 2002. كما أن من سوء حظ هذا الرهط الجديد من الساسة، الذين أقاموا الدنيا بعد المباراة مع تونس، أن رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم اللاعب الفرنسي السابق الشهير ميشيل بلاتيني قد ساءه مسلكهم فشكا إلى لوموند وقوع كرة القدم 'رهينة' لدى السياسة. بل إنه تعمد تقريب بعض معاني تعددية الهوية المعاصرة من أفهامهم عندما أكد أنه 'على يقين' أن هؤلاء الشباب الذين يشجعون المنتخبات المغاربية إنما يشجعون المنتخب الفرنسي عندما يتنافس مع بقية الأمم في تصفيات كأس أوروبا أو كأس العالم.

ولعل الدليل الساطع على أن من الطبيعي أن يسقط أي بشر في هذا 'الامتحان' المنافي للطبيعة البشرية -'امتحان' المواجهة بين بلد المواطنة الأوروبي (أي بلد الانتماء المدني) وبين بلد القومية العربي أو الإفريقي أو الآسيوي (أي بلد الانتماء التاريخي)- هو ما روته وزيرة الدولة للرياضة راما ياد من أنها ظلت حتى بلوغها سن الثامنة عشرة تشعر أنه لو وقعت حرب بين السنغال، بلدها الأصلي، وفرنسا فإنها كانت ستناصر السنغال. أما بعد ذلك، فتقول إنها أصبحت لا تدري... ولأنها سيدة قوية الشخصية وتحظى بالشعبية فإن الطبقة السياسية تشن عليها الآن حملة عنصرية تضاهي في شراستها الحملة التي تعرضت لها الوزيرة السابقة ذات الأصل المغربي رشيدة داتي. هذا بالضبط هو نموذج السياسي الفرنسي المعاصر الذي لم يجد ميشيل بلاتيني بدّا من أن يصيح به: انتهى درس الوطنية الكروية يا غبي!

هَزِيمَةٌ مُشَرِفَة

هَزِيمَةٌ مُشَرِفَة

د. هبه رؤوف عزت

دخلنا في معمعة حرب الكلام وتراشق السهام بين مصر والجزائر حول مباراة كرة. تصرف المشجعون في الجزائر بشكل غير لائق وتراخت السلطات في الجزائر في حماية بعض المصالح المصرية. كان يكفي أن تأخذ السلطات المصرية إجراءاتها، لكن يبدو أن لأفراد في النخبة مصالح في الموضوع بشكل مباشر جعل رائحة الحملة تدخل في مساحة أخري، وتضامن الإعلام وانحدرت لغة الهجوم علي الجزائر إلي مستوي لا يليق بهم ولا بنا. نرجو أن ننظر إلي المشهد المصري جيدا لأنني أعتقد أنه تم تمرير أمور في الفترة الماضية لم نلتفت لها تحت شعار «بُص العصفورة»، لصرف الانتباه عن قضايا أهم- عمداً.

عندي ثلاث ملاحظات ختامية علي المشهد لأنني أعتقد أن الانجراف للاستمرار في الكتابة فيه يخدم من صنعه كمشهد:

أولاً: إن هناك مشكلة نحتاج النظر فيها في موضوع الإعلام الكروي، فقد صار صوته أعلي من صوت العقل والضمير، وأصابه هوس التصعيد، وينبغي محاسبة من تلفظوا بما يخدش الحياء العام والعلاقات الدبلوماسية مع شعوب أخري، وكدت أظن أن سمير زاهر سوف يكون مرشحاً لوزارة الخارجية في أول تشكيل إذا كان اتحاد الكرة سيقرر لنا علاقاتنا بأفريقيا والدول العربية معاً. هذا غير مقبول وينبغي أن يعرف كل جهاز في الدولة حجمه. والإعلام الذي انساق وصب النار علي الزيت لا بد من وقفة معه وأقترح كتابة أسماء من تورطوا في هذا الغثاء كي تتم محاسبتهم سواء بالقانون أو بمساءلة شعبية.

ثانياً: إن توظيف الدين في هذا المشهد كان في غاية التدني، بدءاً من حملة (نقول يا رب) قبل المباراة وكأن ربنا نحن غير رب الجزائر، وعيب والله هذا الاستدعاء للدين في مباريات كرة قدم، ووصولا لبيان طويل عريض وصلني علي الإيميل من المجلس الأعلي لآل البيت يثبت فيه بالبيانات الموثقة والأدلة القوية أن مصر ستدخل كأس العالم 2010 وستنتصر علي المخطط الشيطاني للجزائر!!!!!! ولا تعليق. والأغرب أن بعض الأصوات الإسلامية في الجزائر لم «تكدب خبر» وأصدرت بيانات تدعم فريقها القومي! وصدق الدكتور يوسف القرضاوي حين خرج علي الناس يدعوهم لترك العصبية ودعاوي الجاهلية التي انتشرت في الأجواء.. وحجيجنا وحجيجهم يطوفون حول البيت.

ثالثاً: إن مصر ما زال فيها عقلاء، أكثر من بيان صدر بتوقيعات عديدة، وأكثر من حملة علي الفيس بوك لدعم الروابط بين المصريين والجزائريين وتخطي الفتنة مع التأكيد علي الحفاظ علي كامل حقوق من أضيروا من الأفعال الإجرامية من بعض المشجعين في الخرطوم ودعم حق المصالح الاقتصادية في اللجوء للقانون للتعويض عن الأضرار التي أصابتهم.

رابعاً: إن الأحداث أثبتت أننا أصبحنا مجتمع مشهد ومناظر بامتياز كما سماه جي دوبور المفكر الفرنسي في وصفه مجتمع الإعلام والحداثة المشوهة. مفهوم أن يوقف الدكتور صفي الدين خربوش التبادل الرياضي بين الشباب لبعض الوقت حفاظاً علي الشباب من الطرفين حتي تهدأ الأمور، لكن ليس من المفهوم سحب فيلم إنتاج مشترك من شاب مخرج جزائري، وحظر مشاركة الجزائريين في بينالي للأعمال الفنية ومقاطعة نقابة التشكيليين للجزائر، فإذا لم يكن دور الثقافة والفن في هذه الأزمات المفتعلة هو أن تكون جسرا للتواصل لا ساحات طبل وزمر لتأجيج الأزمة، والمشهد الألطف كان من الفنانين الذين ذهبوا في كامل أناقتهم للأهرامات وعقدوا مؤتمرا صحفياً ..عالمياً. ارحمونا بقي!

خامساً: إنني تلقيت من صديقات جزائريات رسائل حب وود، وحين أرسلت الرد محملاً بتهنئة العيد بالرد علي قائمة من تم الإرسال لهم من أصدقاء كنت أنا منهم علي قائمة المرسل جاءتني المزيد من الرسائل من جزائريين وجزائريات لا أعرفهم يروون ذكرياتهم في مصر ويقولون إن الشعب الجزائري لا يمثله مجموعة مشجعين يحملون الأسلحة البيضاء (يمثل أن الشعب المصري لا يمثله فيلم إبراهيم الأبيض!) وأن روابط العروبة والدين بل الدم ستظل أقوي.

وحدها هذه الرسائل من الجزائر أدخلت علي قلبي بعض السعادة.

صديقتي انصاف باشي، وعايدة عبيدي، وأذكر خاصة رسالة الزميلة آمنة بوآشري التي تدرس معنا في الدراسات العليا بكلية الاقتصاد والتي لم أعرفها إلا رقيقة مسالمة ودودة، وأرسلت لي رسالة تدمي لها القلوب.. في حب مصر وفي نبذ الفتنة، وأن المصريين الذين تعرفهم علي الأقل وسط أهلهم وأحبائهم.

يقف المرء ناظراً للهوس والنفاق والمبالغة والفرعنة والعنصرية الفاضحة والسوء من القول ليقول لمن انساقوا : أليس منكم رجل رشيد؟ ويقول للذين اتقوا الله وتذكروا قوله «إن جاءكم فاسق بنبأ» (وما أكثر الفساق في مجال الأنباء) بارك الله في عقلكم وبيناتكم، ومواقفكم، ووطنيتكم وعروبتكم.

أما آخر الملاحظات، أخيراً وليس آخرا، فهي أنني أرجو أن يكون لقاء الرئيس بالفريق القومي لتكريمه علي الهزيمة المشرفة بداية لتقليد جديد يعكس رؤية ثاقبة للرئيس تطورت مع السن والخبرة والأيام، ومؤشراً إيجابياً علي أنه يقبل الآن أنه يمكن أن تكون هناك.. هزيمة مشرفة. يا رب.

من أجل وسائل جديدة للدفاع عن معتقلي الرأي

من أجل وسائل جديدة للدفاع عن معتقلي الرأي

هيثم مناع

يمثل الاعتقال السياسي مرض نقص المناعة الذاتية في مجتمعاتنا المدنية والثقافية والسياسية. هذا المرض يهدد الحق في الوجود لكل أشكال المشاركة في الشأن العام: من ضرورة الاختلاف، وحرية التعبير، والوعي التنويري، وحق التنظيم والتجمهر. وكونه يترك آثاره على مستقبل الوطن والمواطن، فإن المسئولية في مواجهة هذا المرض الخطير لا يمكن أن تكون من مهمة منظمات حقوق الإنسان وحدها. أو في جعل هذه القضية تحل محل البرامج الطبيعية للأحزاب السياسية. حيث المفترض أن تكون مهمتها في التصدي لبرنامجها وخطها العام، وليس الانتقال لمواقع دفاعية بحتة اختارتها السلطات التسلطية. إن مهمة الدفاع عن المعتقلين السياسيين هي مهمة عامة تشمل كل أديب وشاعر وصحفي وجامعي وطبيب وصيدلاني ومهندس وعامل الخ. إنها بكلمة واحدة، قضية مجتمعية عامة. وإن لم تصبح كذلك، سيبقى سلاح الاعتقال التعسفي مشهرا بوجه العمل المدني والسياسي، والنشاط الثقافي بالمعنى الواسع. أي أننا سنبقى عاجزين نراقب أجهزة الأمن وهي تضع السماد على أشواك الاستبداد والفساد والتخلف.

من أجل هذا، يجب تجاوز، أقول تجاوز وليس إلغاء، الطرق التي أصبحت روتينية في العمل الحقوقي، مثل كتابة الرسائل للمسئولين أو عرائض جماعية للجمعيات والشخصيات أو تقديم طلب إلى فريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي الخ. المطلوب تعزيز الوسائل الموجودة بأخرى جديدة، وشمول التحرك الحقوقي آليات التواصل البشري كافة. كون التسلط العربي بات يتعامل مع الوسائل التقليدية "بمهنية عالية". أحيانا عبر العاملين في المؤسسات المسماة بالقومية، والتي تجمّل صورة السلطة أكثر منه الدفاع عن الضحايا. أو عبر من يدجّن من المنظمات غير الحكومية، ويحول هذه لوسيلة امتصاص للصدمات الناجمة عن انتهاكات حقوق الإنسان. ولا ننسى أيضا أن السلطات الاستبدادية تلعب على عامل الوقت. في هذا المجال أشير إلى ما قاله لي أحد السياسيين العرب الذي طلبنا منه التدخل من أجل الدكتورة فداء الحوراني: "عند المسؤولين السوريين للأسف قناعة بأن الضجة الحالية ستستمر شهرا أو شهرين ثم تهدأ الأمور. لهذا لم يتجاوبوا معنا عندما حدثناهم عن ثمن باهظ لاعتقال هذا الرمز الهام في المجتمع السوري".وكم هذا صحيح عندما يَجُبُّ ملف المحامي مهند الحسني ملف المحامي أنور البني، ثم يَجُبُّ ملف المحامي هيثم المالح ملف المحامي مهند الحسني، ثم تغطي محاكمات آزادي على محاكمات سبقتها وكأننا أمام أحداث موسمية تنتهي مهمة منظمة حقوق الإنسان والمجتمع بمجرد إصدار بيان.. وعليها أن تنتظر تراجعا خطيرا في صحة المعتقل حتى تتذكره ببيان آخر أو تعريجة.

هذه القناعة موجودة عند السلطات السعودية، التي تقول بأن الحملة من أجل الدكتور عبد الرحمن الشميري فترت، وظروف اعتقال الدكتور سعود الهاشمي طويت، وقصة الدكتور سعيد بن زعير نسيت، وهكذا سيكون حال اعتقال خالد العمير ومحمد العتيبي وأكثر من أربعين من الجامعيين والإصلاحيين والمدونين الذين يجاورون آلاف المعتقلين في مملكة الصمت، الصمت الذي إن تم اختراقه من قناة فضائية تعاقب بإنهاء عقدها مع عربسات. إنه أيضا حال السلطات اليمنية، التي تتوقع أن يضيع اعتقال بل واختفاء عدد من نخبة الصحفيين والسياسيين في ضجيج حرب صعدة واضطرابات المدن. السلطات المصرية من جهتها مطمئنة لأن الحملة من أجل الدكتورين عبد المنعم أبو الفتوح وجمال عبد السلام يمكن أن تتبعثر في كل أشباه المعارك السطحية المركبة، مثل استفزازات كرة القدم بين فريقي الجزائر ومصر، هذه الأحداث الضرورية لكل عقلية بلطجية.كذلك تباطأت من أجل خيرت الشاطر وإخوانه بعد الأحكام والأحكام الإدارية المضادة، ومن الصعب أن تعود بنفس القوة.. هذه الفجاجة انتقلت طبعا، ولا فخر، لإخواننا الفلسطينيين الذين يتحدثون في أمن الدولة قبل ولادتها. والذين يتسابقون في الاعتقال بين غزة ورام الله، ليضعوا الحركة الحقوقية التي تحفر في الصخر في قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية في زاوية تشتيت الجهود والطاقات.

واجبنا اليوم لمواجهة كل هذا، البحث عن وسائل جديدة للنضال من أجل الحريات وإطلاق سراح المعتقلين. وعندما نرى أن استراتيجية التسلط تقوم على ضرورة نسيان المعتقلين في السجون، فإن استراتيجيتنا تتطلب أن يكون هؤلاء حاضرين في كل مناسبة وكل مجال ممكن. من واجبنا أن لا ننسى، مع توالي الصدمات والهموم، الملفات التي باتت عند الصحافة غير الملتزمة قديمة. أو نعتاد، مع مرور الوقت، على ما كان قبل حين يؤرقنا. فالسلطات التسلطية خبرت كل هذه السلوكيات وعرفت كيف تتعامل معها.

في النفس غصة من أن يكتب رئيس تحرير نوفيل اوبسرفاتور جان دانييل افتتاحية في اعتقال الشاعر الكبير توفيق بن بريك ولا يتصدى رئيس تحرير صحيفة عربية أو شاعر عربي معروف لهذه المهمة؟ غصة لرؤية منظمات حماية الصحافيين غير العربية تتحدث عن أسماء عربية لا يتناولها اتحاد الصحافيين العرب؟ وأن تتحدث نقابات الأطباء العربية بخجل أو تصمت عن اعتقال الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب عبد المنعم أبو الفتوح؟ من يمكن أن يصنع رأيا عاما عربيا في غياب نخبة نقدية تطالب بكل من غيب وراء القضبان لمجرد اختلافه في الرأي مع السلطة السياسية في بلده؟ وهل يمكن النظر بعين التقدير لمن لم تصادر حريته بعد عندما يصمت عن حرمان زميل مهنة أو صاحب قضية أو أشخاص نذروا أنفسهم للدفاع عن حرية الآخرين؟؟ ألا يخجل عشرات آلاف الأطباء العرب من رسائل تضامن أوربية مع الأطباء العرب المعتقلين ولا نسمع إلا من قلة لا تكاد ترى بالعين المجردة صوت احتجاج؟

يمكن لأي شخص أن يفعل شيئا، أن يقول غدا قد يكون جاري بل قد أكون أنا..بل قد يكون ابني الذي يرفض ما قبلتُ به من ذل الصمت. لدينا عشرات بل مئات الحقول الغنية التي لم تستثمر بعد في هذا المجال، سأحاول استعراض بعض الاقتراحات للمرة الألف علّها تستولد اقتراحات أخرى:

التبني الفردي: صار من الضروري مع عولمة القمع، الدفاع عن الهوية الشخصية للضحايا. فالمعتقل السياسي ليس رقما، بل هو طاقة إنسانية وعطاء ودم ولحم وقصة حب وهواية ومهنة وجزء من عائلة ومجتمع. من أجل ذلك، لا بد من أشخاص يعلنون من كل بلد عربي تبنيهم لمعتقل أو أكثر، بحيث يتابعون ما فعل وظروف سجنه وأوضاع عائلته والمنظمات التي تتبناه وبؤس التهمة الموجهة إليه. ومن المحبذ في هذا الاتجاه أن تتعزز العلاقات المدنية والإنسانية. بحيث يتبنى مثقف عربي مثل كمال عبد اللطيف السياسي الكردي مشعل تمو ، وفنان أمازيغي مدون سعودي، ومفكر علماني ناشطا إسلاميا. فإن كان للواحد منهم موقع على الانترنيت، يصدر الموقع بصورة المعتقل الذي يتبناه. وإن كانت لديه مقابلة أو مقالة ينهيها بصفة (تؤام المعتقل فلان). فما أجمل أن يكون المفكر المصري نادر فرجاني تؤاما للمحامي السوري هيثم المالح، وأن يكون الصحفي المغربي توفيق بوعشرين تؤاما للشيخ سليمان الرشودي، والناشر السوري حسين العودات تؤاما للصحفي اليمني محمد المقالح، والنقابي المصري عصام العريان تؤاما للصحفي السوري فايز سارا، والناشطة المصرية عايدة سيف الدولة تؤام المناضلة السورية فداء الحوراني، والمناضلة اليمنية سعاد القدسي توأم الشاعر التونسي توفيق بن بريك الخ. بحيث توضع صورة المعتقل إلى جانب صورة التؤام على الفيس بوك والمواقع والرسائل وفي المناسبات. وعندما يكون للمعتقل أكثر من تؤام يتواصل المدافعون عن المعتقل لتنسيق جهودهم.

التبني المهني: التبني المهني موجود اليوم في العمل النقابي ومنظمات حماية المدافعين عن حقوق الإنسان أو الصحفيين أو العاملين في المجال الخيري. لكن هناك مجالات خصبة لم يتم بعد استغلالها. فمثلا أن تكون تدعم الصحافة المصرية المستقلةقضايا الملاحقة الاعتقال في الصحافة المغربية. وأن يتبى تلفزيون الحوار مراسل قناة المنار في المغرب عبد الحفيظ السريتي. وأن تعرّف أحزاب سياسية مشرقية بقضية المعتقلين السياسيين الستة في المغرب.

توظيف المناسبات: في كل يوم تعقد ندوات وورشات عمل واجتماعات والمناسبات لا تحصى. فماذا يضير هذه التجمعات أن تضع إلى جانب "تحت رعاية" أو بدونها (وتضامنا مع معتقل الرأي..)؟ وإذا كان هناك خوف من منع السلطات، فلا بأس أن تكون البداية برمز من بلد آخر. حتى يتأصل التقليد ويصبح من الصعب وقفه. يمكن أيضا تعميم هذه الأشكال التضامنية لتشمل عيد الأضحى وشهر رمضان.

كل منا قادر على التفكير بوسيلة جديدة. وكلنا قادر على فعل شئ. المهم أن لا يتقاعس الذهن وتتكاسل العزيمة.. المعتقلون أمانة في أعناقنا. والدفاع عنهم دفاع عن كرامة كل واحد منا أولا وقبل كل شئ

-----------------

كلمات محدّثة مستعادة من أجل التذكير بأن 62 ألف معتقل يقطنون في السجون العربية والإسرائيلية والأمريكية في العالم العربي.

إبتذال الشرعية

إبتذال الشرعية

فهمي هويدي

حتى الشرعية لم تسلم من العبث والابتذال، بعدما صار بوسع أعوان السلاطين أن يستصدروا من المؤسسات السلطانية ما شاءوا من مراسيم وقوانين تسوغ العسف والقمع، ثم الاحتجاج بها فى مواجهة الجميع بزعم أنها الشرعية التى لا تحتمل ردا ولا نقدا.

(1)

هذا المنطوق من وحى الحوار الدائر فى مصر منذ عدة أسابيع حول ملف المستقبل الذى يكتنفه الغموض المقصود. وهو الحوار الذى توقف خلال الأيام العشرة الأخيرة، بسبب اللوثة الكروية التى ضربت المجتمع المصرى وعطلت عقول الناس فى حين عقدت ألسنتهم عن الخوض فى أى شىء باستثناء المباراة الموعودة، وبعدما انتهى على خير مؤقتا الفاصل الكروى على النحو الذى نعرف، جاز لنا أن «نعود» مستردين وعينا المخطوف.

وللتذكرة فإن بعض الذى صدر عن فريق «الموالاة» أثناء الجدل حول خيارات المستقبل كان هزلا مستغربا يتعذر أخذه على محمل الجد. والبعض الآخر كان ادعاءات تستحق التفنيد والرد.

وما أدهشنى فى كلام الفريق الأول ليس فقط تهافت الآراء التى عبروا عنها، وإنما أيضا أن أصحاب تلك الآراء أناس محترمون، مسئولون كبار وأساتذة جامعيون بعضهم تخصص فى العلوم السياسية ودرَّسها للطلاب.

الأمر الذى بدا شاهدا على أن الالتحاق بمركبة السلطة لا يحدث فقط انقلابا فى أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية وتطلعاتهم الطبقية، ولكن ذلك الانقلاب يشمل أيضا طرائق تفكيرهم وحالتهم العقلية والفكرية. كأن وهج السلطة لا يخطف الأبصار فحسب، ولكنه يبهر العقول أيضا ويفقدها توازنها.

من قبيل الآراء المتهافتة التى رددتها أصوات فريق الموالاة أن اقتراح البدائل للمستقبل هو من قبيل فرض الوصاية على المجتمع، وأن القائلين بتلك البدائل لهم أجندات ومآرب أخرى تستهدف ضرب الاستقرار. وهو كلام مضحك ليس فقط لأنه يطالب أصحاب الرأى الآخر بألا يقدموا أية تصورات أو بدائل للمستقبل.

ولكن أيضا لأن الذين يرفضون الوصاية يدافعون عن وضع سياسى أحكم قبضته، على المجتمع المصرى طوال العقود الثلاثة الأخيرة، حتى وصفه المستشار طارق البشرى بأنه «مجتمع مخنوق»، وهو من فصَّل فى مطلب الجماعة الوطنية الداعى إلى رفع تلك الوصاية الكئيبة، فى كتابه الذى سبقت الإشارة إليه «مصر بين العصيان والتفكك».

واعتبر ذلك إحدى ركائز الإصلاح السياسى المنشود، إذ قال صراحة إن المطلوب تنحية السلطة الوصائية المفروضة من وزارة العدل بشأن القضاء، ووزارة التعليم العالى بشأن الجامعات، ووزارة الأوقاف بشأن الأوقاف، ووزارة العمل بشأن النقابات العمالية، ووزارة الشئون الاجتماعية بشأن الجمعيات، ووزارة الزراعة بشأن التعاونيات الزراعية، ووزارة الصناعة بشأن التعاونيات الإنتاجية، ووزارة الإسكان بشأن التعاونيات الإسكانية، ووزارة التموين والتجارة الداخلية بشأن التعاونيات الاستهلاكية. ومن عندى أضيف ووزارة الداخلية بشأن كل الأنشطة السابقة.

من ناحية أخرى فإننى استغرب أن تتهم المعارضة الوطنية بأن لديها أجندات ومآرب أخرى، لأن ذلك بمثابة حق طبيعى لها، طالما أنها اختارت ألا تكون استنساخا للحزب الحاكم. إذ لا غضاضة فى وجود تلك الأجندات والمآرب، طالما أنها تتحرك على أرضية المشروع الوطنى، وتبتغى تحقيق مرادها بالأسلوب السلمى والديمقراطى. ولأن ذلك هو الحاصل فإن اتهامها والتنديد بها يغدو نوعا من الإرهاب الفكرى المفضوح.

(2)

إذا قلبنا صفحة الهزل فى خطاب عناصر الموالاة، فسنجد أن الشق الجاد فى ذلك الخطاب ركز على أمرين أولهما التحذير من إدخال تعديلات على الدستور، وثانيهما ضرورة احترام الشرعية. وفيما يخص الدستور فإن كتابات الموالين تعاملت معه باعتباره قرآنا لا يأتيه الباطل من أى باب، وحفلت الصحف القومية بوجه أخص بمرافعات الدفاع عنه والتشبث بكل ما ورد فيه.

بما أعطى انطباعا بأن دعاة الإصلاح الحقيقى يريدون إحداث انقلاب دستورى، وليس مجرد تعديلات تسد الثغرات وتصوب العوج، وتعيد للدستور هيبته واحترامه.

الأهم من ذلك والأنكى أن الذين صدعوا رءوسنا بمرافعاتهم تلك، التزموا الصمت إزاء عمليات العبث بالدستور التى تعاقبت خلال العقود الثلاثة الأخيرة حتى ابتذلته وأهانته.

بل وحولته إلى عقبة فى سبيل التحول الديمقراطى. وهذه الجملة الأخيرة كانت عنوانا لمقال نشرته صحيفة «الشروق» فى 10/11 الحالى، للدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية.

فى نص المقال شهادة ذكر فيها الكاتب أن قيادات الحزب الحاكم تعاملت مع الدستور بأسلوب أبعد ما يكون عن احترامه والالتزام بأحكامه. بل إن تلك القيادات نزعت عن الدستور طبيعته السامية فأنزلته من مقامه الرفيع باعتباره أبو القوانين، بحيث أصبح مجرد وثيقة تعكس رغبات الحاكم الفرد ولا تحظى بالإجماع الوطنى.

تجلى ذلك فى التعديلات التى أدخلها الرئيس مبارك على الدستور القائم فى سنتى 2005 و2007، وفاقت فى عددها التعديلات التى أدخلت على أى وثيقة دستورية عرفتها مصر فى تطورها الدستورى منذ عام 1866، ذلك أن تعديل 2005 بعدما قرر مبدأ الانتخابات التنافسية على رئاسة الجمهورية، فوسعها بعد أن كانت استفتاء على شخص واحد، فإنه ضيقها لاحقا حين وضع شروطا للترشح تغلق الباب فى وجه أى مرشح لا يعتمده الحزب الوطنى.

وجاءت التعديلات الكارثية التى تمت فى سنة 2007 وشملت 34 مادة مرة واحدة، أجهضت الأمل فى إمكانية الإصلاح السياسى.

سواء بالشروط بالغة التعسف التى وضعت أمام المترشحين للرئاسة، أو بإلغاء الإشراف القضائى على الانتخابات أو بتوسيع صلاحيات المحاكم العسكرية وتقنين محاكمتها للمدنيين.

هذه التعديلات كانت بمثابة تلاعب بالدستور نال من مكانته وهز الثقة فيه. إذ لم يؤيدها سوى ممثلى الحزب الوطنى فى مجلس الشعب الذى أقرها ومررها.

وإزاء معارضة بقية القوى الوطنية والجماعات الأهلية لها، فقد بدا واضحا أن الدستور لم يعد ممثلا لإجماع الأمة بقدر ما أصبح معبرا عن أهواء محتكرى السلطة. وتلك خلاصة أثارت العديد من علامات الاستفهام حول مدى شرعيته.

(3)

للمستشار سمير حافظ مقالة مهمة نشرتها له جريدة الدستور (فى 3/7/2008) تحت عنوان: لماذا لا يحترم القانون فى مصر؟ قال فيه إن ثمة تشريعات لها شكل القانون «أو الدستور» لكنها ليست قانونا. وأضاف أن التشريعات التى توضع لتمرير مصالح نفر من سادة المجتمع على حساب الجماعة تظل نصوصا لها شكل القانون لكنها ليست قانونا ــ والتشريعات التى توضع لقهر المجتمع وتمكين أشخاص بأعينهم من التسلط على العباد تظل نصوصا لها شكل القانون دون معنى القانون.

وفى ظل هذا الانحراف بالتشريع فإن هذه النصوص لن تلقى احتراما من أحد، لأنها لن تحمى حقا وإنما تهدر كل الحقوق، فيشيع فى المجتمع حق القوة لا قوة الحق.

خلص المستشار سمير حافظ من تحليله إلى أن التشريعات بالمفهوم السابق الإشارة إليه سادت فى المجتمع المصرى فى هذا «الزمن الردىء». وهو لم يعترف بها كقوانين لأنها افتقدت شرط تحقيق مصالح الجماعة التى بدونها يفقد القانون روحه وصفته.

وقد أثبت فى مقاله ما أجمع عليه أهل القانون فى تعريفه له، من أنه مجموعة القواعد العامة المجردة، التى تنظم علاقة ما على نحو يعكس قيم المجتمع بقصد تحقيق أهدافه. وهو ما يعنى أنه ما لم تتوافر صفتا العموم والتجرد فى التشريع فإنه لا يعد قانونا بالمفهوم الفنى والسياسى أيضا.

هذه الخلفية تستدعى السؤال التالى: هل التعديلات التى أدخلت على الدستور الذى انبرت أصوات الموالاة للدفاع عنه توفر لها شرط العموم والتجرد أم لا؟

الإجابة بلا قطعا لأن أحدا من الباحثين لا يختلف على أن تلك التعديلات وضعها «ترزية» القوانين لتفصيلها على أشخاص بعينهم وأوضاع بذاتها، خصوصا تعديل المادة 76 المتعلقة بشروط الترشح للرئاسة الذى اعتبره الفقيه الدستورى يحيى الجمل «عوارا دستوريا»، ونتيجة ذلك أنها أصبحت تجرح الدستور وتطعن فى شرعية التعديلات التى أدخلت عليه.

(4)

فقهاء القانون فى الغرب ينسبون مبدأ «الشرعية» كأساس للدولة الحديثة إلى فكر الفيلسوف الفرنسى مونتسكيو، الذى نبه إليه فى كتابه «روح القوانين» الصادر فى عام 1748م، إذ ميز فيه بين أشكال ثلاثة للحكومات هى: الجمهورية التى يقوم فيها الشعب على شئون الحكم بواسطة ممثليه. والملكية حيث الحكم لفرد واحد يقوم عليه طبقا لقوانين قائمة.

والاستبداد أو حكم الفرد الذى لا يلتزم فى ممارسته للسلطة بالقانون، وإنما إرادته وهواه هما القانون.

ولم يخطر على بال مونتسكيو أن أساليب الحكم يمكن أن تتطور بحيث تقوم حكومات جمهورية تصطنع تمثيلا مغشوشا لإرادة الشعب، يمارس حكم الفرد من خلاله. الأمر الذى لا يزور إرادة الشعب فحسب، لكنه يزور الديمقراطية والشرعية أيضا.

السؤال المهم الذى يفرض نفسه فى هذا السياق هو: كيف يمكن حماية الشرعية من العبث والابتذال؟ فى الرد على ذلك هناك مدرستان. فالباحثون المسلمون يعتبرون الشريعة بمصدرها الإلهى غير القابل للعبث تجسيدا لذلك الضمان.

وللدكتور محمد طه بدوى أستاد القانون الدستورى الراحل بحث مستفيض فى هذا الباب رد فيه على ما أورده المستشرق الانجليزى توماس أرنولد بشأن نظرية الإسلام السياسية، فى كتابه حول الخلافة.

(البحث نشر فى كتاب مناهج المستشرقين، الذى أصدره فى عام 1985 مكتب التربية الخليجى). وفى بحثه انتقد الدكتور بدوى مفهوم الشرعية فى النظام القانونى الغربى، الذى يعنى الالتزام بالنظام القانونى الوضعى للدولة التزاما شكليا. فلا يجاوز ذلك إلى الالتزام بما وراءه من قيم أساسية وأهداف عليا.

فى مقابل ذلك فإن شرعية السلطة فى الدولة الإسلامية مرهونة فى قيامها وفى استمرارها بالتزامها بالعمل على إعمال النظام القانونى الإسلامى فى جملته دونما تمييز بين أحكامه المنظمة لسلوك المسلم كمواطن وحاكم، وبين تلك القيم الأساسية والأهداف العليا التى وردت فى الكتاب والسنة، وضرب مثلا بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، المأمور به شرعا والمتضمن لحق مقاومة الجور والظلم.

وهو ما لا تجيزه القوانين الوضعية فى أى بلد، وقد تجرمه. ولكنه فى المفهوم الإسلامى له شرعيته التى ليس لأحد أن يتحلل منها أو يجرمها.

نموذج الديمقراطيات الحديثة يقدم حلا آخر لتحصين الشرعية والحيلولة دون العبث بها، يتمثل ذلك الحل فى قوة المجتمع المدنى بمؤسساته وجماعاته الأهلية، التى تنشأ ويقوى عودها فى أجواء الحرية والديمقراطية، ذلك أن تلك المؤسسات والجماعات الأهلية بما تمارسه من تمثيل فى السلطة ورقابة على أدائها تظل قادرة على القيام بمسئولية الدفاع عن المصالح العليا للمجتمع ومن ثم الحيلولة دون الانحراف بالشرعية أو العبث بها.

فى مواجهة النموذجين نجد أنفسنا فى موقف لا نحسد عليه، إذ لدى بعض مثقفينا تحفظات على النموذج الإسلامى ناشئة عن سوء الظن أو سوء الفهم، ولدى أنظمتنا تحفظات أكبر على التطبيق الديمقراطى الذى يكفل الحرية والديمقراطية، يمكن المجتمع من أن ينهض بمسئولية الدفاع عن مصالحه العليا وتقويم عوج السلطة ومحاسبتها على انحرافاتها.

لسنا فى مقام المفاضلة بين هذا النموذج أو ذاك، وأكثر ما يهمنا فى الوقت الراهن هو توفير شرعية حقيقية تحظى بالإجماع والاهتمام، ولذلك فإن خيارنا الوحيد أن نتشبث بالدعوة إلى التركيز على قضية الحريات العامة، التى بدون توفيرها سيظل باب العبث بكل شىء مفتوحا على مصراعيه.

وتلك لعمرى معركة طويلة الأمد وباهظة التكلفة. وبدون كسبها سنخسر الحاضر والمستقبل معا.

صدريون في صعدة و حوثيون في النجف - 7

صدريون في صعدة و حوثيون في النجف - 7

فاضل الربيعي

الآن، وقد انتقلت أزمة صعدة من طور الأزمة المحلية التقليدية إلى طور الأزمة الإقليمية، كما توقعنا، وبات النزاع الإيراني- السعودي يطفو تدريجياً على السطح، وقابلاً بصورة تلقائية وسهلة لأن يتخذ طابعاً مذهبياً مكشوفاً، فإن لمن المهمّ للغاية التركيز على النتائج الخطيرة المترتبة على استمرار هذه الحرب العبثية. وبكل تأكيد، فإن الاحتمالات المتعلقة بوجود ظروف ملائمة لدخول أطراف أخرى، أو تطور الحرب المحلية الداخلية إلى حرب إقليمية شرسة ودموية وطويلة، ستظل من بين أخطر هذه النتائج على الإطلاق.

لنتذكر أن الحرب العراقية- الإيرانية في خريف 1982 ولدت من رحم أزمة نشبت على خلفية «التدخل الإيراني في شؤون العراق» خصوصاً بعد حادث إلقاء قنبلة في الجامعة المستنصرية استهدفت وزير الخارجية آنذاك طريق عزيز، وإثر سلسلة من حوادث إطلاق النار على الحدود. لكن الأزمة العراقية- الإيرانية تفجرّت بعنف وشراسة بعد تصاعد ما سمي بمحاولات إيرانية لتصدير الثورة إلى العراق. وكما كان هناك إيرانيون في بغداد، كان هناك على الدوام عراقيون في طهران. ولذا، تشكلت في إيران وخلال تلك الأحداث، جماعات عراقية مسلحة مناهضة للحكم في بغداد سوف تعرف باسم (فيلق بدر- المجلس الأعلى بقيادة باقر الحكيم)، بينما ظهرت جماعات إيرانية معارضة ومسلحة في بغداد تعرف باسم «مجاهدي خلق». لقد بدا مسرح الحرب الإقليمية مهيئاً ومعدّاً لحرب مركّبة وطويلة، يتداخل فيها القومي بالمذهبي، وتنخرط فيها قوى وأدوات وجماعات تعيش في البلدين الجارين. وهذه، وجدت في اندلاع الحرب، فرصة للدخول للمسرح السياسي كقوى مقرّرة لا لمستقبل الحرب، بل لمستقبل البلدين. إن احتمالات دخول أطراف وأدوات صراع جديدة على خط الحرب في صعدة، لم تعد مجرد تكهنات مبنية على الشعور بالهلع والذعر من تطور الأحداث، بل هي احتمالات حقيقية قد تفرضها ظروف القتال الذي بدأت رقعته تتسع، وكذلك متطلبات كل طرف لمواصلة الصراع.

ومن بين هذه الاحتمالات، يجب أن يتركز الانتباه إلى دور متوقع قد تلعبه في تغيير مسار حرب صعدة، جماعات إيرانية معارضة من بينها أحزاب وقوى أحوازية مسلحة، تنتظر الفرصة والظروف الملائمة لنقل الحرب في صعدة إلى قلب إيران. وهذه الجماعات والقوى تنتسب إلى إقليم خوزستان الإيراني (العربي المتنازع عليه مع العراق ويسمى الأحواز)، وهي تستطيع أن تتسلل إلى البصرة أو أن تتواجد متوارية عن الأنظار هناك، لكنها في كل الأحوال سوف تتحين الفرص لشن حرب عصابات من داخل الأراضي الإيرانية بالاعتماد على مساعدات «خارجية».

إن الجماعات الأحوازية في الخارج (وعددها كبير وهي تعيش انقسامات وخلافات سياسية حادة)، لديها مع ذلك مطالب ثقافية وسياسية موحدة، كما أنها تعارض طهران على أساس مذهبي، فهي جماعات عربية سنيّة ضاقت ذرعاً بولاية الفقيه، وقد تصبح في وقتٍ ما من تطور الأحداث، طرفاً مقرراً من بين أطراف أخرى، لا لمستقبل الحرب في صعدة، بل لمستقبل إيران نفسها.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار تنامي وتصاعد معارضة عنيفة في قلب إيران ويقودها رجال دين وشخصيات سياسية تاريخية مثل كروبي وموسوي، فإن الحرب في صعدة لن تظل مجرد صدام يمني- يمني، أو وهابي- زيدي، أو سعودي- إيراني، أو وهابي- شيعي، بل إن من المحتمل تطورها إلى حرب عربية- فارسية، أي حرب مذهبية سنيّة- شيعيّة. ولذلك، فليس دون معنى، أن الأنباء المتواترة عن وجود جماعات أحوازية تتدرب في مصر، وتتهيأ للعب دور ما، هي اليوم من بين أكثر الأنباء إثارة للقلق سواء في إيران أم في العراق، لأن هذه الجماعات قابلة للتحول إلى مواد مفجرّة للصراع العربي- الفارسي، وأن تغدو في الآن نفسه أدوات في الحرب. لقد بات المسرح في المنطقة مفتوحاً ويا للأسف، أمام إمكانية اشتعال حرب عربية- إيرانية (سوف تسمى صراعاً عربياً- فارسياً) ليس الغرض منها سوى تجميد الصراع العربي- الإسرائيلي أو استبداله. ولذلك، لم تعد الحرب في صعدة مجرد حرب داخلية. والأدق أنها الحرب التي سوف يكتب التاريخ عنها ذات يوم، أنها الأزمة التي أنشأت الظروف الملائمة لاندلاع صراع خطير ومدّمر في المنطقة تنزف فيه دماء العرب والإيرانيين والشيعة والسنة بفضل خديعة كبرى، يكاد الجميع يقول اليوم في سرّه إنها تنطلي علينا. أما في العلن، فإن الجميع قد يضطر إلى ترديد الأكاذيب والمزاعم عنها. وصراع من هذا النوع لن يؤدي إلى مأساة عربية- إيرانية فحسب، بل سوف يكون صراعاً تختلط فيه الدموع بالدماء لوقت طويل.

إن ما يتطلع إليه الغرب الاستعماري هو ببساطة، أن تؤدي حرب صعدة في نهاية المطاف إلى تفكك الدول وتمزق المجتمعات في الشرق الأوسط القديم، فهذا هو السبيل الوحيد لولادة شرق أوسط جديد، يُطوى فيه نهائياً ملف الصراع العربي- الإسرائيلي دون حل يلبي أي مطلب من مطالب العرب، بينما يمكن توجيه ضربة قاتلة لأحلام وطموحات إيران.

ليذهب العرب والإيرانيون إلى الجحيم، ولتعش إسرائيل هانئة. هذا هو النشيد الحقيقي الذي تقرع له الطبول منذ الآن، وتصدح فيه جوقات بعض وسائل الإعلام العربية والغربية عن «أطماع إيرانية» أكثر خطورة من الاحتلال الأميركي للعراق، وأدهى من الخطر الصهيوني على ما تبقى من فلسطين.

لا سبيل إلى نكران حقيقة أن إيران تتدخل. نعم إنها متورطة في ذلك، كما لا يمكن الدفاع عن بعض أو كثير من السياسات الإيرانية أو تبريرها. لكن، أليست الحرب العراقية- الإيرانية درساً قاسياً؟ دعونا نتأمل في سطور المأساة قبل أن تصبح حكاية مريرة عن نزاع داخلي تحول إلى صراع إقليمي مخيف.

غزة .. إقليم متمرد

غزة .. إقليم متمرد

محمد المدهون

سلسلة إجراءات وملاحقات وحصار وتحريض ومقاطعة وعدوان عسكري لتقويض الحكومة بغزة وإنهاء الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني بعد أن خرج عن بيت الطاعة الإسرائيلي، وبما أن الحلول العسكرية أثبتت فشلها وكذلك فشل التحريض على العصيان المدني، تعود مجدداً الهمهمات باعتبار غزة إقليما متمردا وأتي كمحاولات جديدة لنفس الهدف، ولكن لماذا الآن هذا التهديد بالذات؟

لا شك أن الفترة الزمنية غاية في الحساسية، فأولاً أبو مازن أمام استحقاق دستوري خطير وهام خاصة بعد الإعلان عن عدم الترشح للرئاسة، إضافة إلى هذا فإن الساحة الأميركية والإسرائيلية أمام تحديات صعبة في إيران وأفغانستان والعراق ولبنان وأخيراً غزة، وهذا سيعني أنهما قد لا يكونان مستعدين لمساعدة حليفهما عباس في وقت الشدة وربما هذا يفسر حالة اللامبالاة الأميركية الإسرائيلية. على أي حال, فإنه من الواضح أن هذه هي إحدى المحاولات الأخيرة اليائسة بشكل عام في محاربة حماس وقطاع غزة.

وفي مؤشر خطير على بدء التجهيز لاتخاذ هذا القرار، كشف مصدر دبلوماسي أوروبي أن مقربين من محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض، يتولون حملة واسعة النطاق لدى جهات أميركية وأوروبية للتحريض ضد قطاع غزة وفرض مزيد من التضييق عليه، للضغط على حركة حماس. وقد كان سابقاً هناك تحريض سافر باجتياح قطاع غزة والقضاء على حماس تم تنفيذه ولم يحقق الهدف بالاجتثاث.

الحيثيات

إن إعلان قطاع غزة "إقليما متمردا" يعني وقف دفع الالتزامات المالية من قبل رام الله بخصوص المياه والكهرباء للشركات الإسرائيلية نيابة عن قطاع غزة ووقف جميع المساعدات المالية إلى قطاع غزة، بالإضافة إلى هذا فإن كل الذين يتقاضون أجورهم من رام الله سيتم وقف رواتبهم حتى يضاعفوا عامل ضغط على حكومة غزة، وأيضاً فإن كل المؤسسات الأجنبية سوف تتحمل تبعات كل ما يجرى لهم في حال تعرضهم لأي خطر لأن الرئيس لا يملك أي سلطة في غزة، وهذا تخويف لهم ودفعهم لترك غزة وكذلك قطع كل ارتباطاتهم بغزة، وكذلك سيتم الإيعاز للبنوك أن تقفل فروعها في غزة حتى لا يتم تحويل الأموال للقطاع، كل ذلك يعني أن غزة (مهدورة الدم)، كل ذلك سيكون موازياً مع تشديد الحصار.

الدوافع

يسعى هذا السيناريو إلى التغطية الحقيقية على الفشل الذريع في المفاوضات مع العدو والذي يعني أن وجود عباس لم يعد له أي داع، وأن شخص عباس بل كل فتح تمت أهانتها بشكل بذيء، والأمر الآن محرج جداً بالنسبة لعباس الذي راهن على العدو ولم يراهن على شعبه.

ويصاحب ذلك استباق نتائج المصالحة الفلسطينية بنوع من خلط الأوراق والإرباك وتحسين الموقع التفاوضي، وهذا الأمر يعكس مدي هشاشة الموقف العباسي والفتحاوي من الحوار الفلسطيني. وهذا يحقق رغبات فئة في رام الله في الانتقام من حماس واستعادة المكاسب والممالك الشخصية، وبناءً عليه فهذه محاولة لهم لعلها تنجح.

وليس خافياً على أحد أن خشية عباس من عدم قدرته على إجراء انتخابات في غزة والضفة يأخذ نحو سيناريو إعلان غزة إقليماً متمرداً وبالتالي يجري انتخابات في الضفة فقط التي ستعطيه وفتح ولاية جديدة قد تسمح بعقد صفقات سياسية وتمرير اتفاقات.

الإمكانية

إن الإعلان بأن غزة إقليم متمرد من الناحية الواقعية والعملية يكاد يكون أقرب للخيال منه للواقع حيث لا يوجد سند أو نص قانوني صريح يعطي الرئيس هذا الحق أو الصلاحية, وقد لا يحتاج عباس أي أساس قانوني لمثل هذا العمل الجنوني، فعباس لم يعط وزناً للدستور في كثير من قراراته.

ومن الناحية الواقعية لا يمكن أن تعلن إقليما متمرداً ليس لك عليه السيادة السياسية بالمطلق بمعنى أن فلسطين من الناحية السياسية والقانونية تحت الاحتلال المباشر، فليست الضفة بأرض محررة ولا غزة من الناحية القانونية والسياسية كاملة التحرير، فكيف تعلن إقليما تحت الاحتلال متمرداً دون أن تملك الولاية القانونية السياسية السيادية عليه. مع العلم أنه قد تم إنشاء السلطة الفلسطينية بأمر من الحاكم العسكري الصهيوني بمعنى أن الولاية القانونية والسيادة السياسية لا زالت تحت إمرة الحاكم العسكري الصهيوني.

ومن الناحية السياسية هذا القرار سيضع فتح في مواجهة الكل الفلسطيني. علاوة على أن الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية لن تقبل هذا الإعلان على الإطلاق، وسيكون عباس تخطى مرحلة الخيانة والتآمر بالقول والتحريض.
وقد لا يكون هذا القرار موافقاً عليه من قوى داخل فتح لأنه باختصار سيعنى أن فتح بالكلية أصبحت ليس فقط في حلف التسوية بل أصبحت ضد شعبها وقضيتها الوطنية. ورغم كل ذلك فمن الواجب تبني السيناريو الأسوأ.

التبعات

في حال حدوث مثل هذا الأمر الخطير فلا شك أن تبعاته ستكون خطيرة ولا يمكن إصلاحها وتقفز على جميع المراحل السابقة، فسياسياً يتكرس الفصل الكامل بين الضفة وغزة، والعلاقة بين حماس وفتح ستأخذ صيغة طلاق بائن بينونة كبرى, وكذلك الفشل التام لأي حوار مهما كان المصلحون والوسطاء، أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فلا شك أنها ستكون نكسة خطيرة يتحمل عباس تبعاتها وآثارها.

وقانونياً سيترتب على حماس أن تجد لها صيغة قانونية تضبط إدارتها وسياساتها الداخلية والخارجية وكذلك جهازها القضائي، ليس غريباً أن تواجه غزة وحكومتها عباس قضائياً داخلياً وخارجياً للجرائم التي ستكون تبعات مثل هذا القرار.
كثير من الخدمات وخصوصاً الحيوية مثل الماء والكهرباء والطاقة وكذلك الخدمات الصحية والإنسانية ستكون بلا أدنى شك مهددة بالتوقف التام أو شبه التام وهذا سيلقي بظلاله على الواقع الفلسطيني في غزة.

علاوة على أن حصار غزة الذي يدخل عامه الرابع ألقى بظلاله السيئة والكارثية على كل مرافق القطاع: ماليا، تجاريا، معيشيا، زراعيا، صناعيا، والخطوة المتوقعة ستضيف عبئا إضافياً على أعباء الغزيين، لا يتوقع أحد كم سيكون حجمها وكذلك قدرتهم على تحملها.

إن الإعلان عن غزة إقليماً متمرداً سيعني الغطاء الإضافي لضرب غزة مجدداً من قبل الأعداء بشكل أقسى وأكثر من ذي قبل، وهذا يتطلب عبئا إضافيا على المقاومة وبالتالي إدخال غزة في دوامة جديدة من المواجهات العسكرية الدامية.

المواقف

عربياً: لا شك أن النظام العربي الرسمي وخصوصاً دول ما يسمى بمحور الاعتدال ستكون أقرب لقبول هذا القرار وتطبيقه ولو بشكل غير معلن والظهور بمظهر الداعي للوفاق وإعادة اللحمة، والدليل هو مواقفهم من حكومة حماس، أما دول الممانعة فستكون في موقف مختلف ولكن حسب مصلحة كل منها وخصوصاً في ظل التطورات الأخيرة على الساحات المختلفة ومنها الإيرانية والسورية. أما الموقف الشعبي العربي كان ولا زال مع المقاومة ومحاربة الظلم والعدوان، وهي بالطبع ستكون كما هي دائماً مع غزة وخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي الحر.

دولياً: كان وسيبقى الموقف الدولي موقفاً منافقاً ومعادياً مع بعض الفروقات بينهم، لذلك لا يمكن في هذه الأزمة التعويل على مواقفهم، ولكن يمكن التعويل بعض الشيء على الرأي العام والمنظمات الإنسانية والحقوقية والإعلامية وكذلك الجاليات العربية والمسلمة التي لن تكون إلا مع الشعب الفلسطيني في حقه المشروع في المقاومة والعيش بكرامة.

إسرائيلياً: بالإمكان الحديث عن نظرتين إسرائيليتين لما عليه الوضع في غزة، أقصد سيطرة حماس، نظرة آنية قصيرة المدى تتعلق بترسيخ هذا الانقسام الحاصل على الساحة الفلسطينية، وما يستوجبه ذلك من عدم تبني خيار إعلان غزة إقليما متمردا، لأن من شأنه على المدى البعيد -حسب ما يقول مروجو هذا الخيار- إعادتها إلى شقيقتها الضفة الغربية.

ونظرة إستراتيجية بعيدة المدى تبدي خشية حقيقية وجدية من قيام حماس بعملية "حزبلة" سريعة، أي تحولها رويداً رويداً إلى منظمة حزب الله رقم 2، وما يشكله ذلك من مخاطر عسكرية وأمنية لا قبل لإسرائيل بها!

فلسطينياً: واضح جداً أن الموقف الفصائلي الفلسطيني سيكون بكليته ضد هذا الطرح وخصوصاً فصائل المقاومة، وكذلك الحال للقوى الشعبية والنقابية والشخصيات المستقلة.

وحماس ستواجه ذلك بالرفض الشديد وإظهاره بالمظهر الشيطاني المعادي للقضية الفلسطينية والخيار الفلسطيني والانقلاب الواضح على الديمقراطية.

كيف السبيل؟

سياسياً: العمل على طرح مبادرات سياسية في الساحة الفلسطينية تقطع الطريق على هذا التوجه مع قبول لمبادرات الحوار والمصالحة وخاصة الورقة المصرية الأخيرة, وتقليل الفجوة سياسياً في الساحة الفلسطينية الحزبية مع جميع الفصائل.

إرسال رسائل لكل الأطراف المعنية، كالجامعة العربية، والدول العربية والإسلامية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأطراف العربية الرئيسية لتحمل مسؤولياتها في عدم الموافقة على مثل هذا الأمر وتبيان حجم الكارثة للعواقب التي ستنتج عن مثل هذا الإجراء. والعمل على صناعة قناعة مصرية أن وصول غزة إلى حالة بائسة سيشكل خطورة على أمنها القومي وهو الأمر الذي لا يرغب أحد فيه.

إعلامياً: لم يعد خافياً على أحد أهمية الدور الإعلامي في المواجهات السياسية وفي إدارة الأزمات والصراعات، لذلك لا بد من فضح أبعاد المخطط عبر حملة إعلامية تهدف لتوعية الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي لأبعاد هذا الأمر المشين والأخطار المترتبة عليه وأبعاد تداعياته المختلفة التي تم ذكرها.

جماهيرياً: يجب كسب الجماهير الفلسطينية عموماً والغزية خصوصاً وذلك لتأمين الجبهة الداخلية والتواصل مع الناس جميعاً وتقديم النموذج الجيد في كل الأمور وخصوصاً بترسيخ قاعدة (لا أحد فوق القانون). والعمل أيضاً على توحيد الصفوف الفصائلية والشعبية حول رفض هذا الإجراء المشين.

إدارياً: الاستعداد على مستوى التحضير لأزمة مالية جراء المقاطعة المالية وتغطية النفقات وكذلك إيقاف النظام المصرفي في غزة, والتحضير لتقديم خدمات إنسانية واجتماعية وصحية وتعليمية في ظل واقع جديد أكثر صعوبة, والعمل على إيجاد بدائل وخصوصاً في المرافق الحيوية مثل الطاقة والمواد الغذائية.

إن الدعوة المشينة والتحريض السافر لإعلان غزة إقليما متمردا لا يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية ولا يعزز من فرص المصالحة، ويأخذ القضية الفلسطينية بعيداً عن مشروع التحرر الوطني.

الاثنين، نوفمبر 23

مخابرات كرة القدم

مخابرات كرة القدم

د. عبد الستار قاسم

لست بصدد التأفف مما جرى من مخاز كروية عربية بين مصر والجزائر، ولا بصدد البكاء على القومية العربية وما آلت إليه جهالات الأمة، وإنما بصدد أنظمة عربية لا تستطيع أن تستمر في الحكم إلا بجهل الناس وسذاجتهم، وبتفوق انفعاليتهم على كل ما هو عقلاني. فما جرى بين الجزائر ومصر ليس أمرا غريبا على الساحة العربية، فقد سبق لجماهير أردنية أن هتفت لشارون (سير سير يا شارون، إنت بغزة واحنا هون) ضد الفلسطينيين داخل الملعب بسبب مباراة كرة قدم، وسبق أيضا أن توترت الأوضاع بين الجزائر ومصر قبل عشرين عاما بسبب الكرة.

ليس الكرة وحدها

كرة القدم ليست هي الوحيدة التي تثير البغضاء والكراهية بين الشعوب العربية، وليست هي السبب في تمزيق الأمة، أو هي المظهر الوحيد للغباء أو التغابي، أو التغبية لسلوك شعوب عربية تتبادل الأحقاد والكراهية دون أن تعلم لماذا، أو بالأحرى لأن رجل السياسة لا يهنأ له بال إلا إذا بقيت الأمة ممزقة. الكراهية متبادلة بين الفلسطينيين والأردنيين، بين المغاربة والجزائريين، بين السودانيين والمصريين، بين العراقيين والكويتيين، بين الكويتيين والفلسطينيين، بين اللبنانيين والسوريين، بين القطريين والنجديين، إلخ.


حتى أن الكراهية والحقدية لم تعد تقتصر على الشعوب العربية، وإنما امتدت لتشمل القطر الواحد، ولتمزق وحدة القطر الشعبية. مصر تعاني من التوتر بين الأقباط والمسلمين، بين الصعيدي والبحيري؛ والسودان بين الشمال والجنوب، بين المسلم وغير المسلم، بين العربي وغير العربي؛ اليمن بين الحوثي وغير الحوثي، بين الشمال والجنوب؛ الأردن بين إربد والكرك، بين فلسطيني وأردني؛ فلسطين بين غزة والضفة، حمساوي وفتحاوي؛ سوريا بين حلب والشام؛ لبنان بين الشمال والجنوب، بين السني والشيعي، بين مسيحي الشمال ومسيحي الوسط؛ العراق بين كل واحد والآخر، إلخ.

يذكر كبار السن من أمتنا العربية كيف كانت مراكش تخرج في تظاهرات إذا أصاب ابن البصرة مكروه، وكيف كانت وهران تتضامن فورا مع عمّان، والقاهرة الهادرة عندما تتأذى دمشق؛ وبغداد الثائرة عند كرامة القيروان. ونحن نذكر كيف أن الموانئ العربية تعطلت في بداية الستينيات عندما رفض عمال ميناء نيويورك تنزيل حمولة شحن مصرية لأسباب سياسية، فاضطرت أميركا إلى الانصياع لأن كل سفنها في الموانئ العربية تعطلت حركتها. ونحن نذكر تماما وقفة الأمة مع مصر في حرب السويس، ووقفة العرب مع الجزائر في ثورتها ضد الفرنساويين. أنا أذكر تماما كيف كنا نتسابق ونحن في المدرسة الابتدائية على تقديم التبرعات النقدية للجزائر، وكلنا كنا نتشوق للقتال من أجل الحرية. وأذكر كيف كان الفلسطيني يحمل صندوق التبرعات فيمتلئ مالا من شارع واحد فقط في بيروت أو الاسكندرية أو الدار البيضاء، كان الناس يتبرعون بسخاء.

أغلب تلك الصور الجميلة التي كانت تبشر بوحدة عربية حصينة ومنيعة انقلبت الآن، لتستعد الشعوب والحكومات لخوض حروب عربية عربية من أجل مباراة كرة قدم.

مسؤولية الأنظمة

الأنظمة العربية جميعها عبارة عن أنظمة استبدادية شهوانية قمعية، وهي تحكم بالحديد والنار، ولا تستطيع الاستمرار في الحكم إلا أبقت الشعوب جاهلة انفعالية لا تستخدم عقولها. ونحن نعرف من التاريخ كيف يتبع المستبد دائما سياسات الكذب والتضليل، وسياسات فرق تسد من أجل أن يبقى متربعا على كرسي الحكم. هذه الأنظمة كانت تتحدث في الخمسينيات والستينيات عن الوحدة العربية في وسائل إعلامها، وكانت توهم الجماهير بأنها تسعى حثيثا نحو بناء أمة موحدة قوية كريمة، وطالما كانت تتحدث عن التقدم في مختلف مجالات الحياة. لكن من الواضح أنها كانت فقط تتساوق مع المزاج العام لجماهير الأمة، وكانت في نفس الوقت تنفذ سياسات تمزق ولا توحد، تفرق ولا توحد. وهذه حقيقة لم تكن لتخفى على الذين كانت لديهم القدرة على التحليل وربط العلاقات الجدلية المنطقية، وكان من السهل تفسيرها بناء على ماهية الأنظمة العربية والتي يمكن تصنيفها كالتالي:

1- هناك أنظمة عربية صنعها الاستعمار البريطاني، أو الغربي، عموما واقتطع لها جزءا من هذا الوطن الكبير لتبقى أداة بيده. هذه هي الأنظمة القبيلية العائلية التي لا يمكن أن تكون مع الأمة إلا بقضايا ثانوية وشكلية لأنها موجودة لخدمة الاستعمار وليس لخدمة الأمة، وإذا تناقضت مصلحة الاستعمار (ومعه إسرائيل) مع مصلحة الأمة، فالأولوية لمصلحة الاستعمار؛

2- هناك أنظمة عربية لا تستطيع صرف رواتب موظفيها نهاية الشهر إلا إذا حصلت على المعونات الشهرية من الدول الاستعمارية الغربية، أو إلا إذا قدمت لها الدول العربية الثرية بإذن من الاستعمار بعض المال، وذلك مثل الأردن والسلطة الفلسطينية واليمن ومصر إلى حد ما، وموريتانيا؛

3- هناك أنظمة عربية لا تستطيع الاستمرار بدون حماية عسكرية من الاستعمار الغربي، ومستقبلها مرهون بإرادة هذا الاستعمار ومعه إسرائيل؛

4- باقي الدول العربية التي لا تندرج تحت أي من التصنيفات أعلاه عبارة عن أنظمة استبدادية لا تصلح للوحدة والتقدم، وهي تتحول تدريجيا إلى أنظمة قبلية وراثية.

لم يكن من الممكن لهذه الظروف الموضوعية التي تحكم الأنظمة العربية إلا أن تفرز سياسات عربية معادية للأمة العربية ومن ضمنها سياسات التجهيل والإصرار على التخلف بخاصة التخلف الاجتماعي، وبث الكراهية والبغضاء بين الناس على المستويين القُطري والقومي. ولهذا ليس من المستغرب أن الأنظمة السياسية لها ضلع مباشر في اقتتال الشعبين الجزائري والمصري. النظامان المصري والجزائري فاسدان يهدران طاقات الأمة وثرواتها، ويستفردان في الحكمين، ويقصيان أصحاب الآراء المخالفة والمعارضة، ويعتقلان المعارضين ويعذبان ويقطعان الأوصال. الشعب المصري يئن من الجوع والفقر وسوء الأحوال الصحية والتعليمية، ومقابر أمواته تغص بالأحياء؛ أما الشعب الجزائري الذي من المفروض أن يكون من الشعوب الثرية ما زال يعاني من البطالة ومن سياسة التجهيل والفرنسة. النظامان مستبدان، ومجالس الشعب لا تقوم بأدوارها وأغلب أعضائها يتلقون الرشى والهبات والامتيازات الخاصة من رأس النظام، وهي عبارة عن عاهات تثقل كاهلى الشعبين المصري والجزائري. فهل من مصلحة للنظامين بإثارة الفتنة؟

النظامان متورطان

(لو) كان هناك منطق، لبادر قادة النظامين، على الأقل على مستوى وزيري الخاجية إلى تطويق هذا الغباء الذي حملته الجماهير إلى الملاعب. كان من السهل جدا على رئيس مصر أن يظهر على الشاشة ليقول لشعبه إن الجزائر بلد الأحرار، وهي التي وقفت مع مصر في حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973، وهي التي أمدت مصر بما احتاجته من سلاح وغذاء بعد حرب عام 1967، وإن شعب الجزائر هم أهلنا وأحبتنا، ومن ثم يقدم اعتذاره نيابة عن الشعب المصري. وكان من الممكن أن يظهر الرئيس الجزائري على الشاشة ليقول لشعبه إن مصر هي التي احتضنت الثورة الجزائرية، وإن الاعتداء الذي تم على فريق الجزائر لا يمثل إلا جهالة بعض الطائشين الذين يمكن أن يوجدوا في أي مجتمع. أو كان من الممكن أن يعتذر لمصر عما جرى في الخرطوم من اعتداء على المشجعين المصريين.

لكن ما يثبت تورط النظامين هو عملية استدعاء السفراء. إذا كان بعض الطائشين هم الذين اعتدوا، فلماذا استدعاء السفراء؟

واضح أن كل نظام معني بتهييج الجماهير لسببين وهما: يحقق كل نظام من خلال هذا التهييج شعبية لأنه يظهر على أنه مع جماهيره ويدافع عما ينفعلون له، وبالتالي يحقق مكاسب ولو على حساب الأمة؛ والثاني هو إلهاء الشعب بالمزيد عن الفساد الذي يُمارس والذي ينهب حقوق هؤلاء المنفعلين الذين يظنون أنهم يصنعون خيرا.

أجهزة المخابرات أداة

هل سألك أحد يوما عن أكثر الناس إساءة للناس في الوطن العربي؟ بالنسبة لي هم رجال المخابرات ذلك لأن أجهزة المخابرات العربية معنية فقط بأمن الأنظمة العربية ولو على حساب أمن الأمة العربية، وأمن الشعب الذي تتجسس عليه. أجهزة المخابرات العربية هي العسس، هي عيون الحاكم وآذانه ومختلف أحاسيسه، وهي التي تسهر على راحة النظام واستمراره. لو سألتهم لقالوا لك إنهم يحافظون على أمن الشعب، لكنهم والله لكاذبون. هم يحافظون على أمن النظام المستبد المتخلف الذي ينهب الثروات ويهدد أمن المواطن، ويوزع بعض النعم على أعوانه، وعلى رأسهم مجندو المخابرات.

تجند الأنظمة العربية أعدادا ضخمة من ضعاف النفوس الذين لا تهمهم سوى مصالحهم الخاصة ليراقبوا الناس، وليتتبعوا أخبارهم ونشاطاتهم وعلاقاتهم، وليكتبوا التقارير حتى لو كانت ضد أمهاتهم وآبائهم، وهؤلاء هم الذين يشيعون الخوف والشك بين الناس، وهم الذين يعملون دائما على نزع الثقة بين الناس ونشر الرذيلة والمفاسد، وهم أيضا الذين يبثون الشائعات بمختلف أشكالها بهدف تضليل الناس، أو بهدف حشد دعم للنظام. هم يتلاعبون بعواطف الناس وبأحاسيسهم ومشاعرهم الوطنية والدينية من أجل تحقيق أغراض سياسية تخدم النظام.

هل صحيح أن أجهزة المخابرات المصرية التي تنتشر في كل ركن وزاوية في مصر لم تكن تعلم عن نية بعض عشاق كرة القدم المصرية الاعتداء على الفريق الجزائري؟ وهل صحيح أن المخابرات الجزائرية التي ساهمت، إلى حد كبير، بحشد أعداد كبيرة من الجزائريين للسفر إلى الخرطوم لا تعلم عن نوايا بعض المشجعين الاعتداء على المشجعين المصريين؟ من معرفتي في أجهزة المخابرات العربية، لا تخرج مثل هذه الأعمال عن أجهزة المخابرات. توعز الأجهزة لاثنين أو ثلاثة من أفرادها لصناعة حدث أرعن، ومن ثم تتبع الجماهير بخاصة أن عددا لا بأس به من الموجودين هم من أجهزة الأمن على كافة أشكالها وأنواعها. إذا كان جهاز المخابرات العربي يهتم بماذا تطبخ أم فاطمة هذا اليوم، أو على أي مقهى يجلس أبو علي، أو على أي شخص ألقى أبو خيبان التحية هذا الصباح، أو على أي جنب استرخى أبو حبطان الليلة الماضية، فألا تهتم بما يمكن أن تقوم به جماهير من الناس؟

التضحية من أجل الحرية

إذا كنا سنهجو الأنظمة العربية وأجهزتها الأمنية فإننا لن ننتهي إذ فيها كل ما يستحق الهجاء. لكن المهم يكمن فيما نحن فاعلون. هل لدينا الاستعداد لنثأر لهذه الأمة ولكرامتنا وعزتنا، أم سنبقى هكذا نساق سوقا نحو الفتن والمصائب والهزائم ولا تتحرك فينا نخوة أو شجاعة أو شهامة؟ إذا كانت إسرائيل قوية بمثل هذه الأنظمة العربية، فهذه الأنظمة قوية بضعف جماهير الأمة العربية. واضح أننا لا نقوم بواجبنا بخاصة نحن الذين نمتلك ولو جزءا من الوعي ومعرفة الحقيقة.

أمم كثيرة ثارت ضد الظلم والاستعباد، وحققت إنجازات نحو الحرية والتحرير، أما نحن العرب فلا تكاد نعال الظلم ترتفع عن رقابنا، مع ذلك لا نحرك ساكنا. شعوب الأرض تنهض وتحقق إنجازات في مجالات الحرية والتعليم، والتغيير الاجتماعي والتطوير الثقافي، لكننا نحن العرب نرتع إما في الفقر والتخلف، أو في التمادي في الاستهلاك وكأن البطون أعز ما نملك.

لقد دعوت مرارا وتكرارا المثقفين العرب للتجمع لنصبح قوة في مواجهة الأنظمة وأجهزة المخابرات، ولكي نتحرر فنبدأ مسيرتنا نحو النهوض. يجب أن نفعل ذلك، ولا مجال أمامنا سوى التضحية من أجل الحرية، ومن لا يريد أن يضحي لا يريد أن يتحرر.

أمةٌ .. وسياسةٌ .. ومباراة

أمةٌ .. وسياسةٌ .. ومباراة

وائل مرزا

تتساءل: هل يجب أن تكتب أيضاً عن المباراة؟ لِمَ لا؟ تقول لنفسك. أنت لا تريد أن تشتكي وتلطم الخدود. حتى وإن كانت الشكوى مشروعة، لكنك تريد أن تقول شيئاً آخر. فما جرى مرآةٌ غريبة لواقعنا بأكمله. وقد تكون فيه إرهاصاتٌ لا يراها الكثيرون لما هو قادم.

الغريبُ هو أن يستغربَ البعض ما جرى. فقديماً قال الشاعر العربي: «تعجبينَ من سَقمي.. صِحّتي هي العجبُ». ولو أن أزمة الجزائر ومصر حصلت في أجواء (حضارية)، لكان الواجبُ أن نموت من صدمةٍ دماغيةٍ أو ذبحةٍ قلبية. الخلاصة أن واقعنا أسوأ مما نرى ونعتقد. لهذا، فالاستمرارُ في تعرية هذا الواقع مطلوبةٌ نفسياً وعملياً، وهو ما يحدث مع مثل هذه الأزمات، مهما رفضناها واستنكرناها وتمنّينا ألا تحدث.

ليس هذا تشاؤماً مبالغاً فيه، فالنظرة السوداوية الشاملة للواقع ليست منطقيةً أصلاً. ولا يُنكر عاقلٌ وجود إيجابياتٍ وكمونٍ هنا وهناك. لكن ذكر الإيجابيات يطرح علينا أسئلةً كبرى تتعلق بحجم الفرص التي ضاعت على العرب في هذه المناسبة للقيام بمبادرات صحيحة. تستوي الحال على المستويين الشعبي والرسمي.


مثلاً، هل كان بإمكان الجماعات الأهلية ذات الحضور الشعبي القيام بمبادرات متنوعة تستخدم فيها رصيدها من الجماهير ورصيدها من الشعارات بألف طريقة وطريقة؟ ولماذا يغيب صوتها العالي وحضورها الجماهيري في مثل هذه المناسبات؟ لقد سمعنا بياناً من هنا وفتوى من هناك، لكنها لم تكن أكثر من صيحات فردية ضاعت في خضم الضجيج.

أكثرُ من هذا، أما كان باستطاعة أحد الطرفين أن يُصدر قراراً سياسياً بالانسحاب من المواجهة، تصحيحاً للواقع وحفظاً لسمعة العرب، وأن يُهدي المشاركة للطرف الآخر؟

قد يعتقد البعض أن القيامة ستقوم على مثل هذا الموقف وأصحابه. لكن هذا الظن يظهر لأن الإبداع مقتولٌ أصلاً في عالمنا. فهذه سياسة يا سادة. وإذا اعترض البعض من الغوغاء والأغبياء في البلد المعني على قرارٍ كهذا، غير أن صاحب القرار سيكون بطلاً قومياً إلى يوم الدين في أعين أكثر من 300 مليون عربي. وفي أسوأ الأحوال، كان يمكن للقرار أن يكون مؤقتاً ولإحداث الصدمة فقط، ثم يتم الإعلان في اليوم التالي أن هذا كان درساً من قيادةٍ تستحق معنى القيادة. وبعدها كانت الأمور ستكون أفضل بكثير، وسيبقى صاحب القرار بطلاً على الدوام.

بشيء من التأمل لا تبدو مثل تلك الممارسة غريبة. بل قد تظهر، خاصةً في واقعنا العربي، أمراً معقولاً جداً ومنطقياً جداً وممكناً جداً. ولو لم يكن واقعنا بالسوء الذي نتحدث عنه لأمكن التعامل مع هذه القضية بمئة طريقة وطريقة تحفظ ماء الوجه، وتُعلّم الأدب لمن يحتاج إليه.

المُضحك المُبكي في الموضوع أن البعض يعتقدون أنهم يتعاملون مع مثل هذه القضايا بكثيرٍ من الذكاء السياسي، في حين أن القاصي والداني يعلمان ما يحدث. والأطرف أن مذيع المباراة شرح الموضوع ببساطة وبعفوية صارخة سمعها عشرات الملايين حين قال في معرض تعليقه: «إذا وصلنا كعرب إلى نهائي كأس العالم فالكل سعداء وكل شيء تمام. ينسى الناس همومهم وينسى حتى الفقراء فقرهم. كل شيء يصبح جيداً إذا وصلنا إلى النهائي». لكن المذيع العتيد لم يقل ما الذي يحدث للناس حين لا نصل إلى النهائي.

ينفضُّ السامر ويذهب كلٌ إلى حال سبيله. هذا ما يعتقده البعض. نعم، ينفضُّ سامر النخبة والأثرياء ويعودون سريعاً إلى حياتهم الصاخبة، لكن ما يحدث لعامة الناس أمرٌ آخر. ما يحدث يا سادة أن الخيبة الهائلة في تحقيق هذا (الإنجاز) اليتيم تزيد شعور ملايين المُعدمين بأوضاعهم المزرية أضعافاً مُضاعفة. وتُراكم خزين القهر والغضب في أعماقهم بشكلٍ مهول.

نحن لا نفكر في هذه الأمة بشكلٍ استراتيجي. وإلا لعلمنا أن مثل هذه (الإنجازات) التي يظن البعض أنهم يُلهون الناس بها تُصبح كالقشّة التي يتعلّق بها الغريق. لكن ما لا يدركه هؤلاء أن هذه القشّة نفسها يمكن أن تتحول في يومٍ من الأيام إلى القشّة التي تكسر ظهر البعير.. وهذا يُشعرك بأن حجم التفكير الاستراتيجي الكامن في أمثال العرب أكبر بكثير من ذاك الذي يملكه كثيرون من الجالسين أعلى الهرم في بعض بلادهم.

نعم، إن الشعوب تصبر. وهي تصبرُ بدرجةٍ لا يتصورها العقل أحياناً. غير أن هذا الصبر يبقى حياً ومستمراً ما دام هناك بصيصُ أمل في حياةٍ أفضل بأية طريقة. لكن المشكلة تبدأ حين تَختزل الممارسةُ السياسية آمال أمةٍ وطموحاتها في أصغر نطاق، مثل ربح مباراةٍ في كرة القدم. وحين يسوء الحظ وينطفئ حتى ذلك البصيص، فإن الأمة تشعر فعلاً بموت كل آمالها وطموحاتها وتفقد أي معنًى لحياتها. والذي يعرف شيئاً عن قوانين الاجتماع البشري يعرف أن هذا الشعور مرعب، وأنه يفتح الباب على جميع الاحتمالات. إن لم يكن اليوم فغداً، وربما في لحظة لا تتوقعها على الإطلاق. وليس أسوأ من هذا سوى الاعتقاد بأن من جيّش الملايين حول قضيةٍ ما يمكن له أن يَصرِفهم عنها. فهذا هو الخطأ الاستراتيجي القاتل الآخر.

إن تجييش الجماهير سلاحٌ مخيفٌ ذو حدّين. وأنت حين تُجيّش الملايين فإنك تفعل أشياءَ لا تخطرُ لك على بال. إنك تفتح لهم مجال التواصل، وتكسر في قلوبهم حاجز الخوف من الاجتماع، وتُدرّبهم على التنظيم والحركة، وتخلق بينهم نوعاً من القدرة على الإجماع على قضية، وعلى التعاون لخدمتها، مهما كانت سخيفةً في بداية المطاف. قد تكون نتيجة هذا الحراك لصالحك مرةً أو مرتين أو عشر مرّات. لكنك لا تضمن كيف سيُستخدم هذا السلاح على الدوام. لم يستطع أحدٌ مهما كانت قدرته أن يضمن هذه المسألة، وفي تاريخ البشرية القريب وحده أمثلةٌ كثيرة ومعروفة على هذا الموضوع.

بالتالي، تبدو الفوضى هي النتيجة الطبيعية، وبكل ما يمكن أن تتخيله من أنواعها.

تتساءل أخيراً عن الحل. تفكر كثيراً. ولكن لا يبدو في الأفق ثمّة حلٌ إذا استمرّ غيابُ إرادة الإصلاح. فقوانين الاجتماع البشري أقوى من قوانين الغرور البشري. وبالتالي، فإنها ستفرض نفسها في نهاية المطاف.

لكأن الكرة أصدق إنباء من الكتب

لكأن الكرة أصدق إنباء من الكتب

مالك التريكي

ذهبت أغلب التعليقات الأسبوع الماضي إلى أن 'الحرب الكروية' الشعواء بين الجزائر ومصر إنما هي دليل إضافي على شدة تخلفنا وهوان شأننا.حيث اعتبر تحول مجرد مباريات رياضية إلى معارك كرامة يبذل فيها الغالي والنفيس وتمد فيها الجسور الجوية أحدث برهان على غفلة الشعوب عن قضاياها الحقيقية وعلى سهولة تلاعب الأنظمة بهذه الشعوب وبراعتها في 'ترقيصها' على أنغام الوطنية الافتراضية وتسييرها على وقع طبول الحروب الوهمية.

ولا شك أن ما رافق مباراتي القاهرة وأم درمان من تعبئة عامة، إضافة إلى الأحداث الهمجية المخجلة، يمكن أن يعد دليلا جديدا على صحة القولة اللاتينية القديمة عن 'الخبز والسرك' باعتبارهما الضرورتين الوحيدتين اللتين تحيا بهما الشعوب.بل الأنكى أن هذه القولة التي وصف بها الشاعر اللاتيني جوفنال ما شهده في عصره من تفاهة الاهتمامات الشعبية (التي كانت من علائم بدء انحطاط روما)، قد أصبحت تنطبق على عصرنا هذا أضعافا مضاعفة.ذلك أن الخبز (أي الحاجيات المادية) والسرك (أي التسلية والترفيه) لم يعودا في عصرنا هذا الضرورتين اللتين تحيا الشعوب بهما، بل يبدو أنهما أصبحا الضرورتين اللتين صارت الشعوب تحيا، وتموت، من أجلهما!


على أنه إذا صح أن الرياضة عموما، وكرة القدم خصوصا، هي أفيون الشعوب، فإن هذا يشمل معظم الشعوب ولا يقتصر على الشعوب العربية. صحيح أن كارثة 'الحرب الكروية' الجزائرية المصرية، التي أجج الإعلام نارها ولم تكترث الأنظمة بإخمادها، تطرح قضية التخلف والغفلة الشعبية والاستغلال السياسي للرياضة.لكن الأصح أن ما تطرحه هذه الكارثة الصادمة، قبل كل هذا وذاك، هو قضية العروبة، أو بالأحرى إشكالية التوتر بين الواقع القطري والمبدإ القومي.

فقد جرت العادة على الاعتقاد بأن الشعوب العربية 'الشقيقة' صادقة في شعورها بالانتماء إلى أمة عربية واحدة ومخلصة في إيمانها بحلم الوحدة العربية، وأن العائق الوحيد أمام تحقيق هذا الحلم الشعبي هو الأنظمة التي لا مصلحة لها في الوحدة ولا حتى في مجرد التكامل الإقليمي. لكن ها أن الحروب الكروية تأتي من حين لآخر لتذكّر بأن الشعوب العربية لا تعرف بعضها بعضا، وهي غير معنية ببذل الجهد اللازم لاكتشاف 'الآخر العربي' (إن جاز التعبير) لأنها مكتفية بالجاهز من التصورات والتحيزات والكليشهات التي لا يقلّ بعضها استعلاء وعنصرية عن الكليشهات التي يحملها معظم الغربيين عن العرب أجمعين (ذلك أن الآخر الغربي لا ينظر إلينا في الأغلب إلا على أننا عرب، بصرف النظر عن الأقطار والجنسيات، حيث لا فرق عنده بين عربي وعربي إلا بالقدرة الشرائية).

بل إن هذه الحروب الكروية تعطي الدليل من حين لآخر على أن هنالك من التضامن بين الأنظمة (التي لا تؤمن بالوحدة والتي لا مصلحة لها فيها) أكثر بكثير مما هنالك من التضامن بين الشعوب (التي من المفترض أنها تؤمن بالوحدة وبأن لها فيها كل المصلحة)!!! وأنّى يكون التضامن بين شعوب وقبائل لا تعارف ولا معروف بينها أصلا! وأنّى يكون الوفاء لفكرة قومية عروبية لا تعلم عنها الأجيال الناشئة شيئا! أنّى يكون الولاء لأمة عربية لم يعد لها وجود إلا في الكتب: أمة يناضل واقع التعصب القطري ضدها نضالا يوميا!

قد تكون الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي محقة في القول إننا ربما نحتاج إلى 'جيش من علماء الاجتماع لفهم مكمن هذا الحقد الدفين الذي يحمله كل عربي للعربي الآخر على الرغم من إيماننا جميعا بالعروبة وحبّنا لبعضنا البعض'.إلا أن الواجب يقتضي الاعتراف بهذه الحقيقة المرّة: وهي أن التاريخ العربي المعاصر لم يطور فعليا أي شرعية وأي وفاء وأي ولاء إلا للكيانات القطرية الأنانية المهزوزة التي أفرزتها تطورات ما بعد الاستعمار ومصادفات البترودولار.فلا عجب إذن أن تكون للمباريات الرياضية كل هذه الأهمية 'المصيرية' في الوعي الشعبي، وأن تنطق كرة القدم، على ما يبدو، بما لا تنطق به الثقافة والسياسة من الحقائق.أي أنه إذا كان واقع الهوية القطرية المغرقة في محليتها والمدججة بفولكلورها قد عطّل، بل أبطل، مبدأ (أو حلم) الهوية القومية العروبية القوية والغنية بتنوعها، وكرّس العجز عن ميز الغريب من القريب والعدو من الصديق، فلا عجب إذن أن تبدو الكرة كما لو أنها، مع المعذرة من أبي تمام، 'أصدق إنباء من الكتب' عما وصلت إليه حال الإخوة الأعداء من عرب هذا الزمان.

جماهير الكرة .. صحوة وطنية أم نوبة هستيرية؟

جماهير الكرة .. صحوة وطنية أم نوبة هستيرية؟

د. جلال أمين

نحن لا نعيش في عصر انتصار الرأسمالية (ولا الاشتراكية بالطبع) ولا انتصار الديمقراطية أو حقوق الإنسان. كما أننا لا نعيش نهاية التاريخ، كما زعم أحد الكتاب منذ عشرين عاما، ولا عصر صراع الحضارات، كما قال آخر بعده بقليل. نحن نعيش عصر الجماهير الغفيرة: عصر التليفزيون والأقمار الصناعية والقنوات الفضائية، والتليفون المحمول الذي يحتوى أيضا آلة فوتوغرافية وبريدا إلكترونيا وشبكة الإنترنت.

هذا هو عصر البرامج التليفزيونية التي يشاهدها في نفس الوقت مئات الملايين من البشر، حتى ولو كانت لا تستحق أن يشاهدها عشرة أشخاص، والصحف التي توزع في اليوم الواحد ملايين النسخ ولكن أكثر من نصف صفحاتها إعلانات، والمذيعون الذين يتجاوز الراتب الشهري لبعضهم مليونا من الجنيهات أو مليونين، ومنهم من لم يكن يستحق في عصر سابق أن يعين مذيعا أصلا، والأفلام التي لا تحتوى على فكرة واحدة ذكية، ولكنها تنجح تجاريا نجاحا باهرا لأنها عثرت على وجه ممثلة جذابة.. إلخ. المسئول عن كل ذلك ليس عصر الرأسمالية المتوحشة، بل عصر الجماهير الغفيرة.


هذا هو بالطبع ما يفسر ظاهرة كرة القدم كما نراها اليوم. اللعبة قديمة ومعروفة بأشكال مختلفة، لدى كل الشعوب وفى كل العصور، ولكنها لم تصبح لعبة مثيرة لهذه الدرجة إلا في عصر الجماهير الغفيرة. لم تصبح أكثر إثارة لمجرد أن اللاعبين أصبحوا أكثر مهارة، ولكن لمجرد أنهم أصبحوا أكثر شهرة. وقد أصبح اللاعبون أكثر شهرة ليس بسبب ذكاء غير عادى أو درجة غير مألوفة من سرعة الحركة أو اليقظة أو من الاستعداد للتعاون مع بقية أفراد الفريق، بل بسبب كثرة ظهورهم على شاشة التليفزيون وعلى صفحات الجرائد التي يراها ويقرأها ملايين من الناس كل يوم، أي أن اللاعب أصبح مشهورا فقط بأنه مشهور.

الوضع يبدو سخيفا للغاية، حتى إذا لم يقترن بأي عنف أو مشاجرة بين الفريقين المتنافسين، فإذا اقترن الحماس الشديد لفريق كرة القدم بهذه الدرجة التي رأيناها منذ أيام، وأصبحنا نراها في كل موسم، من الهستيريا والتشنج والعدوانية، فإن الأمر يبدو داعيا لأقصى درجات الرثاء.

في هذا المناخ الهستيري لابد أن يحاول كل من يستطيع من ورائه تحقيق نفع خاص له، أن يفعل ذلك. فالمتبطلون عن العمل يحملون الأعلام الملونة ليبيعوها لأصحاب السيارات الذين ليس لديهم شيء يفعلونه أفضل من السير في الشوارع والضغط على زماراتهم، وأصحاب الجرائد يتنافسون على كيفية نقل الأخبار السعيدة للجمهور: هل يكتبون في المانشيت العريض، وباللون الأحمر نتيجة المباراة، أم يكتفون بكلمة "مبروك"، على أساس أن الجميع سوف يفهم المقصود، إذ هل يفكر أحد إلا في تلك النتيجة الرائعة: (اثنين صفر)؟.. والوزراء الذين لم يفعلوا شيئا واحدا يجلب لهم حب الناس، ذهبوا للتهنئة والوقوف إلى جانب الفريق المنتصر ليظهروا في نفس الصورة، بل وقيامهم بتهنئة رئيس الجمهورية نفسه باعتباره سببا من أسباب هذه النتيجة الباهرة. والشاب الذي يطمح للحصول على منصب رئيس الجمهورية لا يجد طريقة لكسب قلوب الناس أفضل من أن تظهر صورته وهو يهنئ الفريق، حتى يعتقد الناس بأنه يشعر بنفس ما يشعر به بقية الناس وينبض قلبه بنفس ما ينبض به قلب الشارع المصري.

ما أسهل الأمر إذن في ظل هستيريا من هذا النوع. الجميع قد تم تخديرهم، ومن ثم يمكن أن نفعل بهم أي شيء، ويمكن الحصول منهم على أي شيء قبل أن يستردوا صوابهم.

أما الحديث عن أن هذه صورة من صور الوطنية، ودليل على قوة شعور المصريين بالانتماء لبلدهم، وعلى الإجماع على حب الوطن: بدليل أن الرجل والمرأة، المسلم والقبطي، الكبير والصغير، الغنى والفقير، كلهم اجتمعت قلوبهم على شيء واحد وهو أن تنتصر مصر على الجزائر، مثل هذا الحديث لا يجب أن يخدع أحدا. إن الحماس الشديد قبل المباراة وأثناءها وبعدها ليس سببه الحب الشديد للوطن، بل سببه هو نفس هذه الظاهرة التي أتكلم عنها: ظاهرة الجماهير الغفيرة. الحماس يشتد لمجرد أنك أصبحت جزءا من جماعة كبيرة جدا، والصياح يعلو لأنك ترى وتسمع آلاف من الناس يقومون بالصياح مثلك، والزمامير تشتد لأنك تعرف أنك واحد من آلاف الزمارين والطبالين، أما حب الوطن فلا يمكن أن يشتد لأنك صوبت الكرة في الاتجاه الصحيح مرتين بينما لم ينجح شقيقك الجزائري في ذلك مرة واحدة.

هذه الهستيريا هي أيضا في رأيي (وليس حب الوطن) السبب في ندبة البكاء الشديد التي استسلم لها بعض أعضاء الفريق المصري ومدربهم بمجرد انتهاء المباراة.

إنها تفريج مفاجئ عن شحنة زائدة من التوتر والتشنج ولدها اشتراك الآلاف المؤلفة من الهتاف والصياح في نفس الوقت.
قد لا يكون في كل هذا ضرر كبير، بل وقد يكون له بعض الفوائد، كما أن هناك بعض الفوائد لحفلات الزار والاحتفالات الشعبية بالموالد. ولكن علينا أن نحذر من الخلط بين هذه النوبات الهستيرية وبين نمو الشعور الوطني وقوة الانتماء.

ملحوظة: كتبت هذا المقال قبل مباراة السودان المحدد لها 18/11، ولا أظن أن الموقف الذي يعبر عنه هذا المقال يمكن أن يتغير أيا كانت نتيجة هذه المباراة.

اللعب بالنار

اللعب بالنار

د. هبه رؤوف عزت

ها قد نزل الشباب الشارع، لكنهم ليسوا شباب الإخوان المنضبط بقيادة الذين شاركوا في جنازات المرشدين السابقين بعشرات الآلاف، ولا هم شباب «كفاية» التيارات المعارضة الذين لديهم حس سياسي «وكانوا يتهمون بأنهم قد يقومون بأعمال تخريب ويتم القبض عليهم»، ولا هم شباب الجامعات المثقف الذي تقف له الكلاب البوليسية وكتائب الأمن المركزي بالمرصاد خارج أسوار الجامعة، لكنهم شباب الأحياء الفقيرة التي تم إكراهها علي العشوائية، كي تعيش بعد أن انسحبت الدولة من رعاية المواطنين فطبقوا استراتيجيات البقاء غير المنظمة ليتمكنوا من العيش.

هؤلاء الشباب الذين أطل عليهم من شرفة منزلنا في ميدان التحرير، تلك الشرفة التي شاهدت منها الجموع تبكي وهي ذاهبة لجنازة جمال عبد الناصر، وشاهدت منها الناس تقذف بالحجارة وتهتف في مظاهرات الخبز في انتفاضة الشعب الذين اسماهم «السادات» بالحرامية وهو جالس في قصره، وشاهدت منها عربات الجيش حين نزلت لفرض النظام أيام أحداث الأمن المركزي، وشاهدت منها مظاهرات 2003 -2007 حين نزلنا الشارع ضد غزو العراق، ودعما لفلسطين، ومناصرة للقضاة، وللمطالبة بوقف سيناريو التوريث، وكنا منظمين كمواطنين، نتحرك بوعي رغم قلة العدد وكثافة الأمن. نزل الشباب الشارع، وأنا لا أقصد الناس التي نزلت تحتفل بعد المباراة الأولي مع الجزائر، فهذا أمر مقبول، ساعتان وكل واحد يروح لحاله، تنفيث شوية كما قال لي أكثر من مسئول أمني وسياسي أعرفهم في دائرة الأسرة والعمل، ماشي.


لكن ما شاهدته بعد المباراة الأولي لمدة ست ساعات في ميدان التحرير ومثله في كل شوارع القاهرة لم يكن فرحة، بل كان هيستيريا، شباب يرقص بجنون، ويصرخ حتي لا يجد صوتاً، ويطلق الصواريخ الاحتفالية، وألعاب النار المختلفة، ويقطع الطريق ويتسلق الحافلات، ويجتاح أمامه كل شيء.عموماً هذا ليس بجديد، لكن الجديد أن يركب النظام المصري الموجة فيتحرك بلا عقل، وتصبح حركة الجموع الهيستيرية- المصرية والجزائرية علي حد سواء، هي التي توجه السياسة الخارجية المصرية، وتصبح مباراة كرة هي قضية الصحافة والإعلام، فتدمر أفقنا العربي والأفريقي بمقولات عنصرية استعلائية ما أنزل الله بها من سلطان.النظام الذي وقف فحلاً في مواجهة التعدي علي المشجعين لم يفعل شيئاً لكرامة الشعب الذي يعيش نصفه تحت خط الفقر، وللغارقين في العبَّارة والقتلي في القطارات والشهداء في قاع البحر المتوسط هربا لإيطاليا، لكنه انفعل وأرغي وأزبد، وكان الأولي أن يأخذ احتياطاته الأمنية والتنسيق الأمني العربي لمكافحة المعارضة تحت مسمي الإرهاب علي قدم وساق، أقول كان الأولي أن تنسق الجهات الأمنية لمكافحة الشغب المتوقع علي بعض المصالح المصرية في الجزائر، لكن ذلك لم يحدث، وكان ينبغي أن يحمي المشجعين الذاهبين للخرطوم، التي زرتها مرتين، التي يعلم الجميع أن أمنها عنده إخلاص وتفان لكن الخرطوم مساحة مفتوحة يصعب ضبطها بحكم جغرافيتها، وبدلاً من محاسبة من ترك المشجعين يواجهون التحرش، وهو معلوم ومتوقع، إذا بالسيد «علاء مبارك» يعطينا علي الفضائيات بالصوت «دون صورة» في حوار مع قناة رياضية وصلة هجوم علي العروبة ويسفه التضامن العربي ويضرب علي وتر كفاية كده بقي عرب، وتحيا مصر.. مصر مصر!

لقد توقعت السيناريو قبل بدء المباراة، ضرب، فوضي، ثم هيستيريا للنظام دفاعا عن الكرامة المصرية، الذي هو أول من يهينها ويضيعها. وتوقعت أن يتم سحب السفير «ولم يسحب سفيرنا من إسرائيل بعد»، وأزمة دبلوماسية، توقعت كل هذا بتفاصيله المملة، وأتوقع بعد فترة وساطة فرنسية من ساركوزي في إطار لقاءات الاتحاد من أجل المتوسط، وبعد قليل سيكون هذا النظام هو الذي يقول لنا إن مسئولية مصر العربية ستبقي وأنه لا شيء سيفسد العلاقات المصرية الجزائرية، وأن ما بيننا أكبر من مباريات كرة وفوضي غوغاء.ونبدأ حلقة جديدة من غياب الرؤية، وقصور النظرة والبحث عن قضية جديدة نلهي بها الناس.لكن الذين نزلوا الشارع أسبوعا ويزيد لا يفهمون ألعاب السياسة، والذين شاهدتهم في ميدان التحرير عصرا يعبثون بأصص الزرع ويلقون بها في عرض الطريق أمام السيارات وحافلة سياحة ثم يهرولون فرارا في أرجاء الميدان، وغدا ما هو أخطر.

لا يعنيني الحديث عن مشجعي الجزائر، بل يعنيني الحديث عن نظامنا نحن، وسلوكنا نحن، وموقفنا نحن، ومستقبل مصر في المشهد كله، الآن وغدا.

غدا تذهب السكرة، وتأتي الفكرة، وغدا يعرف النظام كيف أخرج العفريت من القمقم، و قطع أوصال التضامن مع المغرب العربي كله بهذا الجنون والنفخ في اللهب، بل بدأ في مواجهة غضب السودان من تصريحات الإعلام عنها الذي يبدو لم يعد يعي فيه أي أحد مصلحة قومية ولا وطنية، وصارت الرؤية القومية والوطنية كالكرة بين الأقدام، ولا هم للجميع إلا المزايدة.. والاستكبار .. والفرعنة.

العَبْدُ وسيِّده

العَبْدُ وسيِّده

علي الظفيري

من الواضح أن النظام الرسمي العربي في أسوأ أحواله هذه الأيام، وكل المعادلات اللازمة يتم التلاعب بها بشكل غير مقبول وغير منطقي، يثور السياسي العربي في الوقت الذي لا حاجة فيه للثورة، ويلزم الصمت في أوقات الحديث والغضب الحقيقية، وإن كان هذا الأمر مفهوما من ناحية اللؤم والضعف السياسي الذي يمارسه النظام العربي، فهو في غاية الخطورة إذ يتحول يوماً بعد يوم إلى مؤسسة متماسكة تعمل بشكل ممنهج وهادف نحو مقاصد لا يمكن لعاقل أن يغفل عنها.

في الأمس وفي خطابه أمام مجلسيْ الشعب والشورى، قال الرئيس المصري إن كرامة المصريين من كرامة مصر، وأن مصر لا تتهاون مع من يسيء إلى كرامة أبنائها، وهذا قول يستحق منا التحية والإكبار، فقط لو كان التهديد في غير هذا الموضع، ولو أن تأكيد الرئيس المصري على مسؤولية الدولة برعاية المصريين في الخارج شمل الداخل أيضاً!، ولو أن رفض المساس بالمواطن المصري كان مبدءا ثابتا وليس توظيفا سياسيا عابرا، لَكُنا صفقنا نحن أيضا لهذا الخطاب الملتهب، لكنّ تدقيقاً في حجم المصطلحات المستخدمة في الخطاب وفي الإجراء المصري المتمثل باستدعاء السفير الجزائري في القاهرة وتسليمه احتجاجا رسميا يعبر عن استياء مصر البالغ إزاء تصرفات بعض المواطنين الجزائريين على المشجعين المصريين، يجعلنا نلتف حول أنفسنا ونتساءل: هل هذا مرتبط بمباراةٍ لكرة القدم -مهما كانت أهميتها– أم هو أمر آخر وجد ضالته في «الكورة»!!؟


بالنسبة لي المسألة محسومة، فالمؤسسة الرسمية التي لم يستثرها المقطّم والقطارات المحطمة وسكان المقابر، لا يمكن أن تقنعني بانزعاجها على نفرٍ من المشجعين تشاجروا مع نفر آخرين، والإعلامي الأرعن الذي دعا لقتل الجزائريين على الهواء لم يفعل ذلك عبثا، إنما التقط الرسالة جيدا وهو يرى أبناء الرئيس على رأس جيش من الفنانين والصحافيين يذهبون إلى الخرطوم في «طائرات خاصة» لخوض معركة الأمة المصرية!، الأمر الذي قابلته رعونة جزائرية غير مسبوقة، فقد قيل إن الجزائر بعثت بمجموعات كبيرة من البلطجية لتأديب الجمهور المصري في الخرطوم!! هذا تجسيد لحلم اختلاط الدم العربي في معركة واحدة!

أُدرك جيداً أن اتهام النظام الرسمي في أي مكان وموضوع أمرٌ مريح لنا، لكن المسألة لا تكتمل بهذا الشكل، فالشعب هو المتهم الرئيسي كونه أداة طيّعة بيد المستغِلين والموجهين له، الشعب الذي طالما ردد أن النظام وليس الناس مصدر البلاء!، المصريون والجزائريون العاديون هم أصل البلاء في هذه القضية، ولولا سذاجتهم لما وصلت الأمور لما وصلت إليه، وتخيلوا أن كاتباً مثل فهمي هويدي يطالب بالتحقيق في ما جرى للمصريين، فماذا نتوقع إذاً من مواطن سُرقت كل أحلامه في الحياة وبات ينظر لمباراة كروية على أنها قضيته الأولى وثورته الكبرى، هذه جريمة منظمة يرعاها النظام ويوفر أدواتها المثقف والإعلامي وينجرّ خلفها الناس، الناس الذين يشتمون أنظمتهم ليل نهار، ويصطفون خلفها في معارك الورق هذه!

واحد من التفسيرات الضرورية لفهم ما جرى متعلق بفكرة العبودية، أظن أن الإنسان العربي في معظم الحالات مستعبَدٌ ولا يملك قراره أبداً، حتى مشاعره لا يتمكن من التعبير عنها بالشكل الذي يليق بالإنسان الحر، يشعر بحالة غريبة من التوحد مع سيده الظالم في كثير من الأحيان، حتى إن وقع الظلم عليه يجد لذلك ما يبرره، وتكون لديه قدرة فائقة واستثنائية على تجاوزه وتناسيه، وأظن أن كثيرا من علماء الاجتماع لديهم القدرة العلمية على تفسير حالة الخضوع هذه والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستبداد، ونأتي نحن معشر الصحافة والإعلام لنكرس هذا الواقع السيئ في التعاطي مع ظاهره وقشوره، ونبتعد عن مضامينه وأسبابه الحقيقية.

فيما يتعلق بمصر وبعيدا عن التفاصيل، أستطيع أن أؤكد أن النظام هناك استطاع التقدم كثيرا في قضية تجاوز المعارضة المعنوية والنفسية لفكرة توريث السلطة لجمال مبارك، وللأجواء المرتبطة بالمباراة الأخيرة مع الجزائر فضل كبير في هذا التقدم.

إلى جمهور الكرة .. ما تزعلوش .. أصل الحكاية ما تزعلش

إلى جمهور الكرة .. ما تزعلوش .. أصل الحكاية ما تزعلش

د. معتز بالله عبد الفتاح

لم أشارك قطاعا واسعا من المصريين حزنهم لهزيمة المنتخب الوطنى يوم الأربعاء الماضى ليس لأننى غير مكترث بما هم مهتمون به، ولكن لأننى كنت حزينا لأسباب أخرى. ووجدتنى أقول لبعض الأصدقاء الذين بثوا إلىّ شيئا من الحزن: «ما تزعلوش... أصل الحكاية ما تزعلش». وكان التشبيه الذى حضرنى أن شخصا ما حزن لأن ابنه رسب فى مادة الألعاب الرياضية. فما كان منى إلا أن بادلته حزنا بحزن وفى نفس الوقت استطلعت أداء ابنه فى المواد الأخرى مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والفلسفة، فقال إن ابنه رسب فى كل هذه المواد. فقلت له إذن ما تزعلش على الرسوب فى الألعاب... أصل الحكاية ما تزعلش.

فها أنا أجد نفسى مع أصدقائى من عشاق الكرة، أقول لهم: ما تزعلوش أوى كده... أصل الحكاية فعلا ما تزعلش.


أليس من قلة الفطنة، وفى قول آخر من التفاهة، أن نحزن على رسوبنا فى مادة الألعاب، ولا نحزن لرسوبنا فى المواد الأخرى التى تنبنى بها الأمم وتتقدم بها المجتمعات؟

من حق أى منا أن يستاء أو يغضب على أى من الأمور، فكل منا إنسان له أولوياته، مهما كانت خاصة. ولكن أليس من واجبنا أن نستاء ونغضب على ما هو جاد ومهم من الأمور الأخرى أيضا؟

سأقول لحضراتكم ما أحزننى فعلا:

1 ـ لقد أحزننى وجود هؤلاء الأشخاص غير المؤهلين تربويا وأخلاقيا وفكريا وثقافيا للجلوس أمام الكاميرات والميكروفونات فى الفضائيات الخاصة (كما قال الأستاذ السيد ياسين فى مقاله بالأهرام) كى يكونوا قادة الرأى العام لشباب اختلطت عليه خطوط العداء والصداقة فتصور أن الجزائر ومصر فى عداء بسبب كرة الأصل فيها أنها رياضة. وقد قيل إن الرياضة تهذيب للنفوس قبل أن تكون إحرازا للكئوس. من هؤلاء المذيعون الجدد؟ من الذى أعطاهم الحق فى أن يوجهوا الرأى العام فى مصر؟

من الذى يحاسبهم على خطاياهم؟ من الأسف، لا توجد إجابة عن هذه الأسئلة وهذا مما يضيف إلى الحزن حَنقا.

2 ـ لقد أحزننى فائض الطاقة المبددة الموجودة بهذا الكم المهول، مع الكيف المتردى، بين شبابنا. هذه العقول والأيدى خلقت لتعمل، فإن لم تجد فى الطاعة عملا وجدت فى المعصية أعمالا، كما قال ابن الخطاب رضى الله عنه. وهكذا فإن هذا الفائض من الطاقة بين شبابنا إن لم يجد فيما يفيد سبيلا كان له فيما يضر سُبلا.

3 ـ لقد أحزننى ضعف الأخلاق وقلة الحياء فى السباب والجدال بين قطاع من جمهور البلدين، وكأنهم لم يسمعوا قط عن أوامر صريحة بألا نتنابذ بالألقاب وألا يسب الرجل أباه بأن يسب الرجل أبا الرجل فيسب هذا الأخير أباه، وأن نترك الانتصار للنفس باسم القبلية أو العصبية فإنها «مُنتنة» كما صحت بهذا الأحاديث.

4 ـ لقد أحزننى أن قادة الرأى العام فى مصر أضعف تأثيرا مما كنت أظن وقطعا مما أتمنى، وكأن هذا الجيل الجديد «ما لوش كبير» إلا الغوغاء من المذيعين والإعلاميين الجدد يتوعدون إخواننا الجزائريين وينالون منهم نيلا لا يليق بشعب شقيق لا يمكن اختزاله فى عدد من الحمقى الذين هم أصلا موجودون هنا وهناك.

5 ـ لقد أحزننى أن فائض الطاقة بين شبابنا يواجه بعجز الإدارة بين حكامنا فهم لا يعرفون كيف يستغلون هذه الطاقة فى خدمة قضايا المجتمع الذى يعيشون فيه.. فتظل الأمية على حالها، وتظل القمامة على حالها، وتظل الصحراء على حالها، وتظل مشاكلنا على حالها كنهر يصب ماؤه فى البحر ولا يعرف القائمون عليه كيف يفيدون منه.

6 ـ لقد أحزننى فائض الأموال الذى يظهر فجأة بالملايين مكافأة حالة لمن يضرب الكرة بالقدم، ولا تظهر هذه الأموال لبناء الجامعات والمدارس ومساعدة لمن يعيشون فى العشوائيات تحت رحمة صخور الجبل الذى إن شاء انهار وقتل وإن شاء ثبت وهدد «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير».

7 ـ لقد أحزننى اختلاط الأولويات عند شبابنا الذين يقفون بالساعات انتظارا لتذكرة لمشاهدة مباراة بل والسفر آلاف الكيلومترات من أجل مباراة، ولا يفعلون أقل القليل من أجل نصرة مظلوم أو حتى نصرة أنفسهم بممارسة حقوقهم السياسية فى اختيار من يحكمونهم ومعاقبة من يقصرون فى إدارة شئونهم.

8 ـ لقد أحزننى أن صرنا، نحن العرب، موضوعا لآيات نزلت فى يهود الجزيرة حين قال الله فيهم: «بأسهم بينهم شديد» و«تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى».. فما معنى هذا الكم المهول من الحقد المستعد لأن ينفجر بين شعبين يفترض فيهما التآخى من أجل مباراة كرة قدم؟ يعادى بعضنا بعضا من أجل قضايا من التفاهة بما قد لا يستحق النقاش أصلا، ونترك قضايا مجتمعنا سواء المصرى أو العربى بلا كثير من العناء وكأن ما يحدث فى فلسطين أو اليمن أو العراق أو السودان أمور غير ذات أولوية أو أهمية.

9 ـ لقد أحزننى أن العالم يتحرك نحو الكيانات الأكبر ونحن، العرب، نتحرك نحو مزيد من التشرذم والتنازع وتبديد الطاقة. فى يوم من الأيام كان حلم الوحدة العربية قائما بين شعوب متقاربة والمسافة النفسية والاجتماعية بينها تقول إن العقبة الوحيدة هى قيادات حريصة على عروشها أكثر من حرصها على مستقبل مشترك لوطن عربى كبير وواحد. وها هى هذه النخب تنجح فى أن تجعل الكل يفكر بمنطق «مصر أولا وأخيرا» و«الجزائر أولا وأخيرا.» وكذا يزداد أعداؤنا قوة بوحدتهم ونزداد نحن ضعفا بفرقتنا. وأتذكر تعليق العروبى الكبير ساطع الحصرى حينما سُئل «لماذا انتصرت إسرائيل على سبع دول عربية فى حرب عام 1948؟» فكان رده لأنهم كانوا سبع دول، ولو كنا دولة واحدة لانتصرنا عليها.

10 ـ لقد أحزننى أننا نحرق أعلام بعضنا البعض حقدا وحسدا وبغضا وقد كنت أتمنى أن يكون الحلم أن يأتى اليوم الذى يمثل العرب فيه فى كأس العالم منتخب واحد بدلا من أن نجتهد فى مزيد من الانقسام. وهذا ما اكتشفه الأوروبيون: فإذا كانت الحدود هى المشكلة، فلنلغ هذه الحدود ولنقم كيانا أكبر لنا جميعا؛ ولو كان تعدد الأعلام والهويات مشكلة، فلنوجد علما جديدا وهوية مشتركة ليكون لها الأولوية على ما عداها من أعلام وهويات، فانتقلوا من دول ودويلات إلى كيان أكبر باسم الاتحاد الأوروبى. ونحن لم يزل بأسنا بيننا شديدا وانقساماتنا أكثر وخلافاتنا أكبر إن لم يكن بالكرة، فبغيرها. تتعدد الأسباب والانقسام واحد.

11 ـ لقد أحزننى أننا حتى فى إطار كرة القدم لا نتعلم كثيرا من خبراتنا السابقة. لقد لعب المنتخب فى آخر مباراتين كما كان ينبغى له أن يلعب من أول مباراة أمام منتخب زامبيا فى القاهرة. منذ أن بدأت معرفتى بكرة القدم قيل لى إن منتخب مصر يحتاج لأن يشارك فى معسكرات طويلة نسبيا حتى يتأقلم اللاعبون على خطة المدرب، وكى يرتفع أداؤهم لاسيما بين أولئك الذين لا يشاركون مع فرقهم. وكانت المفاجأة أن منتخبنا لعب أول مباراتين بدون هذه الحكمة الذهبية ذات التاريخ الطويل، وحينما كدنا أن نهزم بدأنا نعود إلى قواعد الأصل فيها أنها مستقرة كرويا، لكننا لم نستيقظ إلا بعد فوات الأوان، فلو استعد منتخبنا لأول مباراة بقدر استعداده لآخر مباراة لكانت المحصلة غير المحصلة. ولكننا نبدو وكأننا لا نجيد العمل والاجتهاد إلا تحت ضغط الأزمة. وهذه ليست من خصائص إدارة الأزمة بالاستعداد لها بقدر ما هى تعبر عن منطق «الإدارة بالأزمة».

كل ما سبق هو ما يدعو إلى الزعل، والهزيمة الكروية هى أقل ما يعنينى، إذن الحكاية على بعضها فعلا ما تزعلش.

السفور

السفور

عمرو فهمي

ما أجمل الصورة بلا قناع، وما أقبحها أحيانا دون ساتر.. هذه هي المقولة التي تنطبق على المشهد الحالي في مصر فيما يتعلق بالتعامل مع مباراة المنتخب الفاصلة في تصفيات كأس العالم والتي خسرها بهدف أمام نظيره الجزائري في السودان، والتي يبدو رأيي فيها مخالفا لرأي الغالبية من أبناء وطني، ومن مشجعي الكرة تحديدا.

فقط قبل أن أسترسل في الحديث الذي أشعر أنه سيطول، أتمنى من الجميع إلقاء ولو نظرة عابرة على تدوينتي السابقة مباشرة بعنوان "كنت معهم" والتي تتحدث عن لقاء 14 نوفمبر بالقاهرة الذي تابعته من المدرجات في ثالث تصفيات مونديالية أؤازر فيها منتخب بلادي من الملعب وتنتهي بالنتيجة ذاتها.

بل كنت أفكر جديا في السفر إلى السودان لحضور المباراة الفاصلة، ولكن معاناتي في استكمال الأوراق اللازمة للحصول على إذن سفر من وزارة الدفاع أدت إلى استبعاد الفكرة بجانب عدم تفاؤلي شخصيا بسبب موجة الاحتفالات التي سيطرت على مصر وكأنها تأهلت بالفعل، علما بأنني شاركت بنفسي في هذه الاحتفالات!!


ما أعنيه أنني مشجع كروي بحق، ليس من أمام التلفاز بل من المدرجات، وشاهدت لمنتخب بلادي مباريات تاريخية رغم صغر سني وقتها، كفوزنا على الجزائر تحديدا 5-2 في مارس 2001 بالقاهرة، وبالتالي فإنني لست بمعزل عما يشعره الجميع من مرارة الخروج من التصفيات والحاجة للانتظار أربع سنوات لمحاولة تحقيق الحلم.

شاء القدر أن تسند إليّ مهمة كتابة مقال عن المباراة الفاصلة لصحيفة "البريوديكو" الإسبانية العامة بحيث يتناول الأجواء في مصر، على أن يقوم صحفي جزائري بالمقابل بكتابة مقال آخر، وهو ما قد كان بالفعل وتم نشر المقالين يوم المباراة.

مقالي كان عنوانه "أفيقوا نحن أشقاء" وهو اقتباس من أغنية أحمد مكي "فوقوا" والتي أشرت إليها في معرض ذكري للمبادرات المصرية الداعية لتهدئة التوتر والتي لم تلق صدى مع إصابة حافلة الفريق الجزائري بالحجارة لدى وصوله إلى القاهرة.

وربما قيمة المقال كلها -إن كانت له قيمة- تكمن في الفقرة الأخيرة التي أسوق ترجمتها بالعربية عسى أن تساهم في إيضاح ما سأقوله بعد ذلك..

"إذا فازت مصر في الخرطوم فسينعم الشعب كله بالسعادة على الأقل حتى يونيو حين يبدأ المونديال، ولكن إذا حدث العكس فسيبدو كل شيء أكثر سوادا أمام المشاكل المعتادة كالمرور والبطالة والإسكان".

بالطبع من الوارد أن يتم اتهامي بالإساءة إلى سمعة مصر في الخارج باعتبار أن من قرأ المقال في إسبانيا لا يدري أن دول العالم الثالث تواجه أي نوع من هذه المشاكل، ولكن ما أردت قوله هو أن المستفيد الأول في حال ما تأهل المنتخب إلى كأس العالم هو النظام الحاكم في مصر الذي كان سيضيف إنجازا كرويا جديدا.

فالناظم المستمر في الحكم منذ 28 عاما شهد وصولنا لكأس العالم بعد غياب أكثر من نصف قرن، بجانب الفوز بأربعة كؤوس لأمم أفريقيا قام الرئيس بنفسه بتسليم اثنين منهما في 86 و2006 بفاصل عقدين من الزمان!

أما الآن والحديث عن التوريث وأزمات تلوث مياه الشرب وقضايا أكياس الدم والمجاري والمحاكم العسكرية والتعذيب في أقسام الشرطة وإمكانية ترشح البرادعي وخلية حزب الله، فكان أفضل شيء يلهي البشر عن كل ذاك هو إنجاز طال انتظاره بالتأهل لكأس العالم.

ولنغرق جميعا بهذا الإنجاز في حسابات القرعة وهل من الأفضل أن يلعب أبو تريكة كمهاجم متأخر أم كصانع ألعاب، وهل كان من حسن حظنا الوقوع مع الأرجنتين أم إيطاليا التي كنا سنعتبر هزيمتها مرة أخرى أمرا واقعا لا محال.

هذا هو ما أراده النظام، وليس للتوريث بالضرورة، بل ربما لمجرد إراحة الدماغ، وبالتالي ذهبت إلى السودان قوافل الفنانين والفنانات، ولا أدري ماذا كانت تفعل ميسرة في المدرجات؟! بينما ذهب الجزائريون رجالا من مشجعي كرة القدم الأكثر عاطفة في العالم ليؤازروا منتخبهم.

وذهب الخُضر في غياب جمهورنا الحقيقي الذي تكرر حرمانه من الذهاب إلى الملعب كما حُرم في أمم أفريقيا 2006 بسبب السوق السوداء وذهبت بدلا منه فتيات لا تعرف أن الأوفسايد هو نفسه التسلل بل وتجهل معنى أي منهما!

فقد كان النظام الحاكم يريد احتكار الإنجاز تماما، فأرسل فنانيه ورموزه للوقوف وراء الفريق الذي يبدو وكأنه قد تعرض للشؤم في المبارتين بسبب هؤلاء، وهو ما تمثل في غياب كامل لخط الوسط إذا أردنا الحديث من الناحية الفنية التي لا يريد أحد الاقتراب منها ولا أدري لماذا.

ولكن فوجئ الجميع بما هو يفترض أن يكون متوقعا! فالجمهور الجزائري الذي ذهب للتشجيع سعى لضرب المصريين انتقاما لمن أكدت وسائل الإعلام الجزائرية وفاتهم في مصر بينما لم يتم نشر التكذيب.

وفي كل الأحوال كان "المناصرون" كما يسمون هناك لا يريدون قتلا بقدر ما يريدون تخويفا وإحداث إصابات كما يفعل جمهور الإسماعيلي في أنصار الأهلي بالإسماعيلية تماما.. وبالتالي جاءت نتيجة في صورة 25 مصابا على أقصى تقدير ولا وجود لقتلى.

هي حادثة متكررة من الجمهور الجزائري المعروف بعاطفته الحارة لكرة القدم، وهي نفس العاطفة التي أدت إلى سقوط 14 قتيلا في احتفالات التأهل بالجزائر!! وهي الرد بصورة أو بأخرى على استفزازات أطلقها أمثال عمرو أديب لمصالحة الجهاز الفني لمنتخب مصر بعد اتهام اللاعبين بالزنا والدعارة خلال كأس القارات.

هي إعادة لما جرى خلال مباراة عنابة 2001 التي أفسدتها الجزائر على مصر رغم عدم حاجتها للفوز أو حتى التعادل كي تحرم الفراعنة من المونديال، وهي المباراة التي أحرقوا فيها العلم المصري وتعرضت بعدها حافلة اللاعبين للحجارة وأصيب المذيع هشام رشاد، وهرعنا نطالب بإعادتها، ولكن دون ربع الضجة المثارة حاليا نظرا لعدم وجود فنانين وقتها.

هو رد على كل ما جاء عبر فضائيات مصرية- لا تملك الجزائر ربعها- من صراخ وعويل واستنفار وتسفيه لتاريخ بلد الثوار وإمعان في نزع انتماء الجزائر إلى الإسلام أو العروبة وتفضّل حقير في الوقت ذاته بمساعدة النظام الناصري لثورة التحرير.

وهو أيضا سعي من رئيس الجزائر لكسب قاعدة شعبية لأخيه الذي شاهد المباراة من المدرجات، ويريد أن يكون له بمنزلة راؤول لفيدل، لولا أنهما ليسا في كوبا.

أما نعرف طبيعة المواجهات مع الجزائر؟ لماذا المفاجأة؟؟؟ فالبداهة تقول ضرورة إرسال مشجعين حقيقيين في مباراة كهذه، حينها كانوا سيضرِبون ويضرَبون ويمر الأمر سليما.

وحساسية الموقف بين مصر والجزائر في كرة القدم معروفة للجميع، فبالصدفة كنت في فرنسا قبل لقاء القاهرة بيومين اثنين، وحذرت زوجتي من الحديث في كرة القدم مع الجزائريين المتواجدين هناك، وعلى الرغم من ذلك قابلنا أحدهم وتركنا لديه انطباعا طيبا كما ترك هو الآخر لدينا.

والآن أتساءل لماذا نتعرض للتصريحات المضحكة كيهودية محمد روراوة ولماذا نشاهد التفافا شعبيا غير مسبوق حول الرئيس وعائلته للدرجة التي دفعت المطرب محمد فؤاد للتصريح لقناة الحياة بالقول "أنا بحمد ربنا إني عايش في عصر الرئيس ده وولاده".. "ولاده"؟؟؟؟؟؟

لا أقول أن الجزائريين الذين خدعوا بأخبار الإعلام المحلي الكاذبة معذورون، ولكن في الوقت نفسه النظام المصري هو من يتحمل المسئولية كاملة وقد بدا أمام عيني في حالة "سفور" فاضحة لاستغلاله الحدث في إلهاء و إثارة الشعب الذي انضم 83 ألفا منه حتى هذه اللحظة إلى جروب "أكره الجزائر" عبر الفيس بوك.

ما يفعله النظام المصري حاليا يتجاهل وجود مصريين في الجزائر ويتجاهل ضرورة عدم الإساءة للسودان في موقف كهذا ويتجاهل مرة أخرى أنه لم يفعل عشر ما يفعله الآن أمام التجاوزات التي تقع بانتظام ضد مصريين في دول خليجية تظن أنها استعبدت أبناءنا.

في النهاية، أكرر ما قاله كاتب عربي، ليس جزائريا كأغلب العاملين في الفضائيات العربية كما يبدو، حين جاء في صدر مقاله "خسرت مصر.. وخسرت الجزائر"، ولكن لا أريد إكمال العبارة بـ"فازت إسرائيل".

عندما يبتذل الدين في معارك الكرة

عندما يبتذل الدين في معارك الكرة

ياسر الزعاتره

لم يبق غير الدين ليبتذلوه في معارك الكرة ، وما تنطوي عليه من إثارة للعصبيات التي تفوح منها رائحة النتن (دعوها فإنها منتنة كما قال المصطفى عليه السلام). وفي حين كان لبعض العلماء دورهم الإيجابي في لجم المشاعر البائسة والممارسات التي لا تقل بؤسا من تلك التي تابعناها خلال الأسبوعين الماضيين ، فإن كثيرا من المواقف الأخرى كانت مثيرة إلى درجة تسيء للإسلام والمسلمين والعلماء والدعاة.

كان لفريق من علماء السودان ، وكذلك للعلامة الشيخ يوسف القرضاوي وآخرين من هنا وهناك مواقف يشكرون عليها في سياق تذكير أبناء الأمة بوحدتهم وبسخف انقسامهم على خلفية مباراة كروية كان لا بد من فوز طرف فيها وهزيمة آخر ، لكن الفريق الآخر من العلماء والدعاة ، ومعظمه للأسف من مصر ، لم يكن موفقا في خطابه وسلوكه.


لا ينفي ذلك أن ثمة أصوات كبيرة وعاقلة خرجت من مصر ، من مفكرين وعلماء تسخر من تلك الهبة الجماهيرية والرسمية ، وتحيلها إلى محاولات رسمية لحرف بوصلة الناس عن قضاياهم الأساسية ، لكن الأصوات الأخرى التي استخدمت الدين كانت من السخف بحيث لا تدع للمرء مجالا غير انتقادها والتذكير ببؤس خطابها.

من تلك الأصوات ذلك الداعية الشهير (خالد الجندي) الذي قال إن فوز "الفراعنة بهدفين نظيفين (لاحظ تعبير الفراعنة) على الخضر جاء استجابة لدعوات 89 مليون مصري". وأضاف (والحديث عن المباراة الأولى بالطبع) أنه "خطب الجمعة للمنتخب الوطني واجتمع بهم مع الكابتن حسن شحاته ، المدير الفني للمنتخب ، وأنهم تابوا جميعا إلى الله توبة نصوحا".

وأوضح أن من"أجمل الألقاب التي أطلقت على الفريق القومي المصري أنه فريق الساجدين نظرا لأنهم ملتزمون أخلاقيا ودينيا" ، مضيفا أنه اتفق مع المنتخب المصري على ترديد كلمة السر فى المباراة وهي "يا حي يا قيوم".

بالله عليكم ، هل لهذا الذي قرأنا صلة بروح ديننا العظيم؟ وماذا قال الداعية الكبير بعد هزيمة المنتخب في المباراة الثانية؟ هل عزا هزيمتهم إلى الكفّ عن السجود وقول "يا حي يا قيوم"؟ وهل كفّ الـ 89 مليون مصري (طبعا يشمل الرقم الذي يبدو أكثر من الرقم الحقيقي من ولدوا يوم المباراة وقبلها بأيام وأسابيع وشهور ، وحتى سنوات ، ممن لم ينطقوا بعد ولم يعرفوا ماهية الدعاء ولا معارك الكرة)؟ هل كفّوا عن الدعاء في المباراة التالية ، وماذا لو دعا الجزائريون على "عدوهم" أيضا ، ومعهم عرب آخرون شجعوا ذات المنتخب لهذا الاعتبار أو ذاك؟،

لماذا يُحشر رب العالمين ويُبتذل دينه في قضية من هذا النوع ، في وقت تخاض المعركة ضد فريق مسلم من بلد مسلم ، مع أننا نؤمن أنه لو كانت المباراة ضد البرازيل لما نفعت دعوات صاحبنا أيضا ، ولكانت الهزيمة أكبر على الأرجح؟،

في الغرب يُهزم الفريق القومي ، فيقال المدرب أو يستقيل ، كما يُلام اللاعبون ، وليس هذا لأنهم ملحدون ، بل لأن ذلك هو المنطق الصحيح الذي يؤيده دين الإسلام الذي يأمر باتخاذ أسباب القوة الحقيقية ومحاسبة المخطئين والمقصرين.

نقول ذلك رغم أن ما يعنينا في هذه القضية هو هذه القطرية النتنة التي فاحت روائحها من جنبات المعركة ، والتي تورط فيها كتاب ومفكرون وعلماء ومشايخ ، وليس فقط أناس عاديون ربما كانوا يبحثون عن انتصار ما لبلدهم بالمعنى الذي يفهمونه.

إنها تجربة مريرة من دون شك عشناها خلال الأسبوعين الماضيين ، وينبغي أن تلفت انتباه العلماء والقوى الحية في الأمة إلى خطورة القطرية التي صنعها الاستعمار وعززتها معظم الأنظمة خدمة لمصالحها الخاصة ، وبالطبع كي يبذلوا الجهود الرامية إلى الاعتبار لمفهوم الوحدة: وحدة الأمة ، إلى جانب حث الجماهير على الالتفات إلى القضايا الكبرى التي تعنيها ، من مواجهة للفساد والإفساد في الداخل إلى مواجهة العدو الخارجي الذي لا يسره شيء قدر أن يرى أمّة مقسمة متناحرة يُمسك بعضها برقاب بعض.

ستكون معركة الكرة التي تابعناها مناسبة خيّرة إذا ساهمت في الدفع في الاتجاه الذي ذكرنا ، أما إذا واصلت المعركة جنونها بهذا الشكل أو ذاك ، فستكون الخسارة أكبر من دون شك.

حالة تلبس

حالة تلبس

د. حسن نافعه

انتهت مباراة الحسم بين مصر والجزائر بفوز الأخيرة رسميا بهدف للا شىء. لو كانت الأمور جرت فى سياقها الطبيعى، باعتبارها مباراة فى كرة القدم بين فريقين متنافسين فى تصفيات كأس العالم، لكان رد فعلنا على نتيجة المباراة طبيعيا بدوره، ولتقبلناها بروح رياضية قائلين: مبروك للفريق الجزائرى و«هارد لك» للفريق المصرى، الذى كان الأفضل فنيا والأجدر بالفوز لولا سوء الحظ وعدم التوفيق.

غير أن أحداث الأسبوع الماضى لم تكن لها صلة بالرياضة، وإنما كانت فى حقيقة أمرها معركة بين نظامين سياسيين مستبدين وفاسدين لم يترددا فى استخدام أبشع االوسائل والأساليب وأشدها خسة ونذالة للزج بشعبيهما فى معركة كراهية، لن يخرج أحد منها مرفوع الرأس أبدا ولن ينجم عنها سوى العار والخراب الذى طال الجميع.


غير أنه قد لا يكون من الإنصاف اعتبار الحكام فى البلدين مسؤولين وحدهما عما حدث وإعفاء الشعبين المصرى والجزائرى من المسؤولية بعد أن استسلما هكذا كالقطيع، وسمحا لنظاميهما الحاكمين بالتلاعب بمشاعرهما الوطنية النبيلة، وتسخيرها على هذا النحو فى معارك صغيرة لخدمة أغراض دنيئة ومشبوهة.

فقد كشفت أحداث الشغب التى شهدتها القاهرة والجزائر والخرطوم، وعواصم أوروبية أيضا، عن شيوع حالة عامة من الجهل والتخلف والتعصب والانحطاط تثير الخجل. ومن مصادفات القدر أن تقع هذه الأحداث فى الوقت نفسه الذى نشرت فيه منظمة الشفافية العالمية تقريرها السنوى، الذى جاء فيه أن الجزائر ومصر بلدان يتعادلان فى الفساد، ويحتلان معا مرتبة شديدة التدنى على مقياس مكافحة الفساد فى العالم!

ولأن ما جرى يعد فى تقديرى أمرا شديد الخطورة ويمس مستقبل المنطقة ومصيرها، فمن الضرورى أن يتعامل معه الجميع، حكاما ومحكومين، بالجدية التى تليق بجسامته. فلست أبدا مع وجهة النظر التى تقول إن ما جرى هو مجرد «تجاوز غير مقبول وقع خلال احتكاكات تتكرر كثيرا بين جماهير كروية، من الطبيعى أن تتعصب لفرقها فى مباراة حساسة»، وإنما أنظر إلى ما حدث باعتباره جريمة كبرى شارك فى ارتكابها كل الأطراف فى البلدين: الحكومات والنخب ووسائل الإعلام بل والشعوب نفسها.

فحين تفجر مباراة فى كرة القدم كل هذا القدر من الغضب والكراهية بين شعبين شقيقين ويصل الأمر إلى حد إحراق العلم فى البلدين والاعتداء على مواطنين أبرياء ومحاصرتهم فى بيوتهم وتدمير المكاتب والشركات، فلا بد أن ندرك أن الصدور كانت معبأة لأسباب أخرى، وأن المباراة لم تكن سوى الزناد الذى ضغط على الشحنة المتفجرة المعدة سلفا للإطلاق.

ولأن هذه الجريمة الكبرى ارتكبت فى وضح النهار وجرت معظم وقائعها على الهواء مباشرة، فقد كان من السهل ضبط جميع الأطراف المشاركة فيها وهم فى حالة تلبس فاضح!..

وما لم ينجح الشعبان فى ممارسة الضغط من أجل إجراء تحقيق شفاف ونزيه يزيح النقاب عن كل الملابسات ويحيل كل المتسببن، أيا كانت مراكزهم أو مواقعهم، إلى محاكمة عادلة، فسوف يصعب تماما احتواء آثار ما جرى، وسيتحول إلى كرة ثلج متدحرجة تزداد خطورة مع تزايد قوة اندفاع الحركة فى اتجاه السفح! وإلى أن يتم التحقيق، أتطوع بتقديم رؤيتى لما جرى على النحو التالى:

١- نظامان سياسيان مستبدان وفاسدان، لم تعد لأى منهما قضية وطنية أو قومية كبرى، يسعيان باستماتة - كلٌ لأسبابه الخاصة - لاستعادة شعبيتهما باستثمار لحظة توحد وطنى حول فريقيهما الكرويين.

٢- شعبان عظيمان يبحثان عن لحظة فرح بانتصار، فى ظل حالة عامة من الإحباط الوطنى والقومى عمّ فيها الفساد وشاع الاستبداد، فلا يجدان سوى تلك المناسبة الكروية الحساسة للتعبير عن مشاعرهما الوطنية المكبوتة وإحباطاتهما المزمنة.

٣- نخب حاكمة فى البلدين تسلم قيادتها فى تلك اللحظة بالغة الحساسية، وفى ظل حالة فراغ وعقم تتسم بها الحياة السياسية فى البلدين، إلى إعلام رياضى جاهل ومتعصب، ينجح بامتياز فى تحويل مباراة فى كرة القدم إلى معركة كبرى من خلال استثارة أحقر المشاعر والغرائز الشوفينية.

أدرك أن الكتابة فى موضوع على هذه الدرجة من الحساسية، فى وقت لاتزال فيه الأعصاب مشدودة والمشاعر ملتهبة والغضب يمسك بتلابيب الجميع، خصوصا إذا كانت فى عكس اتجاه التيار السائد - تبدو نوعا من الجنون.

ومع ذلك فإننى لا أتردد مطلقا فى القول بأن اللوم فى البداية يقع على عاتق نظام مصرى متهرئ لم يستطع أن يدرك حساسية اللحظة والموقف، وأن يتعامل معها بما كان ينبغى. فحين تذهب عملية الشحن المعنوى للجمهور المصرى إلى حد قيام محطة فضائية بالكتابة على شريط أخبارها المتحرك عبارة تقول «فليتحول استاد القاهرة إلى مقبرة للغزاة» كان يتعين على المسؤولين السياسيين أن يخرجوا بطاقتهم الحمراء على الفور.

وحين تقوم قلة من المتعصبين أو المدسوسين بإلقاء الحجارة على حافلة تقل الفريق الجزائرى فى القاهرة كان يتعين على أجهزة الأمن المصرية أن تصدر على الفور بيانا بما حدث وتلقى القبض على العابثين.. لكنها بدلا من ذلك ارتكبت خطأ أكبر حين تركت البعض يصرح بأن الحادث مفتعل، وأن الحجارة ألقيت بطريقة متعمدة من داخل الحافلة، مما أثار شبهة التواطؤ الرسمى مع جمهور يعيش حالة تعبئة عامة وكأنه فى موقعة عسكرية.

غير أن الأخطاء التى ارتكبت فى مصر، على جسامتها، لا تبرر مطلقا رد فعل الجمهور الجزائرى الذى تم شحنه هو الآخر بطريقة غير طبيعية. ولا أريد أن أقدم هنا شهادة مصرية، ربما تكون مجروحة، ولكن شهادة عربية من كاتبة لبنانية صديقة معروفة بمواقفها القومية الناقدة للنظام المصرى، كانت فى باريس عقب المباراة الأولى التى فازت فيها مصر، وكتبت بعدها تقول بالنص:

«يا أمة ضحكت من جهلها الأمم. بل يا أمة عبست من جهلها الأمم!. ذاك هو التعليق الذى تملكنى وأنا أحتجز مع ثلاثة أصدقاء فى سيارة أحدنا طوال ساعتين فى شارع الشانزليزيه مساء السبت. أفواج مؤللة من الشباب المجنون وأفواج مؤللة من الشرطة الفرنسية، فى تظاهرة لم أشهدها والله فى أى مرة دعونا فيها إلى التجمع لأجل فلسطين!.

أن نرى علم الجزائر يلف السيارات وأجساد الشباب ورؤوسهم لشىء جميل يفرح له القلب، وأن نرى وبنفس القدر تقريبا أعلاما تونسية تلف الشباب الصارخ المصفر الملوح من فوق السيارات، فذاك لم نفهم سببه – صراحة – طالما أن الأمر يخص مباراة الجزائر ومصر. تضامن مغاربى؟ لا بأس فليكن خيرا، على الأقل بين مواطنى بلدين طالما أننا لم نعد نجده فى حده الأدنى بين بلدين عربيين.

ولكن أن نرى علم مصر يُحرق، ويُمزق ويُداس على الأرض، فذاك آخر الجنون الذى لن يغضب له بأى حال مئات رجال الشرطة الفرنسيين الذين كانوا يصطفون على جانبى الشارع، تنطق نظراتهم بكل ما فى الأرض من احتقار وامتعاض. رجال الشرطة مستاؤون دون شك لسبب شخصى، فالساعة قد بلغت الثانية بعد منتصف الليل والشارع لايزال يعج بالجنون مما يضطرهم إلى البقاء وقوفا فى هذا الليل البارد، لكنهم أيضا مستاؤون من المنظر الذى أقل ما يقال فيه، أنه غير حضارى بأى مقياس من المقاييس.

ونحن، الذين أمضينا سهرة السبت فى نقاش حول مستقبل العرب.. حول زيارة بشار الأسد.. حول مستقبل حركات المقاومة فى لبنان وفلسطين والعراق.. حول الأمسية التى عدنا لتونا منها فى اليونسكو وكانت مخصصة لذكرى الإمام موسى الصدر تحت عنوان: «موسى الصدر رجل الحوار» بين الأديان والحضارات، نجدنا الآن نتسمر فى سيارتنا، موزعين بين اللعنات والألم، بين الشتم والدمعة.

هل نحن عرب؟ هل نريد أن نكون عربا؟ وإذا كان لا خيار فى الجواب، فهل هؤلاء أبناؤنا؟ هل هؤلاء منا؟ هل نريد أن نكون منهم؟ هم أولاد العرب المهاجرين! حسنا. هم بذلك يحملون عقدة نفسية مركبة يفجرونها عبر هذا الجنون: عقدة العربى الذى يعيش الهزيمة أمام أعدائه – فيفش خلقه – فى شقيقه، كما حال الرجل الفاشل أو الخاسر الذى يعود إلى البيت فيضرب زوجته.

وتضاف إليها هنا عقدة هذا الشباب المهاجر الضائع الذى اقتلع من سياقه، ولم يعرف كيف ينغرس فى السياق الآخر وظل يتعامل مع الغرب ويتعامل معه الغرب بمركب التعالى والنقص، الكراهية والانتقام، العجز وفشة الخُلق مرة أخرى، دون أن يشكل أى عامل من ذلك هذا الجنون.

أى مأساة أن تسجل كاميرات الصحفيين الموجودين صورة عرب يحرقون ويدوسون علما عربيا، لا علم إسرائيل ولا علم أى عدو آخر! أما موضوع الخلاف، القنبلة النووية التى فجرت كل هذا الجنون وهذا الحقد، فلن يصدق عاقل أنها مباراة كرة قدم بل سيقول العقلاء إنها النتيجة الطبيعية التى نصل إليها عندما نجعل عقول الأجيال الجديدة فى أقدامها بدلا من رؤوسها».

ماذا كان بوسع هذه الكاتبة المحترمة أن تقول بعد ما جرى عقب مباراة الحسم فى شوارع الخرطوم ثم فى شوارع القاهرة، وحالة الهستيريا الشوفينية الخطرة التى اتسم بها رد فعل الشارع المصرى على ما ارتكب من جرائم؟!

لا جدال فى أننا أمام حالة مرض جماعى للأمة ينذر بموت سريرى قريب. فهل من منقذ؟ وإلى أين تقودنا أنظمة تحالف الفساد والاستبداد هذه فى كل أرجاء العالم العربى؟ كنا نخشى من تمدد الصراع الطائفى فى العالم العربى فإذا بهم يعاجلوننا بلطمة جديدة تبدو قاضية حيث الشعوب العربية تتفنن فى تحويل المباريات الكروية إلى ساحة حروب بينها. هل هذه دلائل على اقتراب الساعة؟!

كرامة مصر المهدورة

كرامة مصر المهدورة

عبد الباري عطوان

شعرنا بحالة من الصدمة والإحباط ونحن نتابع خطاب الرئيس المصري حسني مبارك في الاجتماع الطارئ لمجلسي الشعب والشورى، خاصة عندما قال انه لن يسمح مطلقا بأي مساس بكرامة مصر ومواطنيها، في إشارة مباشرة الى الجزائر، في أعقاب أحداث الشغب التي وقعت في الخرطوم، وأصيب فيها بعض المشجعين المصريين إثر اعتداءات تعرضوا لها من قبل نظرائهم الجزائريين.

الصدمة أولا لأن الرئيس المصري اختصر كرامة مصر في مباراة كرة قدم وتداعياتها، وثانيا لأننا توقعنا خطابا تصالحيا مدروسا ومهدئا من رأس الدولة في مصر، يرتقي إلى مكانتها الاقليمية والدولية، ويضمّد الجراح، ويهدئ العواطف، ويكبح جماح مجموعة من الذئاب الإعلامية الضالة، ويؤكد على روابط الدم والاخوة، ويفرّق بين انفعال الشارع ومسؤولية الدولة والقيادة، ويكظم الغيظ، ولكن هذا لم يحدث للأسف.


عمليات التحريض والتجييش المستمرة، حتى كتابة هذه السطور، في البلدين، تؤكد ما حذرنا منه دائما من وجود معسكرين يغذيان هذه الكراهية العنصرية المريضة والمدمرة، البعيدة عن قيمنا وأخلاقنا، بل ومصالحنا، عن عمد، ووفق تخطيط مسبق ،الأول 'فرعوني' في مصر يكره العرب والمسلمين، ويريد إعادة البلاد سبعة آلاف سنة الى الوراء، زمن تحتمس واخناتون، ومينا موحد القطرين، والثاني 'فرانكفوني' جزائري يريد سلخ بلاده عن محيطها العربي المسلم، بل والافريقي، والاتجاه شمالا الى أوروبا.

صحيح انه لا توجد في الجزائر غير قناة تلفزيونية حكومية واحدة، وليس هناك أي محطات خاصة، بقرار رسمي يمنعها، ولكن هذه 'الفرانكفونية' جرى التعبير عنها، وفي أبشع صورها، من خلال بعض الصحف، وبأقلام أشخاص تعمدوا تصعيد حملات الكراهية والعداء ضد الشعب المصري الطيب الشقيق، مما أسفر عن تعرض مصالح وعمال مصريين في الجزائر لأبشع أنواع الترهيب والاعتداءات.

نعترف بأن الإعلام المصري، والخاص منه على وجه الخصوص، كان في معظمه إعلاما تحريضيا تكريهيا، يعمل وفق أجندات انعزالية، تريد قطع أواصر مصر عن محيطها العربي، والإسلامي ايضا، وبتعليمات من جهات نافذة من صلب النظام الحاكم.

هذه القنوات التلفزيونية الخاصة التي جعلت من الجزائر، والجزائريين، ومن ثم العرب والمسلمين من بعدهم، الاعداء التاريخيين لمصر الذين يجب استئصالهم، مملوكة في غالبيتها لرجال أعمال يشكلون النواة الاساسية لنظام الحكم، ولي نعمتهم، ويكنّون في معظمهم العداء للعرب والمسلمين، ولهذا وظفوا قنواتهم هذه لتصعيد الكراهية، وإحياء العنصرية المصرية في أبشع صورها، وتجاوز كل الخطوط الحمراء الوطنية أو المهنية، وبطرق سوقية هابطة.

بحثنا في جميع الصحف ووكالات الأنباء العربية والأجنبية، بل والمصرية نفسها، عن الضحايا الذين سقطوا في الخرطوم على أيدي 'البلطجية' الجزائريين، وسكاكينهم التي تحدث عنها الفنانون المصريون بإسهاب في محطات التلفزة بطريقة استفزازية، فلم نجد الا ثلاثا فقط، أرسلت لهم السلطات طائرة خاصة، لنقلهم الى مصر، وسط زفة اعلامية، وكانت جروحهم بسيطة، غادروا المستشفى في اليوم نفسه بعد علاجهم.

متى كانت السلطات المصرية ترسل طائرات خاصة لنقل مصابيها داخل مصر أو خارجها؟ هل أرسلت هذه الطائرات الى الصعيد لنقل العشرات الذين سقطوا قتلى وجرحى في اشتباكات بين مسلمين وأقباط، وهل أرسلت هذه الطائرات لنقل ضحايا العبّارة الغارقة في البحر الأحمر، أو ضحايا تصادم القطارات بقرية 'العياط' في جنوب مصر؟.

لسنا ضد هذه الخطوة، أي ارسال الطائرات الخاصة التي تكشف في ظاهرها لمسة حضارية للعناية بالمواطن كما اننا ندين اي اعتداء على اي مشجع مصري بأقسى الكلمات، ولكننا ضد توظيفها في حملة اعلامية مسعورة، تخدم اهدافا مريبة، تريد لمصر هوية أخرى، يحاول رسم ملامحها أناس قادوا البلاد الى الحال المؤسف الذي تعيشه حاليا، من فساد وبطالة وفقر وأكوام قمامة، وكأن هذا الخراب لا يكفيهم ويريدون المزيد منه.

السيد علاء مبارك، نجل الرئيس المصري الثاني، تهجم بشكل غير مسبوق على القومية العربية، والانتماء المصري العربي، وقال ما معناه ان هذا الانتماء جرى دفنه مع صاحبه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

السيد علاء مبارك لم يصدر أي فتوى سياسية من قبل، ولم نسمع به الا بعد وفاة ابنه المغفور له، وتعاطفنا مع مأساته، فهو رجل مشغول في 'البيزنس'، وهذا حقه، ولا عيب في ذلك، ولكن ان يأتي خروجه الاول على شاشات التلفزة للتطاول على العرب والانتماء القومي لمصر، وبسبب أحداث شغب كروية فهذا أمر يثير الاستغراب. وما يثير الاستغراب أكثر الترحيب المبالغ به بتصريحاته هذه من قبل بعض الحاقدين على العرب والمسلمين في القنوات المصرية نفسها.

هذه النعرة المعادية للاسلام والعروبة، ولمصلحة 'الفرعونية' الانعزالية، تأتي في زمن التكتلات الاقتصادية والسياسية العالمية، وفي وقت تختار فيه 27 دولة أوروبية، رئيسا واحدا، ووزير خارجية يمثل سياساتها في مختلف دول العالم.

نذهب الى ما هو أبعد من ذلك ونقول ان رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا، يتحدث بافتخار عن الامبراطورية الاسلامية العثمانية، ويتباهى بأنه أحد أحفادها، ويتصالح مع جميع جيران بلاده، ويذهب رئيس بلاده عبد الله غول الى أرمينيا لحضور مباراة كرة قدم، ويبادله الرئيس الأرميني بحضور أخرى في تركيا، رغم وجود كراهية متأججة مبنية على تراث من مجازر راح ضحيتها ملايين الابرياء في البلدين.

هذه التوجهات المصرية الرسمية قصيرة النظر، قزّمت مكانة مصر، ودورها للأسف، ووترت علاقاتها مع محيطها الطبيعي الحاضن لها، المؤمن بقيادتها وريادتها. فالعلاقات المصرية السورية مقطوعة، وفي طريقها الى القطيعة مع الجزائر، وفاترة مع تونس، ومتوترة مع السودان، وخجولة مع المملكة العربية السعودية، وسيئة مع جميع الحركات والاحزاب الاسلامية وحركات التحرر في العالم مثل 'حماس' و'حزب الله' وغيرهما.

القاهرة الرسمية، وللأسف الشديد، تفرش السجاد الأحمر لشمعون بيريس رئيس اسرائيل وايهود باراك وزير دفاعها، المسؤول الاول عن جرائم الحرب في قطاع غزة، ومشغولة في الوقت نفسه في تأجيج الفتنة والاحقاد ضد العدو الجديد لمصر، وهو الجزائر وشعبها، وربما معظم العرب الآخرين.

نفهم ان تكره هذه القلة المهيمنة على الاعلام، والنافخة في نيران التفرقة والاحقاد، روابط مصر العربية والقومية، لو أن الجيوش المصرية تحارب دفاعا عن الامة وكرامتها وعقيدتها، أو حتى مصالح مصر، مثلما تفعل جيوش أمريكا وبريطانيا والسويد وفرنسا، في أفغانستان والعراق دفاعا عن المصالح الغربية، وتتلقى عواصمها يوميا نعوش القتلى ومئات الجرحى، ولكن الجيوش المصرية لا تحارب نيابة عن هذه الأمة حاليا، وآخر حرب خاضتها كانت قبل ستة وثلاثين عاما (1973) وحققت فيها نصرا رفع رأس الأمة.

الانتماء العربي القومي مفيد لمصر، لأنه مربح، يخدم مصالحها، فهناك أكثر من سبعة ملايين مصري يعملون في الخليج والسعودية وليبيا والاردن ولبنان، يساهمون بأكثر من خمسة مليارات دولار للخزينة المصرية. ونحن هنا لا نتحدث عن حجم الصادرات المصرية للعرب. وهذه الصادرات يمكن ان تتضاعف لو كان هناك نظام يسهر على مصالح مواطنيه، ويحقق تنمية حقيقية توفر الوظائف والرخاء. وتكفي الاشارة الى أن صادرات تركيا للمشرق العربي ومغربه بلغت 30 مليار دولار، ومرشحة للزيادة بمقدار الضعف في غضون ثلاثة أعوام.

لا نبالغ اذا قلنا ان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ما كان سيسمح بهذه المهزلة ان تحدث، ولو حدثت لما تردد بإصدار الأوامر لفريق بلاده للانسحاب أمام الجزائر وإهداء التأهيل لكأس العالم للشعب الجزائري. ولا نتردد في التأكيد أيضا ان الرئيس هواري بومدين كان سيفعل الشيء نفسه، لأن علاقات الاخوة وروابط الدم أسمى كثيرا بالنسبة الى هذين الرئيسين من الفوز في مباراة كرة قدم.

كرة القدم ومنافساتها هي المتعة الوحيدة التي بقيت متنفسا للجماهير العربية المسحوقة، في ظل أنظمة القمع والديكتاتورية والفساد والتوريث.. ومن المؤلم أنه حتى هذه المتعة البريئة أفسدوها، لا سامحهم الله.

مهزلة جزائرية مصرية

مهزلة جزائرية مصرية

عبد الباري عطوان

تحتل اربع دول عربية المراتب الاولى على قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، اضافة الى افغانستان، حسب منظمة الشفافية الدولية، ولكن لم يخطر في بالنا مطلقا، ان تستخدم انظمتنا الرياضة من اجل تحويل الانظار عن فسادها ودكتاتوريتها القمعية، وبذر بذور الكراهية بين ابناء الأمة الواحدة، مثلما شاهدنا في الايام العشرة السوداء الاخيرة، التي بدأت وانتهت بمباراتي فريقي مصر والجزائر، في تصفيات نهائي كأس العالم الصيف المقبل في جنوب افريقيا.

هذا المخزون الكبير من الكراهية الذي انعكس في تصرفات النخب السياسية والاعلامية في البلدين جاء مفاجئا بالنسبة الينا، وربما لمعظم العرب الآخرين، بحيث يدفعنا لاعادة النظر في الكثير من المقولات حول الاخوة والروابط المشتركة، والانتماء الواحد للعرق والعقيدة.


نحن امام حرب حقيقية، وعمليات تجييش اعلامي ودبلوماسي لم يسبق لها مثيل، وكل هذا من اجل الفوز في مباراة كرة قدم بين فريقي دولتين وشعبين شقيقين، من المفترض ان الفائز من بينهما سيمثل العرب جميعا في هذه المسابقة الكروية الدولية.

عندما قرأت انباء عقد الرئيس حسني مبارك اجتماعا طارئا لاركان دولته، ابتداء من مجلس الوزراء ومرورا بقائد جهاز المخابرات، وانتهاء برئيس هيئة اركان الجيش المصري، تبادر الى ذهني ان مصر على ابواب مواجهة مصيرية مع اعداء الأمة والعقيدة، ولم اصدق ان هذا الاجتماع غير المسبوق منذ الاعداد لحرب العاشر من رمضان اكتوبر المجيدة عام 1973، هو لبحث كيفية الرد على العدوان الجزائري المزعوم في الخرطوم، الذي اسفر عن اصابة عشرين مشجعا مصريا.

هذه ليست مصر الكبيرة العظيمة، حاضنة الامة ورافعتها، وفخر العرب جميعا بتضحياتها وابداعاتها في الميادين كافة. هذه مصر اخرى لا نعرفها، وفوجئنا بها، وبعض سلوكيات اهل الحكم فيها، وحوارييهم خاصة، في وسائل الاعلام المقروءة والمرئية.

الحكومة المصرية لم تسحب سفيرها في تل ابيب عندما اعتدت اسرائيل على لبنان مرتين، الاولى عام 1982، والثانية في عام 2006، ولم تطرد السفير الاسرائيلي وتغلق سفارته في القاهرة، عندما اجتاحت قواتها قطاع غزة، واستخدمت الفوسفور الابيض لحرق اجساد الاطفال والنساء، رغم ان هذا القطاع يخضع حتى هذه اللحظة للادارة المصرية قانونيا، وثلاثة ارباع ابنائه يرتبطون بروابط الدم او النسب مع اشقائهم في مصر.

ان يعتدي جزائريون على اشقائهم المصريين العاملين في عاصمة بلادهم، فهذا امر مستهجن ومدان وغير اخلاقي، وان يقذف مشجعون مصريون حافلة الفريق الجزائري وهو في طريقه من مطار القاهرة الى مقر اقامته، فهو امر معيب ايضا، ولكن لا هؤلاء، ولا اولئك يمثلون الغالبية الساحقة من ابناء الشعبين المصري والجزائري، وانما قلة منحرفة موتورة حاقدة.

الشغب الكروي امر عادي يتكرر اسبوعيا في مختلف انحاء العالم، بما في ذلك اوروبا 'المتحضرة'، وهناك امثلة لا حصر لها عن اشتباكات بين مشجعين انكليز وفرنسيين او المان وروس، بل وبين مشجعي فريقين من المدينة الواحدة، يسقط فيها عشرات القتلى والجرحى، ولكن لا تتدخل الحكومات ولا تسحب سفراءها، وتترك الامور في نطاقها الكروي.

في اليوم نفسه الذي كانت تدور فيه احداث الحرب الكروية المصرية الجزائرية على ارض ام درمان السودانية، تقابل منتخبا فرنسا وايرلندا، وفاز الاول بهدف من جراء لمسة يد من احد مهاجميه (تيري هنري) اظهرتها عدسات التلفزة بكل وضوح، واعيدت اللقطة مئات المرات على شاشات التلفزة العالمية، بل واعترف اللاعب نفسه انه مارس الغش ولمس الكرة متعمدا، ولكن لم نر التلفزيونات الايرلندية تستضيف الكتاب والشعراء والفنانين والرياضيين الايرلنديين لتوجيه اقذع انواع السباب الى الشعب الفرنسي او حكومته، او حتى للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي رفض طلبا باعادة المباراة تقدم به رئيس وزراء ايرلندا.

الحكومتان الجزائرية والمصرية تعمدتا صب الزيت على نار الاحقاد، وانخرطتا في عمليات تعبئة وتجييش لمشجعي شعبيهما ضد بعضهما البعض، لاسباب سياسية مريضة وغير اخلاقية.

الحكومة المصرية كانت تريد فوزا يشغل الشعب المصري عن الظروف المعيشية المزرية التي يعيشها، جراء الفساد والبطالة، وبما يسهل عملية التوريث التي واجهت حملات شرسة عرقلت مسيرتها بعد دخول مدفعيات ثقيلة في المعركة ضدها، مثل السادة محمد حسنين هيكل، والدكتور محمد البرادعي، والسيد عمرو موسى.

الحكومة الجزائرية ارادت تحويل انظار الشعب الجزائري عن النهب المنظم لثرواته، وتفاقم معاناته، وركوب ابنائه قوارب الموت بحثا عن لقمة عيش على الساحل الاوروبي من البحر المتوسط، بسبب استفحال البطالة في بلد يعتبر الاغنى في محيطه، لثرواته الهائلة من النفط والغاز والزراعة والصناعة.

كان القاسم المشترك بين النظامين المصري والجزائري واضحا في استاد المريخ في ام درمان، حيث تصدر ابنا الرئيس مبارك جمال وعلاء منصة الشرف، جنبا الى جنب مع شقيقي الرئيس الجزائري اللذين مثلاه في المباراة. اليس هذا دليلا اضافيا على المحسوبية، والتوجه نحو التوريث، والضرب عرض الحائط بالدساتير، وتقاليد الانظمة الجمهورية المتبعة في العالم بأسره؟

وما نستغربه اكثر هو حال الغضب المصري الرسمي، وربما الشعبي ايضا، تجاه السودان الشقيق، الذي ليس له في هذه الحرب ناقة او جمل، ولم يستشر فيها، وانما جرى فرضها عليه من قبل اشقائه الشماليين ايمانا منهم بوحدة وادي النيل، الذين اختاروا الخرطوم كأرض اهلها اقرب اليهم لاستضافة المعركة الحاسمة.

الحكومة السودانية يجب ان تتلقى كل الشكر، لا اللوم، من قبل نظيرتها المصرية، لانها نجحت، رغم امكانياتها القليلة، في توفير اجواء امنية طيبة، وسيطرت على حوالى اربعين الف مشجع من البلدين وانصارهما، ولم تحدث اي خروقات امنية داخل الملعب او خارجه، باستثناء اشتباكات محدودة ادت الى اصابة بعض المشجعين بجروح طفيفة، عولجت في حينها، ولم يمكث اي من المصابين ساعة واحدة في المستشفى. وحتى لو اصيب عشرون مشجعا مصريا نتيجة اعتداءات مشجعين جزائريين، وسكاكينهم، فإن هذا الرقم لا يذكر بالمقارنة مع مشاعر الكراهية المتأججة في اوساط الجانبين.

كان من المفترض ان تقدر الحكومتان المصرية والجزائرية الادارة المتميزة لنظيرتهما السودانية للأزمة، ونجاحها في منع مذابح حقيقية على ارضها، لا ان تقدم الحكومة المصرية على استدعاء السفير السوداني لابلاغه احتجاجا على تقصير حكومته في حماية المشجعين المصريين بالشكل الكافي.

ختاما نقول إننا شعرنا بالخجل، بل والعار، كأعلاميين ونحن نتابع الإسفاف الذي انحدرت اليه وسائل اعلام في البلدين، لم نتصور مطلقا ان يهبط مستوى بعض الزملاء الى هذه المستويات الدنيا، من الردح والتحريض ضد الطرف الآخر وحكومته وشعبه.

انها سابقة خطيرة، يندى لها الجبين، نعترف فيها بان نظامي البلدين صدّرا ازماتهما مع شعوبهما من نافذة مباراة كرة قدم، بايقاع اقرب شعبين الى بعضهما البعض في مصيدة الكراهية والاحقاد. لقد نجح النظامان بامتياز في مكرهما هذا، بينما يدفع الشعبان الطيبان، والامة العربية ثمنه غاليا.

أم المعارك .. بين مصر والجزائر .. كشفت عورة الأمّة

أم المعارك .. بين مصر والجزائر .. كشفت عورة الأمّة

زهير أندراوس

بادئ ذي بدء، نكتب هذه المقالة بعد انتهاء المباراة الحاسمة بين منتخبي مصر والجزائر في السودان على بطاقة التأهل لنهائيات كأس العالم في جنوب أفريقيا، التي سميت مجازاً "معركة أم درمان"، الجزائر في المونديال، مصر في البيت.

ولكن، في الحقيقة لم نكن بحاجةٍ لمباراة كرة قدم بين منتخبين عربيين، الجزائر ومصر، لكي نتأكد للمرة بعد الألف أو أكثر، أننّا ما زلنا نبعد سنوات ضوئية عن الحضارة والرقي، لم نكن بحاجةٍ لمتابعة أخبار "أم المعارك" لكي نعرف ونثبت أنّ الأمّة العربية، من المحيط إلى الخليج، ما زالت تعاني من عاهات مستديمة، لا نعتقد أنّ الخلاص منها سيكون قريباً.

نقول هذا الكلام، بألمٍ شديدٍ بعد أن تابعنا عبر الصحافة العربية المعبأة وغير المعبأة، المغمورة وغير المغمورة، الصحافة الرياضية، التي لا تمت للرياضة بصلةٍ، المسلسل الكومي درامي الذي رافق مباراة كرة القدم بين منتخبين عربيين "شقيقين"، هذا المسلسل الذي طغى على الأجندة العربية في الأسبوعين الفائتين، وبطبيعة الحال، سيبقى مسيطراً على حياتنا، شئنا أم أبينا، بتداعياته السلبية، التي كشفت عن عورة أخرى، وبالتأكيد ليست أخيرة، لدى الأمّة العربية.


اختلاط الأوراق

اختلط العام مع الخاص، الرئيس مع المواطن، الرياضة، إذا جاز التعبير، مع السياسة، الأمّة مع الشعب، والشعب ليس مع الأمّة، صحافة تحريض، حدثت كل هذه الأمور لدى الشعب المصري العظيم، الذي يتفاخر وبحقٍ بأنّه صاحب حضارة عمرها سبعة آلاف سنة، ولدى الشعب الجزائري، الذي ضرب المثل في المقاومة، عندما قدّم أكثر من مليون شهيد لتحرير بلاده وطرد المستعمر الفرنسي من أرضه. ماذا جرى لنا؟

سؤال يطرح نفسه وبقوةٍ كبيرةٍ على الساحة، وما من مجيب. هل الأمر نابع من أزمة قيادة؟ هل القضية مردها أزمة شعوب؟ أم أنّ العامليْن اجتمعا سويةً لتحويلنا إلى فرجة أمام مرأى ومسمع العالم؟ هل هذه الهمجية، نعم يجب تسمية الأمور كما هي بدون رتوش، ما كانت ستحدث بين الجزائريين والمصريين، لو أنّ القائد الراحل هواري بومدين، كان لا يزال رئيساً للجزائر، وطيّب الذكر جمال عبد الناصر، زعيماً لمصر؟ من تغيّر: القائد أم الشعب؟ أم الاثنان معاً؟ سؤال محيّر ما زال يقض مضاجعنا.

هناك العديد من الأسباب التي يمكن إيجازها في محاولة لسبر غور ما حدث قبل وخلال وبعد المباراة بين المنتخبين العربيين، اللذين يتنافسان للحصول على بطاقة التأهل لنهائيات كأس العالم في جنوب أفريقيا:

أولاً: أثبت الشعب الجزائري وشقيقه المصري، أننّا ما زلنا في مرحلة ما قبل الأمّة، كنّا وما زلنا شعوبيين، نلعن "سنسفيل" الدولة وحكامها الطغاة طيلة أيام السنة، ولكن عندما وصلنا الموقعة، أي المباراة الحاسمة، سامحنا الحكام الفاسدين والمفسدين، وبدأنا بصب جام غضبنا على الشعب الآخر، العدو، ونسينا إسرائيل وأميركا وأوروبا، وتناسينا ماذا فعلوا بنا، نحن العرب والمسلمين، وما زالوا منحازين، قلباً وقالباً، لدولة الاحتلال وسياساتها العدوانية ضد الشعب العربي الفلسطيني بشكلٍ خاص، وضدّ الأمّة العربية، بشكلٍ عامٍ.

ونسينا عن سبق الإصرار والترصد، أننّا أمّة فاشلة في جميع مناحي الحياة، نسينا أو تناسينا كل شيء من أجل كرة القدم، والتأهل لنهائيات كأس العالم. تجاهلنا الفساد الذي يميز الأغلبية الساحقة من الأنظمة العربية، والأمر المؤسف والمخجل والمريب أنّ الدعوة للوحدة العربية انطلقت من مصر، عندما كانت أم الدنيا، بزعامة الراحل عبد الناصر.

ثانياً: التصرفات الوحشية والهمجية التي رافقت المباراة أكدت لنا بشكل حازمٍ وقاطعٍ أنّ الشعب إذا أراد الحياة، فما عليه إلا أن يُشجع فريقه أو منتخبه عن طريق شتم الآخر، والاعتداء عليه بالضرب وشج الرؤوس، وما إلى ذلك من تصرفات تدل على حالة التخلف التي نعيشها، أو حالة الاختناق التي تعيشها الشعوب الشعوبية في الوطن العربي.

الروح الرياضية معدومة في بلادنا، والشوفينية باتت سيّدة الموقف، والتعصب الشعوبي أصبح الماركة المسجلة التي نهتدي بنورها، ونصل بواسطتها إلى حالة من الهذيان والنشوة العارمة.

ثالثاً: من ناحية أخرى، يمكن القول إنّ تصرفات الجمهور الجزائري والمصري على حدٍ سواء، نابعة فيما هي نابعة من حالة الاحتقان التي تعيشها هذه الشعوب بسبب الأنظمة العربية الشمولية والديكتاتورية، التي تقوم بقمع المواطن بشكل منهجي، عن طريق المخابرات التي تحكم السواد الأعظم من الوطن العربي، وتحاول عن طريق لعبة كرة قدم أن تسمح له بالتنفيس عن حالة الاحتقان الشديد، وهكذا يربح الحاكم الشعب، الذي يتحول إلى شعبه، فبدل أن يتظاهر هذا الشعب ضدّ الحاكم وسياسته الاستبدادية، يقوم بالتظاهر ضدّ الفريق العربي الشقيق الذي يريد "سرقة" أو "سلب" بطاقة التأهل للمونديال، وللتدليل على ذلك، بعد فوز أو بالأحرى النصر المبين الذي حققه المنتخب المصري على نظيره الجزائري السبت الماضي، خرج مئات آلاف المصريين للتظاهر، بدون رخصة وبدون تراخيص، تخيّلوا لو أنّ هذا الكم الهائل من المواطنين المصريين خرج للتظاهر لنصرة شعب غزة المحاصر والمجوع، ماذا كان جرى، وكيف كانت قوات الأمن ستقمع المظاهرات بالأسلحة، هذا لا ينفي طبعاً، اعترافنا وتقديرنا لأبناء الشعب المصري، الذين خرجوا للتظاهر تضامناً مع أبناء غزة المحاصرين!. بموازاة ذلك، سمعنا عن تعرض أبناء الجالية المصرية في الجزائر لاعتداءات من قبل "أشقائهم" الجزائريين، لا لسبب، إلا لكونهم وصلوا من مصر للبحث عن لقمة العيش، وهذا التصرف لا يليق بنا، لا كعرب ولا كمسلمين.

كرة القدم وفلسطين

رابعاً: وسؤال موجه من باب رفع العتب للشعوب العربية، في مصر والجزائر تحديداً: لماذا هذه التصرفات الغوغائية التي لا تُشرّفكم؟ لماذا لم نسمع عنكم أو منكم عن التضامن مع الشعب المحاصر في غزة وفي فلسطين؟ أنتم تعلمون ونحن نعلم، أنّه كل أربع سنوات تجري نهائيات كأس العالم، ولكنّ قضية العرب الأولى، طبعاً بعد كرة القدم، قضية فلسطين، لا تقدر أن تحتمل أكثر، الوقت لا يعمل في صالحنا، وأنتم تتقاتلون على التأهل، لا نريد منكم أن تكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، ولكن قليلاً من الحياء يُفرح قلب الإنسان، فلسطين بحاجةٍ إلى دعمكم، فلماذا تقصرون؟

خامساً: تذكروا يا عرب المحيط، ويا عرب الخليج، أنّه في عام 1982 فازت الدولة "العربية الشقيقة"، إيطاليا، بكأس العالم، تذّكروا أنّ المنتخب الإيطالي، من إداريين ولاعبين، قام بإهداء الكأس للشعب العربي الفلسطيني، الذي كان يتعرض آنذاك لأبشع عدوان من قبل دولة الاحتلال في لبنان، هذا العدوان الذي تُوّج بمجزرة صبرا وشاتيلا، وبطرد الرئيس عرفات من بيروت إلى تونس.

هذه الخطوة النبيلة من قبل الإيطاليين كانت وما زالت وستبقى مكتوبة بأحرف من ذهب في تاريخ الشعب الإيطالي، أما أنتم أيُها العرب، فماذا فعلتم من أجل نصرة القضية، اللهم سوى بيانات الاستنكار والشجب من قبل حكامكم، الذين لا يكيل أحد بصاعهم، بما في ذلك أنتم، أيُها الشعوب الخاملة والمخدرة، متى تستفيقون من سباتكم؟، نقول هذه الأمور من باب حرصنا على تعاضد وتماسك الأمّة العربية التي تتعرض لأبشع أنواع التدخل الغربي "المتنور" بهدف إبقائها متخلفة.

سادساً: الشعب المصري هو شعب عظيم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، لقد قدّم الغالي والنفيس من أجل قضايا العرب، وتحديداً قضية فلسطين، وبالتالي كانت الأحداث التي وقعت قبل المباراة في القاهرة ضدّ المنتخب الجزائري بمثابة صعقة لنا، لم نتعود على أمور من هذا القبيل من الشعب المصري الذي قدّم الشهداء والجرحى والمعتقلين في جميع حروب العرب ضدّ الدولة العبرية.

هل التصرفات غير المشرفة أولاً للشعب المصري، والتي رافقت وصول المنتخب الجزائري إلى مصر، هي نتاج التعبئة الرسمية وغير الرسمية، للشعب المصري التواق وبحقٍ لرؤية منتخبه الوطني في نهائيات كأس العالم، وسؤال آخر: ماذا كانت ستفعل مصر لو أنّ الغريم لم يكن عربياً ومسلماً؟ وماذا كانت ستفعل في جنوب أفريقيا، خلال المونديال، عندما تُهزم من قبل منتخب ليس عربياً؟. هذه الأمور الدخيلة على الأمّة العربية وعاداتها وتقاليدها وشيمها، يجب اجتثاثها قبل أن تتحول إلى القاعدة وليس الاستثناء، والتصرفات غير الأخلاقية تنسحب على الجزائريين وعلى المصريين.

التاريخ يعلمنا

سابعاً: من التاريخ تعلمنا أنّ العديد من الشعوب على وجه هذه البسيطة خاضت الحروب فيما بينها، ولكنّ هذا الأمر لم يمنع منتخبات هذه الدول من خوض المباريات وبروح رياضية عالية, فلماذا لا نحذو حذو هذه الشعوب، ولماذا لا نتعلم منهم؟ لماذا لا نكتسب منهم الأمور الإيجابية؟ ما العيب في أن نكون على مستوى عالٍ من الروح الرياضية عندما نتلاقى على أرض الملعب؟ لماذا تحدث هذه الأمور السلبية في العالم العربي فقط؟ ما هو السبب الذي يدفع بنا إلى التصرف بشكلٍ بدائي، متخلف وغرائزي، خلافاً لباقي شعوب العالم؟ أين الخلل؟ وما العمل؟

ثامناً: ديفد بن غوريون، الذي يعتبر مؤسس الدولة العبرية، والذي رفض حمل الهوية الزرقاء حتى مماته بسبب وجود اللغة العربية بين طيّاتها، سئل مرّة: ماذا نفعل بالعرب في إسرائيل، فردّ امنحوهم قليلاً من الديمقراطية لكي ينشغلوا بعضهم ببعض ويتركونا في شأننا، وفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، فاز مناحيم بيغن، المتطرف الذي صنع السلام مع مصر قبل أكثر من ثلاثين عاماً، بيغن، الذي كان لا يقل دهاءً وخبثاً وكرهاً للعرب عن بن غوريون، قال للمسؤولين الجدد في حكومته، علينا أن نمنح العرب في إسرائيل الفرصة لتأسيس فرق كرة قدم لكي ينشغلوا بذلك، وفعلاً نجح المخطط وباتت مناطق الـ48 تعج بالفرق الرياضية، وهو النهج المستمر حتى اليوم، ولا نكشف سراً بأنّ العنف في المباريات بين الفرق العربية يسيطر على المشهد، وهذا العنف لا يختلف بالمرة عن العنف بين الجزائر ومصر، وبالتالي لا يبقى لنا سوى أن نقول: نتيجة المباراة أفرزت فريقاً فائزاً وفريقاً خاسراً، ولكنّ الخسارة الكبرى هي خسارة الأمّة العربية برمتها، وبالتالي نقول: كل مونديال والأمّة العربية بألف خير.

الظلاميون هم المشكلة .. والمتطرفون الإسرائيليون هم الحل

الظلاميون هم المشكلة .. والمتطرفون الإسرائيليون هم الحل

د. وليد سيف

(قتل الإنسان ما أكفَرَه)، إذا اختار أن يرتدّ أسفلَ سافلين، فلا تَعرِف قرارةَ الهاوية التي يسقط فيها. فكلما ظننتَ أنه ارتطم بها، أثبت لك أن ثمةَ مستوياتٍ أخرى أسفلَ منها، حتى تقول: ما الذي تبقّى بعد هذا؟ أليس لهذه الهاوية من آخِر؟ ألم يَستنفد كلَّ ما يخطرُ في بالٍ من المعاذير والحُجج؟ أليس هناك من حدٍّ تنتهي عنده الصلافةُ والتنفّجُ والمكابرةُ والعزةُ بالإثم، لتبدأ فضيلةُ الاستحياء الملازم للشرط الإنساني؟ تلك التي تلزمنا -مهما نبلغ من الجرأة والتمرد والتحدي– أن نستر عوراتنا في الطريق، فإن لم نجدْ ثوباً خصفنا عليها من ورق الشجر كما فعل أبوانا آدمُ وحواء.

ولكن، لا. فقد علمتنا التجارب في السنين العجاف الأخيرة أن للذروة نهايةً يمكن معاينتُها، أما الحضيضُ فهاويةٌ بلا قرار. وإذ هو طريق لا رجعةَ منه، فإن المتردّي فيه لا يملك إلا المكابرةَ والإنكار، ومعهما التحدي. فلا جدوى من الجدال معه، وإن شهدت على كلامك الحواسُّ الخمسُ وقوانينُ الطبيعة وقواعدُ الرياضيات، وحتى لو صدَّق العدوُّ نفسُه شهادتَك.


إنها "عنزة وإن طارت"، وإن كان لا بدّ من اتهام طرف ما، فاتَّهِمْ بصرَك. والسلطان يرتدي كامل بزته الملكية، وإن كان في الحق عارياً.

ومن جديد، لا تَبحْ بما ترى حقاً فتتَّهمَ بضعف الإِبصار، وربما بضعف العقل. وإسرائيل لم تخفِقْ في تحقيق أهدافها في حرب تموز عام 2006 في لبنان. وإن كان لا بدَّ، فإنَّ اعتراف العدو بالإخفاق شهادةٌ له. إذ إنه لا يرضى بأقلَّ من تحقيق انتصار شامل ساحق معياراً للنجاح، فإن وقَفَ دونه ولو قليلاً، اٌعتبَر ذلك إخفاقاً، وعمد إلى التحقيق والمراجعة والنقد والمحاسبة، ما يعبِّر عن نظامه الديمقراطي الشفاف، في مقابل عرب يحيلون الهزائمَ إلى انتصارات، ويستعلي مسؤولوهم فوق المحاسبة.

أما غزةُ، وما أدراك ما غزة ؟، فلا يلومَنَّ "الظلاميون" فيها إلا أنفسَهم، فلا الاحتلال ولا الحصارُ ولا التجويع ولا تواطؤُ السلطةِ وبعضِ الأطراف العربية، هي المسؤولة عن الضحايا والدمار، وإنما هو الانقلاب "الظلامي" والمغامرات العبثية باسم المقاومة. ولا عليك إن وشى العدوُّ نفسُه بتواطؤ السلطة معه، أو باح مسؤول فرنسي رفيع، في أثناء العدوان الغاشم، بأن دولة عربيةً كبرى أبلغته أنه لا يجوز أن تخرج حماس من المعركة منتصرةً. إذ يكفي الإنكار هنا لدفع هذه التهم. كما أن الطيران ليس دليلاً على أنَّ ما نُبْصِرُه طائر وليس "عَنزاً"!

وحين تظن أن سدنة التنوّر العلماني وأعداءَ "الظلامية" والتطرف والإرهاب سوف يتقبّلون أخيراً عملاً تقوم به حماس، حين تحركت بسرعة لقمع جماعة متطرفة ذاتِ علاقة بالقاعدة، فإنهم يثبتون من جديد جرأتَهم على التحريف والمكابرة والمماحكة وتزييف الحق والحقيقة.

فالتحرك الذي قامت به حماس لا يبرئها من تهمة الغلوِّ والصلة بفكر القاعدة، وإنما هو بعكس ذلك دليل آخرُ على عواقب اتجاهها الظلامي الإسلامي. فالمناخ الإسلامي الذي خلقته في غزة، أو برنامجُها في "أسلمة المجتمع"، هو الذي خلق الظروفَ المناسبةَ لظهور تيارات إسلامية أخرى أكثرَ غُلُوّاً وتطرفاً وإرهاباً!

وفضلاً عما ينطوي عليه هذا التأويلُ من تحريف ومكابرة وتزييف، فإنه يعبر عن موقف استعلائي مغتربٍ عن المجتمع الفلسطيني، حين يفترض أن ظواهر التديّن في المجتمع ليست خياراً مجتمعياً متصلاً بالجذور الشعبية الاجتماعية الثقافية العَقَدية، وإنما هو نتاج برنامج قسري مفروض بالقوة.

وكأنَّ الأصلَ في المجتمع الفلسطيني ضعفُ التوجه الديني، لولا ما كان في غزةَ من هيمنة "الظلاميين"، وكأنَّ مجتمع الضفة في المقابل متحررٌ من نزعة التدين وظواهر الالتزام الديني، وأنه على نفس سوية السلطة في بُغض الظلامية والظلاميين.

ولا يشترط أن تكون متديناً أو حتى مسلماً لتعلمَ أن هذا تحريفٌ وتزييف واستعلاء وقلبٌ للحقائق. يكفي أن تتسم بالنزاهة، وأن تُعايِنَ الواقعَ الاجتماعي برؤية الباحث الاجتماعي المتزن، لِتَصِفَ الظرفَ الاجتماعيَّ الثقافيَّ وفقاً لمعطياته وشروطه، لا وفقاً لقالبك العَقَديِّ المُسبَق ولأفكارك "الرغائبيّة".

أما تهمة القمع والاستبداد وعدم التسامح، فأجدَرُ بها من يتنكرُ لحقائق الواقع الاجتماعي الثقافي الشعبي، ثم يعمل على تنميط المجتمع وفقاً لرؤيته وتوجهاته!

وإنها لعنزة ولو طارت.

على أنَّ كلَّ ما أوردناه من مواقف المماطلة والمكابرة وتحدّي المنطق والوقائع الشاخصة، يتصاغرُ أمام الذروة الأخيرة، بل الهاوية الأخيرة، التي انزلقت إليها السلطة، حين تدخلت لسحب تقرير غولدستون، بغيةَ إنقاذ العدو من المحاسبة على جرائم الحرب التي اقترفها في غزة، في سابقةٍ لم نعلمْ لها مثيلاً. ولقد توهمنا للحظة قصيرة أن هذه الفضيحةَ، أو الموبقةَ المهلكةَ، الحالقةَ لكل معاني الوطنية، أكبرُ من أن يدَّعي فيها المدَّعي أو يكابرَ فيها المكابر، وأنها آخرُ تخوم الخزي والعار.

وقد بدا لأول الوهلة أن أصحابها قد اعتراهم بعضُ ما يعتري بني آدم من الشعور بالخجل، فظهر منهم بعض الاضطراب والتناقض والرغبة في التنصل من المسؤولية، ولو إفكاً وكذباً.

فمن قائل: نريد أن نحقق في الأمر لنرى كيف كان الذي كان، ومن قائل: لا شأن للسلطة ورئيسها بالأمر، وإنما مَرَدُّ ذلك إلى المجموعة العربية والأفريقية والإسلامية التي دفعت بالمشروع ابتداءً، ونحو ذلك من المحاذير الواهية التي تستخف بالعقل وتزري بالحقائق.

ثم يبدو أن القومَ فكَّروا وقدّروا، فقُتلوا كيف قدّروا، ثم عزموا أمرَهم على التحدي والمكابرة. فمِن قائل: "هذه مسألة ثانوية لا ينبغي أن تطغى على المطلب الرئيس في الوقت الحاضر، وهو المصالحة الوطنية". ونعم، ما زلنا نقول: المصالحة مطلب رئيس، ولكن العمل على تبرئة العدو ليس مشكلة ثانوية، وإنما هي جناية عظمى، بل الأحرى خيانة عظمى. ليس فقط لدماء الضحايا والشهداء الذين يصرّ هؤلاء على أنهم ممثلوهم الشرعيون، ولكنها خيانة لملايين الأحرار في الوطن العربي والعالم بأسره، أولئك الذين تظاهروا في الشوارع تنديداً بالمجزرة، وانحيازاً لدماء الضحايا.

وهي كذلك خيانةٌ لمؤسسات المجتمع المدني الدولية التي طالبت لأول مرة بالتحقيق الدولي في الجرائم الإسرائيلية وملاحقة المسؤولين عنها.

أهذه الجريمة العظمى مجرد مسألة ثانوية لا تستدعي كل هذا الضجيج؟ هذا ما يراه الضالعون فيها. فإن لم تقنعنا هذه المحاولةُ البائسة للالتفاف على الموضوع، خرج علينا رئيسُ السلطة بهجوم مضاد على المطالبين بتأجيل التوقيع على وثيقة المصالحة في القاهرة، مذكِّراً من جديد بانقلابهم "الظلامي"، بوصفه أصلَ الداء وأسَّ البلاء.

ويا للمفارقة المضحكة المبكية بين تأجيل وتأجيل! أما طلبُ تأجيل مناقشة تقرير غولدستون فمسألةٌ ثانوية عَرَضيةٌ لا تستأهل كل هذا الضجيج، وأما طلبُ تأجيل التوقيع على المصالحة ردّاً على تلك الفضيحة الكبرى، فهو الأجدرُ بالإدانة والتهمة!.

وإنْ تَعجَبْ فعَجَبٌ قولُهم: "إن ردودَ فِعل حماس ما هي إلا استغلال سياسي للواقعة!". فهل كان يجب أن تتجاهل حماس الموضوع، على فداحته، كيلا تُتَّهَمَ باستغلاله سياسياً!! وهل اقتصرت مشاعرُ الصدمة والاشمئزاز والاستنكار على حماس، أم عمَّتْ كلَّ من فيه ذرةٌ من شرفٍ وغِيرةٍ على الحق ودماء الضحايا بغض النظر عن دينه وانتمائه القومي والإيدولوجيّ!

لو وقعت فضيحةٌ بهذا الحجم في دولة الاغتصاب العبرية، لطاحت بأصحابها. ولكنَّ سَدَنَةَ "الواقعية السياسية" المزعومة، وقادةَ التنوير وخصومَ "الظلاميّة"، لا تتعرف "استنارتهم" إلا بعدائهم لما يسمونه بالظلامية، أما ما يتصل بدعوى الاستنارة من قيم الشفافية والمساءلة والرقابة والمحاسبة والتنحي عن مواقع المسؤولية عقب الفضائح المهلكة، فكل هذه ترف لا يملكونه.

وكيف يخضع للمحاسبة من صار الخصمَ والحَكَمَ معاً، فهو المُشَرِّعُ والمُنَفِّذُ والقاضي. وهو وحدَه الذي يملك حقَّ ابتداع التعريفات والتوصيفات والمعاني.

ومهما يبلغْ حجمُ الجناية، فإنه لا ينبغي لك أن تصفَها بالخيانة. ففي صراع المعاني والتعريفات المتواصل بين خطاب الإذعان والتسليم، وخطابِ التحرر والمقاومة، يعمل الخطاب الأول منذ زمن على إسقاط مفهوم "الخيانة" من معجم المعاني السياسية والوطنيّة.

ويجري ذلك من خلال هجوم استباقي على ما يصفه بلغة التخوين، التي يحيلها إلى الخطابات الإعلامية والسياسية الانفعالية الإقصائية المتشنجة التي عفا على آثارها فجرُ الليبرالية الجديدة والواقعية السياسية.

فبيعُ الأوطان، والارتهانُ لإرادة العدو، والاستقواءُ به، وهدرُ الحقوق الوطنية، والتنازلُ عن حق العودة، والتضحيةُ بالقدس، والتواطؤُ مع العدو على المقاومة، وعلى تدمير غزةَ والفتكِ بأهلها، والتنسيقُ الأمني معه لقمع المقاومة ومطاردةِ المقاوِمين وتعذيبِهم وقتلِهم في السجون، والعملُ المنظَّمُ مع العدوِّ على خلق الفلسطيني الجديد المفرَغِ من عقيدته الوطنيةِ ومن عقيدة العِداء لمن اغتصب وطنَه واحتل أرضه واقتلع شعبه، والمشحونِ في المقابل بعقيدة العِداء ضد أبناء شعبه المقاوِمين، بوصفهم عصاباتٍ إرهابيةً متطرفةً ظلاميةً خارجةً على القانون، وأخيراً: التسترُ على جرائم العدو ومحاولةُ تبرئتِه من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها في حق الشعب الذي يدّعى هؤلاء تمثيلَه، كلُّ هذه المواقف والممارسات لا تؤهّل مقترفيها لوصف الخيانة، وإنما تمثلُ وِجهةَ نظر، إن شئت، بل هي وِجهةُ النظر الوحيدة، بل هي سياسةٌ وطنيةٌ قويمةٌ لا بديلَ لها لتحقيق الأهداف الوطنية!...

ولذلك القابعِ على رأس السلطة العتيدة أن يتبجَّحَ في المجالس متحدياً معارضيه، ليقول متفاخراً: "نعم، أنا أول من أسس لمنهج الواقعية السياسية، وأنا القائلُ منذ عشرين أو ثلاثين سنة: لا يحل قضيتنا إلا الإسرائيليون أنفسُهم، بل المتطرفون منهم تحديداً".

لا أيها السادة! لا نعرف لغةً شائعةً من لغات العالم لا يتضمن معجمُها كلمةً تشير إلى "الخيانة"، ولا نعرف دولةً لا يتضمن قانونها مبدأً يُجَرِّمُ الخيانةَ ويُعَرِّفُها.

ولكن المشكلة، كما هي العادةُ معَ كل معنى ومفهوم، تكمنُ في تنازع القوى الاجتماعية والسياسيةِ المتعارضة على إنتاج التعريف وإعادة إنتاجه ثم إنزالِه على الواقع.

ولا شك أن إساءةَ استعمال مفهومٍ ما ذي دِلالةٍ واصمة، بغرض قمع الآخرين وإسكات أصواتهم، يمكن أن يُلوِّثَ اللفظَ ويميّعَ دِلالتَهُ ويجعلَ استعمالَه ملتبساً ومشحوناً بذاكرةٍ مرذولة.

ونُقرُّ أن لفظ التخوين قد أسيء استعمالُه، وكان في كثير من الأحيان أداةً تتوسّلُها القوى المستبدةُ للابتزاز المعنوي والإقصاء وتسويغ القمع.

على أن هذا لا يُسقط المعنى بإطلاق، ولا ينفي تَعَيُّنَهُ في الواقع الموضوعي والسياسي. وإلا كيف نسمي من يتعاونُ مع العدو ويتجسس له ضدَّ وطنه وشعبه، ويُسَهِّلُ له عمليات اصطياد المقاوِمين؟! هل يجرؤُ أحدٌ على نفي صفات العمالةِ والخيانة عنه؟ وهل ينبغي أن يفلتَ من العقاب إذا تم اكتشافه؟

ولكن، كيف يصح أن نُثبت وصفَ الخيانة لهذا الفعل حين يَصدُر عن شخص مفرَد، ثم ننفيها حين تصيرُ سياسةً رسميةً منهجيةً تمارسها سلطةٌ فاقدةٌ للشرعية، لا تتورعُ عن التعاون المنظَّم والتنسيق الأمني مع العدو لقمع المقاوَمة ومطاردة المقاوِمين وتعذيبِهم في السجون حتى الموت أحياناً، فلا تكتفي فقط بتبادل المعلومات، ولكنها تتكفلُ بإنفاذ التصفيات بنفسها، وتُعفي العدوَّ من هذه المهمة، إلا أن تكون مهمة فوق طاقتها، مثلَ العدوان على غزة، فتكتفي بالتواطؤ وتقديمِ الغِطاء السياسي ثم محاولةِ التستر على العدو وحمايتِه من المساءلة الدولية عن جرائمه، وكلُّ ذلك في إطار سياسة عامة تضحّي بالحدود الدنيا من الحقوق الوطنية، فتُسقط حق العودة وتفرطُ بالقدس، وتسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية!!! إن لم تكن هذه السياساتُ والممارساتُ خيانةً للقضية الوطنية المقدسة، فما تكون الخيانة!! أفيدونا أيها الناس!.

ولعلَّ من المفيد أن نستدعيَ هنا المثالَ الفرنسي في أثناء الاحتلال النازيّ. فقد عرفت فرنسا نوعين من العَمالة والتعاونِ مع المحتل: "العميل" المفرَد، وحكومة "فيشي" الفرنسية التي نصبتها ألمانيا لتكون غطاءً سياسياً محلياً لاحتلالها. فهل أثبت الفرنسيون الأحرار تهمةَ العمالة للنوع الأول، وأعفَوا النوعَ الثانيَ من التهمة، باعتباره وِجهةَ نظر سياسيةً، أم شملت التهمة الجميعَ بكل ما يترتب على ذلك من المحاسبة والعقاب؟

نعم، ثمةَ فرقٌ بين النوعين، وإن لم يغيَّرْ من جوهر التهمة. فالعميل المفرَدُ حين يقدم على خيانته ويبيع روحَه للشيطان، لا يحاول أن يسوِّغَ جريمتَه بنظرية سياسية عامة يُرَوِّجُ لها ليحمل الناسَ عليها، بدعاوى من نوع الواقعية السياسية والتعاملِ مع الأمر الواقع واعتبارِ موازينِ القوى الإقليمية والدولية وتقليل الأضرار وتحصيل ما يمكن تحصيلُه ونحوِ ذلك مما تذرّعت به حكومة فيشي، فلم يغنِ عنها ذلك شيئاً حين جاء يوم الحساب!

والآن، تعالَوْا إلى استعراضٍ سريعٍ لمرتَكزات هذا المنطق في حالة السلطة الفلسطينية:

- نعم، ضاعَ الوطنُ الفلسطيني عام 1948 في الظروف الدولية والإقليمية المعروفة، وتشرد أهلُه، ولكن إسرائيلَ صارت واقعاً قائماً يحظى بالاعتراف الدولي والدعم المطلق من الدول الكبرى.

- توهمنا ردحاً من الزمان أن النظام العربي، ولا سِيّما في مرحلة المد القومي وحركات التحرير والثورة العالمية، سوف يتمكن أخيراً من تحرير فلسطين، أو ينجزه بالتضامن مع الشعب الفلسطيني. ولكن ثبت أن النظام العربيَّ جزءٌ من المشكلة أكثر منه جزءاً من الحل. ففضلاً عن عجزه أو تفريطه عام 1948، فإن هزيمته المنكَرةَ عام 1967 أدَّت إلى ضياع البقية الباقية من الوطن.

- وتوهمنا كذلك أن المقاومة الفلسطينية بوصفها حركةَ تحرير، متّصلةً بعمقها الشعبي العربي، يمكن أن تُنجزَ مشروعَ التحرير، أو أن تكون طليعة فاعلة تُسهم في خلق شروط جديدة في الواقع العربي في اتجاه التحرير، وذلك خارجَ محددات النظام الدولي وشروطه البنيوية. ثم أثبتت الوقائعُ أن هذه إستراتيجيةٌ غيرُ واقعية، وأنه لا يمكن تحصيلُ شيء من الحقوق الوطنية الفلسطينية إلا من خلال النظام الدولي الذي تقوده أميركا بالذات، وبالتوافق مع النظام الإقليمي الخاضعِ بدوره لشروط النظام الدولي والأميركي. وإذن فلا مفرَّ من الاندماج في النظامين الدولي والإقليمي.

- وإذا كان الأمر كذلك، فإن فكرة تحرير كامل التراب الفلسطيني تصبح فكرةً غيرَ واقعية، ومثلُها الكفاحُ المسلحُ بوصفه إستراتيجيةً عامة، ولا بديلَ عن العمل السياسي في إطار الشروط الدولية والإقليمية وموازين القوى السائدة.

- ولما كانت موازينُ القوى تعمل لصالح إسرائيلَ التي تتمتع بالدعم الدولي، وفي مقدمته الدعمُ الأميركي، فيجب أن نقنعَ بما يمكن أن نحصّله ضمن هذه الشروط الواقعية.

- وحتى مع الانتظام في هيكل النظام الدوليّ فإنه من العبث المطالبةُ بتطبيق حزمة القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين، مثل إقرار حق العودة.

- وإذن، ما الذي يتبقى لنا من خيارات، بعد انقشاع الأوهام وسقوط إستراتيجية المقاومة والكفاح المسلح، واستحالة تطبيق حزمة القرارات الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة؟ يجب أولاً أن نكفَّ عن المقارنة مع حركات التحرير الأخرى التي أنجزت مشاريعَها في الاستقلال والتحرر من القوى الاستعمارية الطارئة، إذ لا ينطبق شيء من هذا على الحالة الفلسطينية.

بية استعمارية خارجية، وإنما هو دولةٌ قائمةٌ في المِنطقة تتمتعُ بتفوق عسكري حاسمٍ على مجمل الوطن العربي.

وهي جزء من النظام الإقليمي فضلاً عن الدولي، شئنا أم أبينا. وعليه، فيجب أن نتعاملَ مع المشكلة بوصفها نزاعاً سياسياً إقليمياً، لا يحلّه إلاّ التفاوضُ.

وإذ نُقِرُّ بأن موازين القوى غيرُ متكافئة، فيجبُ أن نقبلَ مسبقاً بحقيقة أن نهجَ التفاوض في ظل هذه الشروط لن يحققَ لنا الحدودَ الدنيا من الحقوق والمطالب، حتى تلك المدعومة بقرارات الشرعية الدولية.

لماذا يجب أن نقنع بذلك؟ لأنه لا بديلَ عنه إلا استمرار الاحتلال في الوضع الراهن وما يتّصِل به من معاناة يومية وظروف اقتصادية وإنسانية خانفة. فنحن إذن بين خيارين:

* إما استمرار الوضع القائم بكل ضغوطه الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.

* وإما تعديله وتخفيف آثاره، بتلبيسه ثياباً جديدةً أقلَّ خشونةً وفظاظةً، تحت تسميات الدولة المستقلة (وإن لم تكن في جوهرها أكثرَ من حكم ذاتي) مع شعائرها المظهرية كالعلم والسلام الوطني، ومباشرة السيطرة الذاتية على الأمن، وتراجع المظاهر الحسية لقوى الاحتلال كالحواجز والقيود المفروضة على التنقل.

ويصحب ذلك تدفقُ المساعدات وتنميةٌ اقتصاديةٌ وطنيةٌ ذاتيةٌ ترفع من مستوى معيشة السكان. ذلك هو السلامُ الاقتصادي الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي.

تريد أن تنفي عن هذه الصورة صفةَ الاستقلال الفعلي؟ لا بأس، ولكن منطقَ الواقع يفرض علينا الاعترافَ بأننا خضنا حروباً رسميةً وشعبيةً، وهُزِمنا.

ومن العبث أن نتوهمَ أن بالإمكان تغييرَ شروط الهزيمة، فهي حقائقُ قارةٌ مؤبَّدةٌ في النظام الدولي والإقليمي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المهزومَ المغلوبَ -كالمتسول- لا يملك ترفَ الاشتراط. وعليه أن يأخذَ ما يجود به المتغلب. والمثلُ يقول: "إن كنت مقهوراً على السخرة، فاجعلها معونة!".

فلا عجبَ في إطار هذا المنطق الذي ينفي وجودَ أي خيارات بديلة، ألا يُشكِّلَ تعنتُ العدو واشتراطاتُه المستجدةُ مهما تكن، سبباً للمراجعة وإعادة النظر. فالذي لا يملك بديلاً لا يستطيع أن يهددَ بالتحوّل إليه!.

ومن الواضح أن هذا الخيارَ يجعل مفهومَ الدولة المظهرية الاسمية بديلاً عن الوطن، لا تعبيراً سياسياً عن استقلاله الحقيقي وتحرره.

أما بالنسبة إلى "إسرائيل"، فإنها إذا كانت لا تستطيع ضمَّ الضفة الغربية بسكانها، باعتبار أنه يقوّضُ فكرة الدولة العبرية اليهودية، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تطرد السكانَ لتخلص لها بدونهم، في ظل الواقع الدولي والإقليمي، فإن هذا الترتيبَ لا يكلفها شيئاً، وإنمّا على العكس من ذلك يقدم لها خدماتٍ إضافيةً عظمى.

ففضلاً عن استحقاقات التطبيع في المحيط العربي، فإنها تحتفظ بكل حقائق الهيمنة والسيطرة التي كانت تمارسها بإدارة الاحتلال المباشر، وتتحرر في الوقت نفسه من مجمل المسؤوليات القانونية التي تفرضها المواثيقُ الدوليةُ على الدولة المحتلة، كما تحررها من جزء هامٍ من مسؤوليات الأمن التي تنهض بها الدولةُ الفلسطينية الزائفةُ نيابة عنها.

وإذ تأخذ السلطةُ الفلسطينية صفةَ الدولة، فإن الطرف الفلسطيني يفقد مسوّغاتِه الأخلاقيةَ –على الصعيد الإنساني العالمي– بوصفه شعباً يكافح من أجل حقوقه المسلوبة ضد قوى الاغتصاب والاحتلال والإحلال.

ومن الطبيعي في هذه الحال أن تسقط كلُّ معاني المقاومة وحركة التحرير عن البقية الباقية من قوى المقاومة والمعارضة، فلا يلحق بها إلا صفاتُ التخريب والتطرف والإرهاب وتهديد الأمن الإقليمي، الأمر الذي يرتب على السلطةِ/الدولةِ مسؤولياتِ قمعها في إطار من التعاون الإقليمي الفلسطيني-العربي-الإسرائيلي-الدولي.

تلك هي مرتكزاتُ المنطق السياسي للسلطة الفلسطينية العتيدة، التي تفسر سلوكَها السياسيَّ المتوجهَ إلى تصفية القضية الفلسطينية، مرةً واحدة وإلى الأبد! فهل يصدمنا بعد ذلك موقفُ السلطة الابتدائيُّ من تقرير غولدستون؟ وهل يصدمنا قبل ذلك التضحيةُ بحق العودة؟ وهل يصدمنا التواطؤُ مع العدو على غزة؟.

ولكن، نعم، يصدمنا صمتُ القواعد "الفتحاوية" وانصياعُها لهذه السياسة الكارثية المدمرة كما يصدمنا صمتُ الكثيرين من الكتاب والأدباء في الداخل الفلسطيني، أولئك الذين كانوا في زمن قديم غابر يقحمون معاني المقاومة والبندقية في السياق وخارجه، حتى في وصف اللقاءات الحميمة وزهور الربيع.

ولم لا، وقد سبقهم شاعرٌ جاهليٌّ كاد أن يُقَبِّلَ الرماحَ التي تستهدف صدرَه لأنها لمعت كبارق ثغرِ الحبيبة المتبسّم، أما زهور الربيع فتحيل إلى الموّال الشعبي الفلسطيني "زهر البنفسج يا ربيع بلادنا".

ومن هذه النقطة يصبح من السهل التوصلُ إلى المقاومة والبندقية! أين هم أولئك الكتابُ والأدباءُ الذين كانوا ينتظرون شهادةَ الشهيد ليكتبوا نصوصَهم بمداد دَمِهِ على جِلده، فتستمد نصوصُهم قيمتَها من قيمة ذلك المداد وذلك الجلد، إن أعوزتها القيمة الفنية الذاتية!

أين أولئك الكتابُ والأدباءُ الذين ما فتئوا يصورون أنفسَهم بأنهم ضحايا السلطات السياسية والاجتماعية والثقافية، وأنَّ قَدَرَهُم أن يواجهوا "التابوهات" الثلاثة: الدين، والجنس، والسياسة؟! أما جرأتُهم على الدين وفي الجنس، فنشهد لهم بذلك. ولا نراهم يحجمون، بل نرى بعضَهم يُقدم على الخوض فيهما بأسلوب استفزازي استعراضي فجّ، لتأمين رواجٍ واهتمامٍ وضجيجٍ لا يوفرها المستوى الفنيُّ الرديء. فما بالُهم إذن يجبُنون في مواجهة "التابو" الثالث (السياسة)، حين يعمل عرّابوها على اغتيال رصيد المقاومة ومعجم النضال والحقوق الوطنية وذاكرة الشهداء، ويعملون في المقابل على تجريم البندقية المقاوِمة والحُلُُمِ الفلسطيني! أم يظن هؤلاء أن الجرأةَ على الله أقلُّ كلفةً من الجرأة على السلطان، الذي لا يملك من رسوم السلطنة إلا المشيَ على البساط الأحمر، وتوزيعَ العطايا والأرزاق أو حبسَها، ثم قمعَ المخالفين لحساب سلطانٍ أقوى منه، حتى انطبق عليه القول: "أسدٌ عليّ ... "!.

لا نعممُ بالطبع. ولكننا نسائل الصامتين. ولا نرضى بأقلَّ من الموقف الصريح الواضح في هذا المفصل الوجودي من تاريخ قضيتنا الفلسطينية - الموقف الصريح الذي لا يتموّه بلغة شعرية موارِبةٍ مفتوحةٍ على كل التأويلات والقراءات، وتَفِرُّ من الصلب المحدد، إلى المائع السائب، ومن سؤال الوطن ومصيره إلى الأسئلة الفلسفيّة الوجودية، بدعوى طبيعة اللغة الشعرية الفنية المفارقة، والانفتاح على الأفق الإنساني المتجاوِز للظرفي الخاص. فكل هذا مكانه في دواوين الشعر، وفي تعليقات النقاد عليها، لا في المواقف السياسية المباشرة التي تتصل بمصائر الأوطان!.

نعم، يصدمنا موقفُ هؤلاء وأولئك جميعاً، ونتلمس الدواعي.

أهي روحُ العصبية القبلية التقليدية التي تستظهر عندنا في الفصائل والأحزاب والتنظيمات السياسية، فتقدم الهويةَ القبليةَ التنظيميةَ على الهوية الوطنية أو تُماهي بين الهويتين؟ كيف ومتى تتحول حركةُ التحرير من وسيلةٍ جمعيةٍ لتحقيق غاية وطنية عامة جامعة إلى غاية في ذاتها؟ وكيف تنتهي القبيلةُ التنظيمية إلى تعريف ذاتها بالمغايرة مع قبائلَ تنظيميةٍ أخرى من نفس شعبها عوضاً عن تعريف نفسها بالمغايرة مع عدو الوطن وغاصبه؟ وكيف تنتهي في المحصلة إلى تقديم التناقض الأيديولوجي مع فصائلَ أخرى على التناقض الرئيس مع الغازي المحتل؟!.

لعل الإجابة عن هذه التساؤلات الممضّة، متضمنةٌ في مرتكزات المنطق السياسي الذي استعرضناه آنفاً.

فحين يُسقط أصحابُ هذا المنطق من معجمهم السياسي مفاهيمَ التحرير والمقاومة ضد الاغتصاب والاحتلال، وحين يختزل الصراع في نزاع سياسي إقليمي، ينضبط بشروط النظام الدولي وموازين القوى، وحين يتحوّلون من حركة تحرير وطنية إلى جزء من النظام الإقليمي والدولي، فإن من الطبيعي أن يجتمعوا مع سائر مكونات ذلك النظام -حتى أعداء قضيتنا– ضد الفئات الخارجة على القانون التي تعمل من خارج ذلك النظام، حتى لو تسمّت بأسماء المقاومة وكانت من نسيج شعبنا ومجتمعنا وأمتنا!...

نعم "الظلاميون" هم المشكلةُ الكبرى. ولا فرق على هذا الصعيد، بين حالة السلطة الفلسطينية والنظام العربي والدولي، طالما أن السلطةَ العتيدةَ قد صارت جزءاً منه! بل ربما كان عرّابو السلطة أشدَّ حكماً على "الظلامية" و"الظلاميين" من بعض القوى الدولية والإقليمية، باعتبار أن وجودهم يهدد مباشرة بتعطيل برامج السلطة السياسية "الواقعيّة"، ومعها شرعية بقائها ومسوّغاته! والتناقض "الأيديولوجي" مقدَّمٌ في هذا المناخ على التناقض الوطني مع العدوّ المحتل الأقربِ إلى رجالها في المزاج الثقافي الاجتماعي المتغرب والمُعَوْلَم! وكأن لسانَ الحال هنا يقول "ربعُ وطنٍ بلا "ظلاميّين" خيرٌ من وطنٍ معهم!". وأيُّ عَجَبٍ في هذا إذا كان "الظلاميون" هم المشكلةَ، والمتطرفون الإسرائيليون هم الحل!!!

وفي هذه المناسبة نتساءل: هل ضاق معجمُ السجال السياسي حتى لم يعد فيه إلا كلمة "ظلامي؟، أعني لقد صار تكرار هذا اللفظ مُملاً من ناحية ذوقية خالصة. وهو يفضي إلى تفريغه من شحنته الدلالية، وينقله إلى مستوى "الكليشية" المستهلَكة التي ترتد على صاحبها بأثر "كاريكاتيري". والمراوحة بينه وبين غيره تحفظ له بعض تأثيره !. وفي اللغة العربية متسع.

ولعل بعضَ المتفذلكين الضالعين في أنواء السلام يقترحون لزعيمهم بعضَ المفرداتِ الأخرى التي تسع دلالاتُها معارضين آخرين لا ينطبق عليهم وصفُ "الظلامية "الذي ارتبط بالإسلاميين حصراً. فأين نضع مفكرين أحراراً مثلَ عزمي بشارة وجوزيف مسعد؟ وأين نضع سائرَ القوميين واليساريين والمستقلين المعارضين لسياسةِ الإذعان وتصفيةِ القضية؟ هذا دون أن نحسب حساب أحرارٍ آخرين من غير العرب، مثل جورج غالاوي مثلاً الذي يصعب وصمُهم بـ"الظلامية"!.

ومن أقبح الدفوع التي يسوقها سَدَنَةُ الواقعية السياسية السُّلطوية، كلما اشتد الجدالُ، ذلك التنفّج بتاريخهم النضالي، فيذكرونك في كل آن بأنهم هم الذين أطلقوا شرارة النضال والكفاح المسلح، وأنهم أنفقوا من أعمارهم ما أنفقوا فيهما، ربما قبل أن تولد أنت. فلا يجوز لك أن تزايد عليهم فيه!

سبحان الله! هل الأعمال إلا بخواتيمها؟ وهل يكون النضالُ السابقُ حُجَّةً على التفريط اللاحق أم حجةً له؟! وهل كان النضال السابقُ مجردَ مقدمات غرضُها اختلاق شرعية تسوغ سياساتِ الإذعان والاستسلام وتصفية القضية في آخر المطاف؟ وهل الإيمان قبل الرِدة عذرٌ للمرتد؟ وهل يتذرع الصائمُ في يوم رمضانَ بأنه صام معظمَ النهار ليفطرَ قبيل انتهائه؟ أم المنطق هنا هو "أننا جربنا قبلكم ما تدعون إليه، ثم ثبت لنا عدمُ جدواه. وقد كان من سوء حظنا أننا اتعظنا بأنفسنا، والأجدرُ بكم أن تتعظوا بنا، فتبدؤوا من حيث انتهينا. فإنّ الشقيَّ من اتعظ بنفسه، والسعيد من اتعظ بغيره!".

ولقد سمعنا مثل ذلك من يساريين سابقين، أدركتهم لحظةُ التنوير الأميركي مؤخّراً، فابتدعوا قولهم الساخرَ "من لم يكن يسارياً في شبابه، فهو إنسان لا قلبَ له. ومن لم يَصِرْ رأسمالياً في كهولته، فلا عقل له!" ثم يطلقون ضحكةً مجلجلةً، لا تخفي غياب القلب والعقل معا!.

بعد إكتشاف أن منفذها عربي مسلم

بعد إكتشاف أن منفذها عربي مسلم

أسامه أبو أرشيد

بغض النظر عن الدوافع التي حدت بالرائد الطبيب نضال مالك حسن (39 عاما) لارتكاب مجزرة قاعدة فورت هود الأمريكية في ولاية تكساس (الخميس 5/11)، وبغض النظر عن تحذيرات الرئيس باراك أوباما وقائد أركان الجيش، الجنرال جورج وليامز كيسي، من ضرورة عدم التسرع بإطلاق الأحكام وتعميمها على كل العرب والمسلمين، سواء في الجيش أم في الولايات المتحدة عموما.. بغض النظر عن ذلك كله، إلا أن الضرر قد وقع عمليا على العرب والمسلمين الأمريكيين.

فالمجزرة التي ارتكبها الطبيب النفساني في الجيش الأمريكي، الرائد نضال، وهو أمريكي من أصول فلسطينية كما يحمل الجنسية الأردنية، وذهب ضحيتها 12 جنديا ومدنيا واحدا بالإضافة إلى 38 جريحا كثير منهم في حالة حرجة، وفرت لليمين الأمريكي المتطرف فرصة لم يكن يحلم بها لتعزيز اتهامه للمسلمين في الولايات المتحدة بأنهم طابور خامس لا يدينون بالولاء لهذه البلد، بل ويكرهونها أيضا. ومما يفاقم الأمور بشكل أكبر للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة، أن فعلة نضال هذه في أكبر قاعدة عسكرية في أمريكا والعالم (أكثر من 50000 ألف جندي)، وبغض النظر عن دوافعها، ليست بالعملية المعزولة، بل إنها تأتي ضمن سياق واضح في الآونة الأخيرة-سواء أصح أم كان مفبركا من قبل بعض الأجهزة الأمنية-يرسخ فكرة “التهديد الداخلي” للأمن القومي الأمريكي، وبأن مصدر هذا “التهديد” هم من العرب والمسلمين في أمريكا تحديدا.


حادثة ضمن سياق متناسق!!

فعلى مدى الأشهر الماضية، والأجهزة الأمنية الأمريكية تعلن مرة تلو المرة أنها أحبطت مخططا لاستهداف الأمن الأمريكي الداخلي، وفي بعض الأحيان، كانت الأهداف المحددة، على حد زعم الأجهزة الأمنية، قواعد عسكرية أمريكية على التراب الأمريكي. فمن شيكاغو/ألينوي إلى ميامي/فلوريدا، ومن دالاس/تكساس إلى بوسطن/ماسيشوسيتس، ومن دنفر/كالورادو إلى نيويورك/نيويورك.. إلخ، زعم مكتب التحقيقات الفدرالي “أف. بي. آي” أنه تمكن من إجهاض عمليات في طور التدبير، أو في بعض الأحيان تمكن من كشف “إرهابيين محتملين” عبر توريطهم كما في حادثة الأردني حسام الصمادي والتي كنا ناقشناها من قبل عبر السبيل، والقاسم المشترك بين كل هذه القضايا أن أبطالها عرب ومسلمون.
إذن، وضمن هذا المعطى تصبح قضية الرائد نضال حسن حلقة أخرى من حلقات الاستهداف الإسلامي لأمريكا من داخلها، كما يجادل الآن أنصار اليمين الأمريكي المتطرف. وطبعا لا يعدم أنصار هذا التيار اليميني “الحجج” و”الأسانيد” المزعومة لتأكيد فرضيتهم، فبالنسبة لهم فإن في سيرة الطبيب الرائد نضال حسن ما يكفي من “البراهين” لإثبات أنه “مسلم متزمت” يكره أمريكا ويعاديها.

إدانة ديانة كاملة وجالية بأسرها!

فاليمين الأمريكي يجادل الآن بأن رجلا مثل نضال، وصل إلى رتبة رائد في الجيش الأمريكي، ما كان له أن يذهب إلى الجامعة ويتخرج منها، ثمّ ما كان له أن يدرس الطب النفسي لولا أن الجيش تعهده وتعهد مصاريفه الدراسية. وفعلا فإن نضال (المولود في ولاية فرجينيا)، وخلافا لرغبة والديه المتوفيان، أصر على الانضمام إلى الجيش الأمريكي في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وقام الجيش عمليا بتمويل دراسته. أيضا، وضمن سيرة نضال، حسب اليمينيين الأمريكيين، فإن هذا الرجل المتدين بطبعه، يعد أرضا خصبة للـ”تطرف” و”الإرهاب”! فمجرد أنه ظهر في صباح اليوم الذي ارتكب به مجزرته-قبل الذهاب إلى عمله-مرتديا للثوب التقليدي الباكستاني أو الهندي وطاقية الرأس، يشي بأنه مسلم متدين، أي “متطرف” وقد يكون “إرهابيا محتملا”!!. كما أن مجرد كونه قبل أشهر ماضية عرضة لجريمة كراهية من قبل أحد جيرانه على أساس أنه مسلم يعد دليلا آخر على تدين الرجل، بمعنى “تطرفه” أو حتى “إرهابه”!!. وفعلا فقبل أشهر من هذه الحادثة قام أحد جيران نضال من العنصريين البيض بنزع ملصق من على سيارته يقول “الله هو المحبة” باللغة الإنجليزية “Allah is Love”، كما قام بإحداث بعض الأضرار بالسيارة، وقد سجل محضر بذلك لدى شرطة البلدة التي يقطنان بها قرب القاعدة العسكرية.

ولا تقف مساعي اليمين الأمريكي المتطرف في إدانة ديانة كاملة وجالية بأسرها عند ذلك الحد. فنضال، حسب أولئك صلى يوما في مركز دار الهجرة الإسلامي في مدينة “فولس شيرش” شمال ولاية فرجينيا، بالقرب من العاصمة واشنطن، وذلك أواخر التسعينيات ومطالع القرن الجديد. أما سبب التركيز على هذه “المعلومة” فهي أن اثنين من المنفذين المفترضين لهجمات 11 أيلول 2001 صليا في ذلك المسجد في تلك الفترة، والحديث هنا يدور عن كل من نواف الحازمي وهاني حنجور. وحسبما تناقلت وسائل الإعلام فإن “أف. بي. آي” تحقق فيما إذا كان نضال قد اختلط بهما في تلك الفترة التي سبقت هجمات أيلول 2001. كما تحقق “أف. بي. آي” حول ما إذا كان نضال قد اختلط بالإمام أنور العولقي، الأمريكي من أصول يمنية، والذي كان إماما للمركز في تلك الفترة، وتتهمه “أف. بي. آي” بأنه كان “مصدر إلهام” لبعض منفذي هجمات أيلول. ويعتقد أن العولقي يعيش حاليا في اليمن بعد أن هجر الولايات المتحدة بعد الهجمات (أيلول 2001) بسبب مضايقة السلطات له هنا.

أيضا، من ضمن الأسانيد المزعومة التي يقدمها اليمين الأمريكي المتطرف، أن نضال غالبا ما انخرط في نقاشات صاخبة مع زملائه من الجنود الأمريكيين حول مشروعية الحرب الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان، كما ينسب إليه القول أنه “برر” غير مرة “العمليات الانتحارية” حتى ضد القوات الأمريكية التي ينتمي إليها في حال ما إذا كانت معتدية. وتشير أيضا إلى بعض المزاعم غير المؤكدة حتى اللحظة من مثل أن نضال كان يكبر وهو يطلق النار من مسدس وبندقية نصف آلية في المجزرة التي ارتكبها. وأمر آخر ينسب إلى نضال أنه قام مرات عدة بوضع تعليقات على مواقع إسلامية “متطرفة” تحض على العنف وتبرر “الإرهاب” ضد أمريكا.

كل هذه “المعلومات” إن صحت هدفها واحد ألا وهو إدانة الرجل في حين لا يزال يقبع في غيبوبة حتى اللحظة جراء الإصابات التي تعرض لها خلال تبادله لإطلاق النار مع بعض عناصر الشرطة في القاعدة العسكرية.

الإعلام الأمريكي.. تحول النقاش من “أزمة” القوات المسلحة الأمريكية إلى شبهة “الإرهاب”!

ولكن كيف كان تعامل الإعلام الأمريكي مع الخبر لحظة وصوله إليها وقبل أن يكشف أن مرتكب المجزرة أمريكي من أصول عربية ومسلمة!؟

مع لحظة وصول الخبر إلى وسائل الإعلام الأمريكية كان التركيز الرئيس منصبا على الأمراض والعقد النفسية التي يعاني منها الجنود الأمريكيون العائدون من أهوال الحربين الأمريكيتين في كل من أفغانستان والعراق أو الذين هم في طريق العودة إليهما. فكثير من التقارير العسكرية الصادرة من قلب المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها ألمحت غير مرة أن القوات العسكرية الأمريكية تقبع على “حافة الانهيار”، وذلك جراء تورط الولايات المتحدة في حربين وعزوف كثير من الشباب عن التطوع للخدمة في الجيش خوفا من أن يتم إرسالهم إلى جبهات القتال الساخنة. ولعله من الضرورة بمكان الإشارة هنا، إلى أن التركيز ابتداء على الأمراض والعقد التي يعاني منها أبناء القوات العسكرية الأمريكية ونسبة المجزرة إليها قبل كشف هوية الفاعل إنما هو عائد إلى أن هذه ليست الحادثة الأولى التي تقع في القواعد العسكرية الأمريكية، سواء داخل أمريكا، أم خارجها، كما أنها ليست المرة الأولى التي ينسب فيها حادث دموي إلى جندي أمريكي هنا أم في الخارج.

وللعلم، فإنه قد تمّ إلغاء التجنيد الإجباري في الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين فإن الانتساب للجيش الأمريكي يقوم على “مبدأ التطوع”. وفعلا، فقد كان عشرات الآلاف من الشباب الأمريكي يتطوع سنويا في أفرع القوات الأمريكية المختلفة، وذلك طمعا بوظيفة مستقرة وبحوافز تعليمية وصحية جذابة. غير أن الحال تغير بعد أن أصبحت أمريكا متورطة رسميا في حربين ساخنتين أعادت ذكريات الأمريكيين المرعبة في فيتنام. وهنا بدا واضحا أن ثمة عزوفا عن التطوع للجيش، فمن كان يتطوع في السابق كان يتطوع بسبب حالة السلم النسبية التي عاشتها الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام، أما وأن الأمر تغير الآن بسبب أفغانستان والعراق فقد تغيرت استتباعا الدافعية أو التلقائية للتطوع في الجيش، وهو الأمر الذي أدى إلى وضع ضغط كبير على القوات العاملة أصلا في الجيش.

هذا الضغط عبر عن نفسه بتغيير أحد مكونات عقيدة القتال الأمريكية. فحسب العقيدة الأمريكية السابقة للتورط الأمريكي في العراق بعد أفغانستان، فإنه من الأصل أن لا تخدم أي كتيبة أو فيلق عسكري أمريكي أكثر من سنة واحدة في جبهة القتال، ثمّ الأصل أن تعاد تلك الكتيبة أو ذلك الفيلق إلى الولايات المتحدة لمدة عامين للتدرب والخدمة في قوات الاحتياط أو الحرس الوطني، وذلك قبل أن يتم إرسالها مرة أخرى إلى ساحات القتال. ولكن وبسبب قلة عدد القوات الأمريكية وصعوبة تحقيق التناوب بين الكتائب والفيالق العسكرية، فقد اضطرت المؤسسة العسكرية بضغوط من المسؤولين المدنيين زمن إدارتي الرئيس السابق جورج بوش، إلى التمديد للوحدات المقاتلة خمس أو ست مرات متتالية فضلا عن الاستعانة بقوات الاحتياط، وهو ما أضعف جاهزية الجيش وتدريبه، كما أنه وجه ضربة قاتلة لمعنويات الجندي الأمريكي الذي حرم الراحة والتدريب ورؤية الأهل لسنوات طويلة، في ذات الوقت الذي يعيش فيه يوميا أهوال الحرب، وحرب الشوارع التي لم يعتد عليها من قبل.

كل هذا دفع إدارة بوش إلى محاولة فتح النقاش من جديد عن أهمية فرض التجنيد الإجباري، غير أن الحسابات السياسية للحزبين الجمهوري والديمقراطي أجهضت المشروع حينئذ، ذلك أنه لا يمكن التنبؤ بردة فعل الناخب الأمريكي على أي مسؤول يصوت لصالح مثل هذا القرار. والجدير بالذكر أن عدد القوات الأمريكية العاملة في أفرع القوات الأمريكية المسلحة الخمس تقارب المليون ونصف المليون شخص، في حين تبلغ قوات الاحتياط أكثر من 800000 ألف شخص. غير أن أغلب هذه القوات موزعة على قواعد مختلفة في العالم، فضلا عن قوات متمركزة في الولايات المتحدة، وأخرى تعمل في الحرس الوطني في الولايات الأمريكية الخمسين.

“جيش على حافة الانهيار”

إذن، مثل هذا التطور يشكل عامل ضغط على الجندي الأمريكي. ومنذ ذلك الحين وكل التقارير التي يتم إعدادها من قبل المؤسسة العسكرية الأمريكية أو بطلب منها تكاد تصرخ من خطورة الوضع القائم على جاهزية ومستقبل القوات الأمريكية. فمثلا يشير أحد التقارير العسكرية الأمريكية إلى أن عدد حالات الانتحار “الناجحة” في صفوف القوات الأمريكية في العراق الآن هي خمسة أضعاف ما كان عليه الحال في حرب الخليج الأولى مطلع تسعينيات القرن الماضي. كما أنها، واستنادا إلى ذات التقرير أعلى بـ 11% مما كانت عليه خلال حرب فيتنام. فمثلا، شهد عام 2008، 133 حالة انتحار “ناجحة” في صفوف الجيش الأمريكي (القوات البرية)، بل إن عدد المنتحرين في صفوف الجيش الأمريكي (القوات البرية) في شهر يناير 2009 بلغ 24 جنديا، وهو رقم أعلى من عدد من قتل من القوات الأمريكية في حربي أفغانستان والعراق مجتمعتين في ذات الشهر. كما تشير قوات البحرية إلى أنها فقدت 41 جنديا منتحرين عام 2008. وحسب دراسة أعدتها مؤسسة الأبحاث الأمريكية الشهيرة “راند” فإن حوالي 20% من أفراد القوات العائدة من حربي العراق وأفغانستان يعانون من أمراض الكآبة والإحباط والعقد النفسية، في حين أن أكثر من نصفهم لم يتلقوا علاجا، وذلك خوفا من أن يوضع ذلك في تقاريرهم الوظيفية، وبالتالي أن تؤثر على ترقياتهم.

ويشير أطباء نفسيون أمريكيون أن أعدادا كبيرة جدا من الجنود العائدين من العراق وأفغانستان يعانون من أمراض الكآبة والخوف والكوابيس الليلية والشعور بتأنيب الضمير والإحباط.. إلخ، وهي الحقائق المرعبة التي دفعت بالمؤسسة العسكرية الأمريكية لإطلاق برامج طبية ونفسية في محاولة لاحتواء الأمر ومعالجة الجنود الأمريكيين. بل ووصل الأمر بوزارة الدفاع إلى أن تقوم في شهر تموز من هذا العام بتخصيص مبلغ 500 مليون دولار من أجل تمويل دراسة عن مثل هذه الأمراض وحالات الانتحار المتزايدة داخل القوات العسكرية الأمريكية وكيفية الحد منها.

حتى أطباء الجيش النفسانيين يعانون الأمراض والعقد.. ونضال منهم

بل وأبعد من ذلك، فإنه ومن خلال عدد من الدراسات التي أجريت داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية فقد اتضح أن المرضى لم يكونوا فقط من القوات الحربية، بل إنه في حالات كثيرة شملت قائمة المرضى الأطباء النفسانيين العسكريين أنفسهم، المكلفين بمعالجة الجنود المقاتلين. وكما يقول الدكتور وليام كالاهان، أحد الجراحين في الجيش الأمريكي فإن “الأطباء يمرون بلحظات عاطفية صعبة” أيضا، خصوصا وهم يسمعون القصص المروعة التي يرويها لهم الجنود، أو عندما يرون الإصابات المرعبة التي تأتيهم.

وضمن هذا السياق، فإن الرائد نضال، لا يعد بدعا من ضمن هذه الحالات، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن حادثة إطلاق نضال للنار داخل قاعدة عسكرية لم تكن هي الأولى من نوعها من قبل جندي أمريكي، حيث سبقتها حوادث مشابهة كثيرة (طبعا لم يتم التركيز عليها كهذه ذلك أن الفاعلين لم يكونوا عربا ومسلمين)، ويبدو أنه ستتبعها حوادث أخرى ما دامت الظروف النفسية للجنود الأمريكيين لم تتحسن بعد جراء هاتين الحربين المدمرتين في كل من أفغانستان والعراق.

وإذا وضعنا كل المعطيات السابقة ضمن سياق سليم فإن احتمال “الإرهاب” في هذه الحادثة لا يبدوا وحيدا، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بعض الروايات الأخرى التي يسكت عنها اليمين الأمريكي المتطرف في هذه الحادثة. فمثلا، تشير الكثير من الراويات إلى أن نضال كان عرضة لتمييز عنصري من قبل زملائه الجنود بسبب أصوله العربية ودينه الإسلامي، وذلك على الرغم من أنه مولود في أمريكا، ويحمل رتبة عسكرية لا بأس بها “رائد”. كما تشير روايات أخرى أن نضال كان يعيش حالة من الرعب منذ أن علم أنه سيتم إرساله إلى الجبهة في أفغانستان، وحسب زملاء له في الجيش فإن نضال كان يزداد توترا في كل مرة يسمع فيها قصصا من مرضاه الجنود عن الرعب الذي عاشوه في جبهات القتال. طبعا هذا لا ينفي أن الرجل ربما لم يكن يريد أن يذهب إلى جبهة قتال مسلمة وهو مسلم، وكما يشير الكثير من أقاربه فإنه حاول غير مرة أن يستقيل من الجيش قبل انتهاء عقده ولكن دون نجاح يذكر.

طبعا، العنصريون والمتطرفون وأعداء المسلمين في هذه البلد غضوا أعينهم عن كل الحقائق التي تقول إن المشكلة كامنة إلى حد كبير في المنظومة العسكرية الأمريكية اليوم، وركز على ما يزعمون من أن العرب والمسلمين الأمريكيين، بمن فيهم حوالي 20000 ألف جندي مسلم يخدمون في أفرع القوات المسلحة الأمريكية المختلفة يمثلون طابورا خامسا لا يمكن الوثوق به. هذا كله لا ينفي أن الرائد نضال، نفذ مجزرة مع سبق الإصرار والترصد. فالرجل دخل بسلاحين غير مرخصين إلى قاعة يتجمع بها الجنود ممن يستعدون للذهاب إلى جبهات القتال لفحصهم طبيا ونفسيا، وبدأ بإطلاق النار عليهم عشوائيا وهم غير مسلحين. الغريب، أنه كان أحد الأطباء المكلفين بمعاينة الصحة النفسية لمن كانوا ضحاياه بدل أن يكونوا مرضاه.

وعلى أية حال، ورغم إدانة المؤسسات العربية والإسلامية الأمريكية، والعرب والمسلمين العاملين داخل القوات العسكرية الأمريكية لهذه العملية، ورغم تبرئهم منها، إلا أنه من الواضح أن ذلك كله لن يغني شيئا أمام آلة تشويه يمينية-صهيونية لا ترى في العرب والمسلمين، والإسلام نفسه في أمريكا، غير أعداء ينبغي القضاء عليهم أو التخلص منهم.

البشري: أزمتنا في الحركات لا في الأفكار

البشري: أزمتنا في الحركات لا في الأفكار

محمد طلبه

"نحن لسنا سذجا، ولسنا حمقى، ولسنا متخلفين، ومشكلتنا ليست مشكلة أفكار، وإنما هي مشكلة الأذرع التي لا تعمل جيدا والأرجل التي لا تسير جيدا.. مشكلة القدرة على التنظيم والتحريك، أما أهدافنا فنحن نعرف كيف نضعها جيدا"..

بهذه العبارة لخص المستشار طارق البشري أزمة العرب والمسلمين في الوقت الحاضر، في محاضرته عن "مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي" التي شهدتها جامعة الدول العربية في الجلسة الختامية للمؤتمر الدولي للإصلاح والتجديد.. خبرات مقارنة مع حركة فتح الله كولن التركية.

وهاجم البشري التصور الشائع بوجوب تصحيح أفكارنا، مؤكدا حسن تقدير النخبة العربية لمشكلات واقعها، وامتلاكها لأدوات التحليل اللازمة لذلك.


وقال: إن السياسة الأمريكية هي التي وضعتنا بعد 11 سبتمبر في هذا الوضع، وهي وسيلة أي مستعمر لفرض سيطرته على بلد ما، حيث يتولى إقناع أهل هذا البلد بأنهم معيبون وناقصون ويحتاجونه كي يتغيروا!!

ودلل البشري على أهلية المثقف المسلم لإدارة معركته الراهنة بالنقلة الفقهية التجديدية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، والتي تجاوزت -بحسبه- ما نبه إليه الإمام الأكبر محمود شلتوت في بداية هذا القرن من معضلات وأمراض فقهية وفكرية قائلا: نحن نعاني من غلبة العناية بالمناقشات اللفظية، وغلبة تقديس الآراء التي دونها السابقون والسمو بها عن النقد، ونزعة الاشتغال بالفروض والاحتمالات العقلية، ونزعة الاشتغال بالحيل للتخلص من الأحكام الشرعية، وروح التعصب المذهبي، والنكوص عن الاجتهاد، وعن ملاءمة الأحكام لهذا العصر.

وتساءل البشري مستنكرا: هل ما زلنا نعاني في خطابنا التجديدي من المشكلات نفسها؟ هل ما زلنا على هذه الأوزار.. أم ظهر فينا من تجاوز هذه العثرات؟

ونفى البشري أن تقوم تجارب مثل تجربة طالبان كدليل على استمرار هذه العثرات، مؤكدا عجز الفكر السياسي عن تقديم أي حلول أخرى للحالة الأفغانية سوى ما يمارسه أصحاب حركة طالبان الذين هم أعرف بشئون دنياهم، كما وصفهم.

المستقبل يبدأ من هنا

وفي معرض حديثه عن مستقبل الإصلاح أكد البشري أن الواقع هو مفتاح فهم المستقبل، وأن أسئلة الحاضر الممتد هي التي تصوغ رؤيتنا المستقبلية في الفكر والحركة.

وحول نجاح التجربة التركية ومدى قدرتنا على الاستفادة من هذا النجاح، قال البشري: إننا حين ندرس خبرات الإصلاح لا ندرسها لننسخها في بلادنا دون مراعاة لاختلاف السياقات الزمانية والمكانية والاجتماعية والثقافية، وإنما ندرسها للاستفادة منها مع مراعاة هذه الفروق الدقيقة بين الجانبين.

وتعرض البشري بشيء من التفصيل للعلاقة التي وصفها بـ"التاريخية" بين العرب وتركيا، مشيرا إلى الخطأ الشائع الذي يؤرخ لهذه العلاقة ابتداء من قيام الدولة العثمانية، وهو ما نفاه البشري بشدة، لافتا إلى أن العلاقات العربية التركية بدأت قبل ذلك بكثير؛ حيث تعاصر العرب والترك من قرون أبعد من التجربة العثمانية.

العثمانيون المفترى عليهم!

ونبه البشري إلى أن مصادر دراسة التاريخ العثماني لدى كثير من المثقفين كانت وراء شيوع النظرة الدونية لهذه الدولة الهامة والمؤثرة في تاريخنا، مشيرا إلى كتابات المستشرقين من جهة وكتابات منظري القومية العربية في القرن الـ 19 -أصحاب دعوة الانسلاخ من الجامعة الإسلامية- من جهة أخرى، وهي الكتابات التي وصفها البشري بأنها لم تفرز سوى الكراهية.

وفي هذا السياق دافع البشري عن الدولة العثمانية التي ألقيت عليها أوزار من قبلها –حسب تعبيره– مما أدى إلى سوء فهم شديد في قراءة هذه المرحلة التاريخية الهامة.

وتابع: الدولة العثمانية منذ القرن الرابع عشر كانت العائق الرئيسي أمام تجدد الحروب الصليبية في المنطقة، مشيرا إلى أن انضمام تركيا إلى خط الدفاع العربي دمشق/ القاهرة/ الحجاز كان بمثابة التدشين لـ"سور الإسلام العظيم"، وهو ما أهلنا –حسب البشري- للانتقال من خط الدفاع إلى خط الردع والهجوم، الأمر الذي حال دون تكرار حروب صليبية جديدة كان من المقدر لها أن تستمر لـ 200 عام، مخلفة الكثير من الخسائر التي رجح البشري أن تكون اللغة العربية أولها، حيث كانت معرضة للضياع والاندثار لولا الأتراك.

وفي محاولة لتتبع المسار الوجداني للدولة العثمانية لدى الحركة الوطنية المصرية أوضح البشري أنه بعد استقلال مصر عن الدولة العثمانية بمعاهدة لندن 1840 أصبح لمصر تاريخ مستقل، لكن الصلات الحضارية بين القاهرة وإستانبول لم تنقطع.

وأحال البشري في معرض التدليل على ذلك إلى استقواء الحركة الوطنية المصرية بإستانبول، حين ظهرت المطامع الأجنبية في مصر وهو الاستقواء الذي وصفه بالمعنوي، والسياسي دون العسكري، مشيرا إلى توجهات زعيمي الأمة مصطفى كامل، ومحمد فريد.

وانتقل البشري إلى تعاطف العلمانيين المصريين مع التجربة التركية الكمالية، وتطلعهم إلى نجاحاتها التي لم يتحقق منها في مصر شيء، مؤكدا تواصل الخط الوجداني بين مصر وتركيا بعد التحول التركي للعلمانية.

وأوضح البشري أن هذه العلاقات الوجدانية بين مصر وتركيا ظلت قائمة إلى أن جاءت ثورة يوليو، ودعت تركيا حينها إلى حلف الأطلنطي لتأمين حدودها من الخطر الروسي الذي يهدد الأمن القومي لها، وهو ما لم يتوافق مع المصالح المصرية آنذاك لتعارضه مع آليات تأمين مصر لأمنها القومي بدورها في ظل الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة، والعلاقات المتوترة مع الغرب المساند لهذا الكيان.

وأضاف: إن تقسيم بلداننا إلى أقطار صغيرة أدى إلى تباين السياسات في حفظ أمن الجماعة وهي وظيفة الدولة الأولى... وهنا حدث تضارب لم يكن معناه العداء بين مصر وتركيا .

وشدد البشري على ضرورة الاستفادة من هذه التجربة قائلا: إن مستقبل العلاقات بين أقطار هذه الأمة يكمن في دراسة أوضاع الأمن القومي، وكيف يمكن أن تتداخل ويسحب منها فتيل الخلاف.

لماذا تأخرنا؟

وحول إخفاق التجارب الإصلاحية العربية مقارنة بحركة فتح الله كولن ونجاحاتها الملموسة، رجح البشري أن تكون التجزئة والتبعية والازدواجية الفكرية والمؤسسية وراء هذا الإخفاق.

وأشار إلى أن الأمة كانت دولة واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تحولت إلى دولتين في العصر الأموي والعباسي، ثم إلى ثلاث في العهد العثماني والصفوي والمملوكي، ثم تناثرت إلى ما آلت إليه الآن، وهو ما اعتبره البشري سببا واضحا في "تخلف الحركات الإصلاحية، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن هذا التقسيم لم يعكس مصالحنا وإنما عكس مصالح الدول الغربية والاستعمارية داخل بلادنا، حيث وضعت حدود مصر الحديثة في مؤتمر لندن 1840، وحدود الشام في مؤتمر سايكس بيكو، وحدود أفريقية في مؤتمر برلين!!!"

وهو ما علل به البشري وقوف كثير من الدول الغربية في وجه أي محاولة عربية للوحدة ولو بين دولتين إلى الحد الذي يصل في بعض الأحيان إلى الغزو المسلح.

أما عن المشكلات التي عاقت تقدمنا النهضوي في القرن الماضي، تحدث البشري عن الازدواجية الفكرية والمؤسسية التي عانينا منها لقرن كامل، في القانون(وضعي، وإسلامي) وفي القضاء (شرعي، وأهلي) وفي المؤسسات (حديثة، وشخصية) وفي القيم (إسلامية، وغربية) فضلا عن أنماط الاستهلاك المتباينة .

وفي هذا السياق أشار البشري إلى مقولة فتح الله كولن الشهيرة: "إن الناس تعاني من الفقر والجهل والفرقة"، لافتا إلى أن معنى الفرقة هنا – كما فهمه - هو هذا الازدواج .

أفكارنا بخير

وفي إشارة لجهود المصلحين المصريين في بدايات القرن الماضي وما صادفها من ازدواج وتشتت بين تياري المحافظين والمجددين قال البشري: لم يكن المحافظون في ذلك الوقت حفنة من الأغبياء الجامدين كما يتوهم البعض، ولكنهم كانوا علماء أفاضل استشعروا خطورة الغزوة الفكرية فتصدوا لها، بالحفاظ على كل ما هو ذاتي، وهو ما يتعذر معه –حسب البشري- القيام بأي جهد تجديدي فلا يستطيع المدافع أن يقوم بدور المهاجم في آن.

أما المجددون فهم – برأي البشري – لم يختلفوا كثيرا في مقصدهم عن المحافظين لكنهم اختلفوا في آليات الوصول، حيث رأى الأستاذ الإمام محمد عبده ومن معه من خارج الأزهر الشريف أنه لا سبيل للدفاع عن العقيدة سوى بالتجديد.

وقال البشري: المعركة غير المبررة بين الطرفين وقفت دون تحقيق تجديد حقيقي في هذه الآونة بسبب تبعثر القوى وعدم قدرتها على التنظيم .

وأوضح أن الشيء نفسه حصل مع الحركات الإسلامية ونظيرتها الوطنية، وذلك حين شهد القرن العشرون ظهور العلماني الوطني صاحب المشروع، بعد أن كانت كل الحركات الوطنية تخرج من العباءة الإسلامية مثل الحركات التي قادها: جمال الدين الأفغاني، وعمر المختار، وعبد الكريم الخطابي وغيرهم.

وبناء على كل ما سبق ختم البشري محاضرته بالتأكيد على أن "مشكلتنا الحقيقية التي يعاني منها واقعنا الآن لا تكمن أبدًا في ضعف الأفكار، وإنما تكمن في ضعف التنظيم السياسي، وعلينا أن نواجهها بما يملك أصحاب القدرة على الحركة والتحريك، من إمكانيات القيام بها.."

أحمد الكاتب .. شيعي لا ينتظر المهدي

أحمد الكاتب .. شيعي لا ينتظر المهدي

حمدي الطحاوي

أحمد الكاتب.. مفكر محسوب على التيار السلفي الشيعي المتشدد، لكنه بعد سنوات طويلة من حياته قضاها كطالب علم، وكجندي مخلص يتبع مرجعية وتيار السيد محمد حسن الشيرازي بكربلاء توقف بعد نجاح الثورة في إيران، حالما أن ينقل التجربة لوطنه العراق، ومتأملا الإمام الخميني وهو يحكم إيران مرتكزا علي نظرية ولاية الفقيه بوصفه نائبا عن الإمام الغائب الذي ينتظره الشيعة منذ أكثر من ألف عام، ومفكرا في النظرية وهي تتجسد على أرض الواقع، خصوصا حينما أكد الإمام الخميني على أن ولاية الفقيه مطلقة.. تعلو الشعب ومجلس الشورى ورئيس الجمهورية!.

حينها عمد أحمد الكاتب إلى دراسة نظرية الإمامة، ونظرية المهدي المنتظر أو الإمام الثاني عشر فاكتشف بعد دراسته لأكثر من 1000 عام من تاريخ وتراث وفقه الشيعة القديم أن تلك النظريات باطلة، وغير حقيقية مما أحدث زلزالا في نفسه، وفي كل من أطلعه على نتيجة بحثه، ونصحه معلموه أن يتجنب الخوض في تلك الأمور لكنه أبى إلا أن يقول الحقيقة، وينشرها رغم تهديده واتهامه بالمروق والردة والعمالة مصرا على موقفه، مطالبا معارضيه ومنتقديه أن يسوقوا الأدلة، والحجج التي تنفي ما توصل إليه لكنهم لم يقدموا دليلا علميا واحدا ضد بحثه.


والحقيقة المؤكدة أن ما توصل إليه الكاتب يعد جهدا معرفيا يسهم في رتق الهوة بين السنة والشيعة، وإن كانت المسألة السنية / الشيعية أعقد من بحث أو كتاب أو نتيجة.

ومن ضمن أفكار أحمد الكاتب المهمة تقريره لولاية الأمة بدلا من ولاية الفقيه، وهي فكرة تفتح آفاقا لتقريب اللغة الشرعية والفقهية والالتقاء بين المسلمين جميعا، وكان طرحه هو الأجرأ بين المفكرين الشيعة.

وحين ينفي الكاتب نظرية الإمامة الإثنا عشرية ونظرية ولاية الفقيه ونظرية التقية والانتظار القائمة أساسا على نظرية الإمامة فإنه بلا شك يصطدم مع ثوابت ومرجعيات، وقيادات تاريخية، وتهدم نظريات قامت على أسسها أيديولوجيات سياسية واجتماعية، بل ودولة مهمة ترتكز أركانها ومواثيقها ومحددات أمنها القومي على تلك الفكرة، بخلاف أفكار سادت مخيلة كثير من الشيعة لأكثر من 1000 عام.

هذه الأفكار ليس من السهل قبولها في هذا المناخ الشيعي، ولن يقر بها مراجع الشيعة الكبار؛ لأنها تهدد مكانتهم وتحد من نفوذهم التاريخي لكن ما نادى به الكاتب يصب في الاتجاه الصحيح لحركة الإسلام السياسي المعاصر، ويخدم في المقام الأول رغبة عامة المسلمين الطامحين للتخلص من كل الخرافات والأباطيل المتوارثة بشكل تراكمي معوق لتحرر ووحدة أبناء الدين الواحد.

النشأة والتشكل الوجداني

ولد أحمد الكاتب في مدينة كربلاء التاريخية بالعراق عام ( 1953م) واسمه الحقيقي عبد الرسول عبد الزهرة عبد الأمير بن الحاج حبيب الأسدي، أما اسم أحمد الكاتب فكان الاسم الحركي له أثناء عمله في منظمة العمل الإسلامي المناهضة لنظام صدام حسين!.

ومدينة كربلاء بشكل عام تعيش وتقتات على هذه المناسبات الدينية؛ حيث ينشط التجار في بيع ما يلزم للزائرين، وجَد أحمد الكاتب كان يصنع ويبيع المسابح والترب الحسينية التي تصنع من تراب كربلاء، ويسجد عليها الشيعة في صلاتهم.

كما تنشط في المدينة حلقات العلم، والدروس الدينية ويتبارى فيها الخطباء، والمنشدون في بكائيات طويلة لرثاء آل البيت، وما ألم بهم من محن وخطوب ويتطلع الشيعة بشكل عام للإمام الغائب الذي سيعود ليملأ الأرض عدلا بعد أن مُلئت ظلما وجورا.

في هذا الجو نشأ أحمد الكاتب ورباه والداه ليكون جنديا في جيش المهدي المنتظر، فسار على هذا النهج والتحق بكتاب الشيخ عبد الكريم وهو كتاب صغير كان يشغل زاوية بصحن مسجد العباس بكربلاء؛ حيث أكمل فيه حفظ القرآن الكريم، ثم انتقل للمدرسة الدينية، وهي أشبة بحوزة صغيرة تلقي فيها العلوم الدينية، وحين بلغ سن الـ 13 أشار عليه معلمه الأول الشيخ الشيرازي أن يرتدي العمامة، وزي رجال الدين، وكان والداه أكثر الناس سعادة بذلك؛ لأن ولدهما سار على الطريق الذي ينشدانه.

وكان الكاتب يؤمن أن المذهب الشيعي الإمامي الإثنا عشري هو المذهب الحق، وأنه يمثل الإسلام الصحيح، ويقول عن ذلك: كنت أنظر نظرة خاصة تحمل شيئا من التعجب والغضب إلى جار لنا من أهل عين التمر ينتمي إلى الطائفة السنية، وأتساءل: لماذا يصر، ويعاند، ولا يقبل مذهب أهل البيت؟!.

هكذا كانت قناعات الكاتب وكان إيمانه المطلق، وإلى هذا الوقت، وفي هذا الجو عاش أحمد الكاتب حتى استولى البعث على الحكم، وبدأ بالتضييق على أنشطة وفعاليات المراجع الشيعية، سواء الشيرازي بكربلاء، أو باقر الحكيم بالنجف، إلى أن تحول التضييق إلى صدام وترحيل، واعتقال.

وقد ألف الكاتب كتابا عن الإمام الحسين تحت عنوان: (الحسين كفاح في سبيل العدل والحرية)، حاول فيه أن يقدم قراءة جديدة مغايرة لما كان متعارفا عليه بين الأوساط الدينية الشعبية من أن الحسين قتل مظلوما فقط، وأن الله قدر له أن يُقتل في كربلاء.

قراءة الكاتب كانت تركز بالأساس على الجوانب الثورية والكفاح المسلح والانتصار لمبادئ العدل والحرية، وفي عام (1971) ألف كتابه الثاني (تجربتان في المقاومة) الذي تحدث فيه عن ثورة التنباك في إيران وثورة العشرين في العراق، ودور المراجع والعلماء في قيادة الثورة.

وبعد فترة من سجن الشيرازي رحل إلى الكويت، ولحق به تلميذه أحمد الكاتب عام (1973) وهو يحمل مرارة كبيرة للنظام الحاكم الذي تبنى النهج العلماني الاشتراكي المناهض للدين وللعلماء، وألف الكاتب في تلك الفترة أيضا كتاب الإمام الصادق معلم الإنسان، وكتاب عشرة ناقص واحد يساوي صفر، وهو كتاب يتحدث فيه عن ركن الإمامة الذي لو نقص لا يصح الإيمان، ويصبح صفرا.

مبشر شيعي

بدأ الكاتب في الكويت فترة جديدة من العمل كمبشر للمذهب الشيعي، وانتقل إلى سوريا، والسودان، ولبنان؛ حيث تزوج من الجنوب عام (1977)، وحكم عليه بالإعدام غيابيا في العراق مع شيخه الشيرازي لتنظيمهم لحركة سياسية معارضة، ولإصدارهما دورية "عراق الغد" المناهضة للنظام البعثي.

ومع اندلاع الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني سافر الكاتب إلى إيران من لبنان في أول طائرة تهبط مطار طهران بعد الثورة، وانبهر الكاتب بالنظام الذي حلم به طوال حياته، ورأى الولي الفقيه يتولى سدة الحكم بعد غيبة أشبة بغيبة الإمام المنتظر، وتمنى لو يحدث ذلك في وطنه العراق، فتبنى مع مجموعة من رفاقه توجيه رسائل ثورية للشعب العراقي عبر أثير الإذاعة من طهران، مما زاد من توتر وتوجس النظام العراقي من الثورة الإيرانية.

وفي عام (1982) ألف أحمد الكاتب كتاب "تجربة الثورة الإسلامية في العراق" الذي حاول فيه انتقاد الحركة الإسلامية العراقية والمرجعية الدينية، خصوصا تجربة السيد الشيرازي السلمية، متأثرا بتجربة الإمام الخميني الحركية الفاعلة.

في تلك الأثناء كانت الحرب العراقية الإيرانية بدأت تأخذ طابعا عبثيا، ودمويا رهيبا، وأخذ السيد الشيرازي يدعو إلى إيقافها ويقول: إنها تسير في طريق مسدود، ويدعو أتباعه للخروج من إيران، وهنا فضل الكاتب التوجه نحو إكمال دراساته الحوزوية التي أهملها منذ خروجه من العراق.

وفي عام (1985) دعاه السيد المدرسي إلى التدريس في (حوزة الإمام القائم) التي كان يشرف عليها وتضم طلبة من السعودية والخليج وبعض العراقيين والأفغان وغيرهم، وتقع على مشارف طهران الشرقية في منطقة تسمى (مامازند)، وكانت أشبه بمدرسة كوادر حركية منها بحوزة علمية؛ حيث كان الطلبة يجمعون بين الدراسة الفقهية والإسلامية، وبين العمل التنظيمي، والقيام بمهمات حركية مختلفة.

التطور الفكري والمراجعة

كانت تلك الفترة من أهم الفترات في حياة الكاتب؛ حيث بدأ التأمل والمراقبة لنظام ولاية الفقيه في إيران، معتقدا أنه النظام الأمثل للتطبيق في العراق بعد إقصاء صدام حسين، إلى أن حدثت واقعة غربية كانت بداية التحول في فكر أحمد الكاتب.

ففي سنة (1988) حدثت أزمة في إيران بين مجلس الشورى ووزارة العمل، وبين مجلس صيانة الدستور، حول قانون العمل الذي قدمته الحكومة وأقره مجلس الشورى ثمان مرات خلال ثمان سنوات، وعارضه مجلس صيانة الدستور، الذي وجد فيه مخالفة لبعض القوانين الإسلامية.

وهنا استعان وزير العمل بالإمام الخميني وطلب منه دعم القانون، خوفا من تحول العمال إلى الشيوعية والمعارضة اليسارية، فأجاز له الإمام العمل بالقانون قبل أن يأخذ صيغته القانونية النهائية، وعندها اعترض رئيس الجمهورية علي خامنئي وأعضاء في مجلس صيانة الدستور، فألقى الإمام الخميني خطابا مهما جدا شرح فيه نظرية (ولاية الفقيه المطلقة) وقال: "إن ولايته شعبة من ولاية الله والرسول والأئمة المعصومين، وإن له الحق بتجاوز القانون، وبمخالفة أية اتفاقية شرعية يعقدها مع الشعب إذا رأى بعد ذلك بأنها مخالفة لمصالح البلاد أو مخالفة للإسلام".

بعد تلك الحادثة التي تكرس لسلطات مطلقة للفقيه عكف أحمد الكاتب على القيام بدراسة اجتهادية دقيقة لموضوع ولاية الفقيه من مصادرها الأصولية والفقهية القديمة، فقام بدراسة وتحليل أكثر من مائة موسوعة فقهية شيعية تغطي فترة (الغيبة الكبرى) أي ألف عام من تاريخ الفقه الجعفري الإمامي الإثنا عشري، فوجد أغلبها يرتكز على نظريتين متميزتين:

الأولى: نظرية التقية والانتظار للإمام المهدي المنتظر الغائب.

والثانية: نظرية ولاية الفقيه.

ووجد أن هذه النظرية تطورت منذ حوالي مائتي عام، على أساس نظرية (نيابة الفقهاء عن الإمام المهدي) ثم تطورت إلى أن أصبحت تشمل قضايا سياسية قريبة من الدولة، كإعطاء الفقهاء الإجازة للملوك للحكم نيابة عنهم، باعتبارهم مصدر الشرعية الدستورية في عصر الغيبة؛ لأنهم نواب الإمام المهدي.. وأول من طبق هذه النظرية كان المحقق الشيخ علي عبد العالي الكركي (868 هـ ـ 940 هـ) عندما منح الشاه الصفوي (طهماسب) الإجازة للحكم باسمه.

أما قبل ذلك التاريخ فقد كانت تخيم على الشيعة نظرية التقية والانتظار، التي كانت تحرم إقامة الدولة في عصر الغيبة إلا عند ظهور الإمام المهدي، وذلك تبعا لنظرية الإمامة الإلهية التي كانت تشترط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام.

ومن هنا وجد تناقض كبير بين النظريتين، وأن النظرية الثانية (ولاية الفقيه) تعتبر انقلابا على نظرية التقية والانتظار، خلافا لما كان يعتقد حتى ذلك الوقت من أن نظرية ولاية الفقيه (أو المرجعية الدينية) هي امتداد لنظرية الإمامة، وقد أوصى بها الإمام المهدي لدى غيبته كنظام سياسي للشيعة في ظل (الغيبة الكبرى).

وتساءل الكاتب إذا كان ذلك صحيحا فلماذا لم يعرفه جميع علماء الشيعة الأقدمون الذين كانوا يلتزمون بنظرية التقية والانتظار؟

ولإكمال الصورة كان عليه أن يبحث فترة (الغيبة الصغرى) التي امتدت حوالي سبعين عاما بعد وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هـ، والتي يقال إن ولده (محمد المهدي المنتظر) كان يتصل فيها بمجموعة وكلاء أو نواب خاصين، إلى أن انقطعت النيابة الخاصة بوفاة النائب الرابع محمد بن علي الصيمري سنة 329 هـ، وذلك ليرى ما هي النظرية السياسية التي كان يلتزم بها أولئك "النواب الخاصون"؟.

وهذا ما جره إلى بحث موضوع فترة الغيبة الصغرى، وهناك بدأ يتعرف لأول مرة على مسألة وجود الإمام محمد بن الحسن العسكري، وما كان يلفها من غموض وتساؤلات!!.

وبالرغم من كونه نشأ في بيئة دينية شيعية ودرس في الحوزة حتى الدراسات العليا، وانخرط في حركة سياسية تعمل من أجل تطبيق نظرية سياسية تقوم على فكرة وجود (الإمام المهدي)، وكتب حوالي خمسة عشر كتابا حول أئمة أهل البيت والفكر الشيعي الإمامي، وقام بالدعوة لهذا الفكر وأسس حركة شيعية في السودان.. برغم كل ذلك إلا أنه لم يكن قد سمع بوجود عدة نظريات شيعية أو اختلاف داخلي حول وجود أو عدم وجود ذلك (الإمام الثاني عشر) الذي كان يعتبره حقيقة لا يعتريها الشك، وبديهة عاش عليها وانتظر قدومها في أية لحظة.

يقول أحمد الكاتب: إن الخطيب السيد محمد كاظم القزويني كان يبشر سنة 1398 هـ وهو في كربلاء بأن موعد ظهور الإمام المهدي قد اقترب، وأنه سيحل بعد 12 عاما فقط، ويلوح لنا بيديه مؤكدا ذلك، ولذلك فقد استقبلت نبأ قيام (المهدي المنتظر) في مكة سنة 1400 هـ بالترحاب، وتوقعت أن يكون هو ذلك الإمام، الذي تبين فيما بعد أنه (محمد بن عبد الله القحطاني) رفيق (جهيمان العتيبي) الذي اقتحم الحرم المكي في ذلك الوقت وأعدمته السلطات السعودية مع واحد وستين من أتباعه.

ثم يقول الكاتب: وكانت صدمتي الكبرى عندما وجدت مشايخ الفرقة الإثنا عشرية كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والنعماني والطوسي، يصرحون ويلوحون بعدم وجود دليل علمي تاريخي لديهم على وجود وولادة (ابن) للإمام الحسن العسكري، وأنهم مضطرون لافتراض وجود ولد له لكي ينقذوا نظرية (الإمامة الإلهية) من الانهيار!!، ويقولون: نحن بالخيار بين الإيمان بذلك الولد المفترض، وبين رفض نظرية الإمامة، فإذا كانت نظرية الإمامة صحيحة وقوية وثابتة علينا أن نسلم بوجود ولد في السر، حتى لو لم توجد عليه أدلة شرعية كافية، وإذا لم نقتنع بوجود ذلك الولد فعلينا التراجع عن نظرية الإمامة، وهذا أمر غير ممكن، فإذن علينا التسليم والقبول بوجود ولد في السر سوف يظهر في المستقبل، وأنه المهدي المنتظر.

فوجد الكاتب نفسه أمام تحد داخلي رهيب، فإما أن تكون نظرية الإمامة صحيحة أو لا تكون، ولأنه لم يعد مقتنعا بوجود (الإمام الثاني عشر) فقد كان لزاما عليه أن يبحث موضوع الإمامة لكي يتأكد من صحته، وترك موضوع الإمام المهدي جانبا، وراح يبحث فيما يتعلق بموضوع الإمامة من مصادر وكتب الشيعة القديمة.

نتائج خطيرة

وهنا كانت المفاجأة الكبرى للكاتب، فقد اكتشف أن نظرية (الإمامة الإلهية) الطافية على سطح التاريخ، والفكر السياسي الشيعي ما هي إلا من صنع (المتكلمين)، ولا علاقة لها بأهل البيت، وذلك لأنها تتعارض مع أقوالهم وسيرتهم، ولا يمكن تفسيرها إلا تحت ستار (التقية) التي كان يقول بها (الباطنيون) الذين كانوا ينسبون إلى أئمة أهل البيت ما يشاءون من نظريات وأقوال تتنافى مع مواقفهم الرسمية، بحجة الخوف من الحكام ومن إبداء رأيهم بصراحة.

ووجد أن نظرية أهل البيت السياسية ترتكز على مبدأ (الشورى) في حين أن (الإمامة الإلهية) تقوم على تأويلات تعسفية للقرآن الكريم، وعلى أحاديث مشكوك بصحتها، وأنها لا تمتلك أي سند تاريخي؛ حيث كان أئمة أهل البيت يرفضون النص على أحد من أبنائهم أو الوصية إليه بالإمامة، ولذلك قال (المتكلمون الباطنيون) بأن الإمامة تقوم على علم الأئمة بالغيب وعمل المعجزات، وهذا ما يصعب إثباته في التاريخ الشيعي، وما كان يرفضه أهل البيت أنفسهم، فضلا عن العقل والشرع.

إضافة إلى تعرض نظرية الإمامة التي كان يقول بها فريق صغير باطني من الشيعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين إلى امتحانات عسيرة تتعلق بمسألة عمر الأئمة الصغير، مثل الإمام الجواد والإمام الهادي والإمام الثاني عشر المفترض؛ حيث كان كل واحد منهم لا يتجاوز السابعة من العمر.

وأدرك أحمد الكاتب عندها أن نظرية الإمامة المفتعلة والمنسوبة إلى أهل البيت قد وصلت إلى طريق مسدود بوفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري دون أن يُنجب، وأن بعض أعوانه الانتهازيين ادعوا وجود ولد له في السر من أجل إنقاذ نظريتهم الباطلة من الأساس، وهكذا أسسوا الفرقة (الإثنا عشرية) في غيبة من وجود أحد من أئمة أهل البيت.

جرأة وإصرار

يقول أحمد الكاتب: نظرت إلى نتائج بحثي من زاويتين:

الأولى: هي زوال الخلافات التاريخية العقيمة بين الشيعة والسنة عن "أحقية" أهل البيت بالخلافة بالنص من الله تعالى، و"اغتصاب" الآخرين لها، وإعادة توحيد الأمة الإسلامية.

والثانية: هي الموقف من نظرية ولاية الفقيه والمرجعية الدينية، والنيابة العامة للفقهاء في عصر الغيبة، والعودة إلى الشورى، وحق الأمة في اختيار الحكام، وتحديد صلاحياته، وكان التوصل إلى هذين الموضوعين يشكل نقطة تحول جذرية في حياتي ومسيرتي وعلاقاتي.

والحقيقة المؤكدة أن أحمد الكاتب قدم نموذجا رائعا للباحثين والمفكرين بانحيازه للحقيقة، ونشره لبحثه عام (1997) وعدم خوفه أو انزوائه من بطش معارضيه الأشداء، بل عمد إلى مواجهتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ودعاهم للحوار العلمي البناء.

وإذا كان الإمام الخميني قد أسقط نظرية التقية والانتظار، رافضا أن تُعطل أحكام الإسلام حتى عودة الإمام الغائب، مما كرس لقيام الثورة تحت لواء ولاية الفقيه، فإن أحمد الكاتب قد أسقط نظرية الأئمة الإثنا عشر، ونظرية ولاية الفقيه، مما يكرس لقيام نظام ديمقراطي إسلامي حر يصلح لأن ينضوي تحت لوائه كل مسلم، بغض النظر عن انتمائه المذهبي.

كما أنه يكرس أيضا لنظام ولاية الأمة القائم علي التعددية والشورى، والباحث عن أمن وسلامة وحرية وتقدم ورفاهية الإنسان، بغض النظر عن دينه وعرقه ولغته وجنسه ومذهبه.

فهل ينصف التاريخ أحمد الكاتب، ويؤكد أنه كان مخلصا، وأمينا ومتطلعا لمستقبل أفضل لأمته الإسلامية؟.. ونظرة واحدة للمشهد الإيراني اليوم تؤكد أن إرهاصات مشروع أحمد الكاتب بدت واضحة جلية، تسير على قدمين في شوارع طهران.

نحو حداثة إنسانية جديدة (كتاب)ـ

نحو حداثة إنسانية جديدة (كتاب)


عرض: عبد الرافع محمد

"نحو حداثة إنسانية جديدة" هو مجموعة مقالات المفكر العربي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري التي نشرت في الجزيرة نت بين 13 أكتوبر/تشرين الأول 2004 و3 يوليو/ تموز 2008 حيث أرسل المسيري آخر مقالاته للجزيرة نت قبل وفاته بساعات.

والكتاب -الذي تقدمه الجزيرة نت للمكتبة العربية- يصنف المقالات تصنيفا موضوعيا منهجيا، فيضع كل مجموعة منها تحت عنوان يحيل إلى مقولة للمسيري ورؤية من رؤاه ومقولاته التي عاش لاستكناهها من تأملاته وفلسفته وثقافته الموسوعية وتذوقه لجماليات الحياة والإنسان.

وتقدم رؤية المسيري ونموذجه المعرفي في هذا الكتاب في خمسة فصول:


* في الحداثة

* حضارة الهامبورغر

* نهاية إسرائيل

* عن الإنسان والقيمة والهوية

* الإسلام والمجاز.

وينتظم كل فصل مجموعة من المقالات تعد سباحة هادئة وترحالا ممتعا في رؤية المسيري في موضوعها، بحيث يستوفي القارئ فكرة متكاملة من أهم أفكار المسيري في قراءته للفصل.

ويجمع عناوين الفصول الخمسة رابط يحيل إلى مشروع المسيري الفكري، فقد نقد المسيري الأمركة والحداثة، ونقد الصهيونية باعتبارها من تجليات الإمبريالية الأميركية، ثم باعتبارها استغلت مفردات الحداثة وإجراءاتها لتمرير مشروعها في الاستيلاء والاستعلاء، وهو يدافع عن الإنسان وقيمه وقيمة المعنى في حياته، كما يقدم رؤيته الإسلامية نموذجا إنسانيا معرفيا وتطبيقيا بحياد العالم الإنسان غير المتحيز.

لم يهمل الدكتور عبد الوهاب المسيري دور المثقف في البيان وتوضيح رؤيته الفكرية سهلة يسيرة لجماهير الناس، وهكذا كانت إطلالته على شاشة الجزيرة ومقالاته في موقعها الجزيرة نت -وقد أرفقت أسطوانة مدمجة بالكتاب تشتمل على كل ذلك-.

فليس الكتاب مجرد تجميع لمقالات، وإنما هو مشروع وموجز مفسر لرؤية المسيري المعرفية في أبرز الموضوعات التي شغلته طيلة حياته، وهذه المقالات -كما تقول الدكتور هبة رؤوف عزت تلميذته النجيبة- "انعكاس لسيرته الذاتية والمعرفية"، وهكذا يبرز دور المثقف العضوي لدى المسيري بتنظيم كتاباته وظهوره الإعلامي ودمجه في مشروعه الثقافي.

في الفصل الأول يرى الدكتور المسيري أن الحداثة ليست رؤية ثابتة بل هي متتالية لها تاريخ وتمر بمراحل، ويحيل للعام 1965 أو منتصف الستينيات نقلة بين تصورين للحداثة، ففلسفة المنفعة المتبادلة حيث كان الهدف قبل هذه النقلة هو الإنتاج والزيادة المطردة في الإنتاج، الإنسان واجبه الإنتاج ومكافأته الاستهلاك في صورة المعقول، العلاقة بين المنتج والمستهلك هي المنفعة المادية، المستهلك يبحث عن السلعة الضرورية التي تنفعه والمنتج يبحث عما ينفع المستهلك ويحتاجه فينتجه.

بعد منتصف الستينيات أصبح الهدف النهائي هو الاستهلاك لا الإنتاج، وما يحرك المستهلك هو اللذة لا المنفعة، ولم يعد هدف المجتمع إشباع الحاجات وإنما تخليقها، وتغول قطاع صناعات اللذة وتزايد تأثير وسائل الإعلام ومنظومات المعلومات التي تحاصر الإنسان بالصور الجذابة الخالية من المعنى والمضمون تقريبا تكاد تشير إلى ذاتها.

الحداثة الغربية ليست مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، وإنما استخدامها خارج أي نطاق إنساني أو أخلاقي، والحديث هنا عن الطبيعة البشرية هو سقوط في الميتافيزيقا وتحد لمفهوم الانفصال عن القيمة.

القيمة المطلقة هي القوة، وصاحب القوة قادر على حسم كل الخلافات والصراعات لحسابه، وهذا أدى إلى أن الحداثة الغربية أصبحت هي الحداثة الداروينية. والبراغماتية هي صورة من صور الداروينية ويمكن أن نسميها "داروينية الضعفاء والمهزومين"، حيث ينحصر دورهم في تقبل سياسة الأمر الواقع والتكيف مع الهزيمة، وهو ما تطلبه إسرائيل من العرب.

أما حركات التحرر من الاستعمار فقد حاولت التصدي للنموذج المعرفي والحضاري الغربي، ورغم نجاحها تبنت كثيرا من مقولات المنظومة الحضارية الغربية، مثل أن الغرب هو قمة التحضر واللحاق به هو حل لكل مشكلاتنا وإشكالياتنا والتقدم هو الإنتاج والاستهلاك، والمواطنة هي الولاء الكامل للدولة التي تديرها نخبة صغيرة يقودها زعيم أو حزب واحد.

يتناول المسيري الأشياء الصغيرة التي يتعاطى الناس معها بعفوية ولكنها تمثل صورة من صور التشيؤ والفصل بين الإنسان والقيمة، حتى يستحيل الإنسان وظيفيا متكيفا أو شيئا لا توجد في حياته خصوصية ولا أسرار، وكل هذا له مظاهر في الملابس والغذاء والرياضة.

فالجينز بالمساحة الإعلانية التي عليه وبرفضه لفكرة التنوع الزماني والمكاني وبإعلاء الماركة على القيمة هو انعدام للهوية، و"التي شيرت" قطعة قماش بسيطة حيكت في بساطة بالغة لا تختلف فيها دمنهور (مسقط رأس الكاتب) عن فلوريدا أو جبال الألب، ولكنها رقعة للإعلان عن الكوكاكولا أو مكان زاره لابسها أو بعض معتقداته أو أنه يحب السباحة أو يشجع النادي الأهلي.

وموسيقى الديسكو لها إيقاع أحادي لا توجد فيها تنوعات ولا ترتبط بأي شكل حضاري ولا توجد فروق في الفيديو كليب بين الأميركي منه والهندي والمصري إلا في تصاعد معدلات الإباحية، وساندويتش الهامبورغر في الصين هو هو في فرنسا أو اليونان أو مصر، ويتناوله الإنسان بمفرده ويأكله وهو سائر أو مع عمله دون أي حميمية، وقد هيمن على الإنسان حتى أصبحت أقواس ماكدونالد أكثر عددا من صلبان الكنائس.

ويتناول المسيري النموذج الأميركي يفكك ويحلل وينتقد، ففي المجتمع الأميركي تطمس معالم الهوية وتدمج في علمانية واحدة، يقفز المهاجرون في بوتقة الصهر في أسطورة علمانية سائدة تتحدى الخصوصية الدينية ولا تؤمن كثيرا بالتعدد.

ومن خلال نظريته عن الخريطة الإدراكية يتناول المسيري رؤية الأميركيين للقضية الفلسطينية، فعندما تعرض الخرائط هناك وتصور الجدار العازل وبيوت الفلسطينيين المهدمة والمستوطنات يكون رد الفعل هو الاتهام بالمعاداة للسامية أو ما وراء المعاداة للسامية "beyond anti-Semitic"، وهناك نداءات بعدم العودة للتاريخ وتناسي وعد بلفور وأساليب مراوغة صهيونية كثيرة.

في 17 أغسطس/آب 2006 أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان نشرت صحيفة معاريف مقالا للصحفي يونتان شيم بعنوان "أسست تل أبيب في العام 1909 وفي العام 2009 ستصبح أنقاضا"، ويستعرض الدكتور المسيري كثيرا من توقعات الفناء والنهاية عند الإسرائيليين سياسيين وشعراء وروائيين ومن عامة الناس. والسؤال "لماذا هاجس النهاية يطارد الإسرائيليين؟".

الصهاينة يدركون أن ممالكهم إلى خراب مثل خرائب قلاع الفرنجة في هذه المنطقة، لأن الوجدان الغربي والصهيوني يربط بين المشروع الصليبي والمشروع الصهيوني، والعلماء الإسرائيليون يدرسون المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان الفرنجي، حتى السياسيون كإسحق رابين يقرنون بين الاثنين، ويخلص إلى مقولة المثقف الإسرائيلي شلومو رايخ بأن "إسرائيل تركض من نصر إلى نصر حتى تصل إلى نهايتها المحتومة".

ويعرض الدكتور المسيري مشاهد من هواجس النهاية من خلال قراءته للنكتة السائرة في المجتمع الإسرائيلي ودلالاتها في مقال بعنوان "الدولة الصهيونية بين المأساة والملهاة".

يرى الدكتور المسيري أنه كي نتناول التفسيرات الحرفية للقرآن علينا أن نتوجه لقضية المجاز، فالنصوص المقدسة نصوص مجازية توليدية، والفرق بينها وبين النصوص العلمانية هو الفرق بين الشعر الذي يتعامل مع ظاهرة الإنسان والمعادلة الجبرية التي تتعامل مع عالم الأرقام.

ويقوم المجاز بتحرير النص القرآني من فضائه الزماني والمكاني، فتصبح الآية ذات دلالة إنسانية عالمية تتجاوز المناسبة المباشرة، أما ما يحدث للنص القرآني في الإطار الحلولي فهو أن تلغى المسافة بين النص القرآني والواقع فيتطابق مع الواقع وبالتالي لا مجال للتجاوز والمجاز، وتظهر التفسيرات الحرفية، ولذا يرى المسيري أن الهجوم على لغة المجاز هو هجوم على فكرة الإله المفارق للعالم.

يستطيع القارئ أن يتنقل في هذا الكتاب بين أفكار المسيري ليجد ملخصا وافيا مرتبا ترتيبا منهجيا في لغة سهلة للقارئ غير المتخصص لمسيرة فكرية حافلة بالإنجازات النظرية والتطبيقية والعملية، ليدخل إلى عالم المسيري ورؤاه وقيمه ونماذجه وتطلعاته لقومه والعالم والإنسان.

قدم للكتاب عدد ممن ارتبطوا بالمسيري الإنسان والمثقف والأستاذ والمناضل السياسي، وهم المدير العام لشبكة الجزيرة الفضائية وضاح خنفر، والمفكر العربي الدكتور عزمي بشارة، وأرملة المسيري الدكتورة هدى حجازي، وجورج إسحق المنسق العام الأول لحركة كفاية، وأستاذ الأدب المقارن بجامعة نيويورك فرانسيس باز، والدكتور هبة رؤوف عزت وهي تلميذة مقربة للمسيري.

حول التصعيد السعودي الإيراني ونكهته المذهبية

حول التصعيد السعودي الإيراني ونكهته المذهبية

ياسر الزعاتره

تنذر المناكفات والتصريحات التي تم تبادلها مؤخرا بين الطرفين الإيراني والسعودي بمرحلة جديدة من التأزم المعلن، مع العلم أن علاقة الطرفين لم تكن على ما يرام طوال السنوات الماضية، وتبدو تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي لقادة بعثة الحج قبل أسابيع تعبيرا عن ذلك التصعيد، إذ لم تُشر إلى نوايا حث الحجاج الإيرانيين على التظاهر أثناء موسم الحج فقط، الأمر الذي يثير حساسية بالغة لدى القيادة السعودية، بل تجاوزها إلى انتقادات لمواقف سعودية سابقة تتعلق بالتعامل مع الزوار الشيعة للبقيع في المدينة المنورة، فضلا عن إشارة إلى دور سعودي في التفجيرات التي تطال الشيعة في العراق وباكستان. ثم جاءت تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد المشابهة ومن ثم تصريحات أحمد الخميني لتزيد الوضع تأزما.

الأكيد أن تصريحات المرشد المشار إليها لم تكن زلة لسان عابرة، فضلا عن التصريحات اللاحقة، بل كانت تتويجا للحرب الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الإيرانية على نحو غير مسبوق ضد السعودية منذ شهور (وقف بث قناة العالم على نايل سات وعرب سات كان ردا عربيا على ذلك)، ورسالتها الواضحة (أعني الحرب الإعلامية) هي أن صبر إيران قد نفد، وأن استمرار "التحريض المذهبي" من طرف السعودية لن يكون مقبولا بحال، وسيرد عليه بما هو مناسب، فضلا عما يُعتقد أنه تحريض للولايات المتحدة على التشدد في التعامل مع إيران وملفها النووي.


نعلم أننا بهذه المعالجة ندخل عش الدبابير، لكننا ندعو الله أن تكون نصيحة مخلصة للإسلام والمسلمين، آملين أن لا يبادر البعض إلى صبّ المزيد من الزيت على نار الأزمة، لاسيما بعد أن دخلت منعطفا جديدا في ظل ما يجري من تصعيد في اليمن بين الدولة والحوثيين، والذي دخلت السعودية على خطه بوضوح، وبالطبع بعد أن سبقهم الإيرانيون إلى ذلك، بصرف النظر عن الجذور المحلية للحرب.

والحال أننا إزاء معادلة بالغة التعقيد في هذه الآونة، فمن زاوية تبدو العلاقات السعودية مع سوريا، حليفة طهران في المنطقة في طور التحسن (يرى البعض أن الحرص السعودي على تحسينها هو جزء من إبعاد دمشق عن المحور الإيراني)، وعلى صعيد آخر تبدو المسألة النووية الإيرانية قد دخلت منعطفا آخر في ظل اعتراف أميركي غربي بعدم إمكانية شطب المشروع النووي برمته، وبالتالي البحث عن آفاق للتفاهم قد تتضمن، وإن استبعدنا ذلك، التوصل إلى صفقات سياسية مع طهران تتصل بالوضع العراقي، وربما الأفغاني، واللذان يشكلان نقطة استنزاف بالغة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، في حين تدرك واشنطن أن بوسع طهران أن تفعل الكثير في هذا السياق، وكم من مرة اعتبر مسؤولون إيرانيون أن الجنود الأميركان في العراق وأفغانستان هم أشبه برهائن لدى إيران.

كل ذلك يشير إلى أن الحملة الإيرانية الجديدة ضد السعودية هي تعبير عن شعور زائد بالقوة، وذلك رغم الجراح التي نتجت عن تجربة الانتخابات الرئاسية، وما ترتب عليها من قدر من الانقسام الداخلي يصعب إنكاره، كما يصعب التكهن بتداعياته، فضلا عن تعبيرها (أعني الحملة الإيرانية) عن عدم القدرة على احتمال ما يصنف على أنه استخفاف سعودي بالجارة الإقليمية الكبيرة.

ليس من العسير القول إن الجانب الأكثر إثارة بالنسبة لطهران في السلوك السعودي هو استخدام التحريض المذهبي في السياق السياسي، فضلا عما يترتب عليه برأيها من أعمال عنف ضد رعاياها وضد الشيعة في أكثر من مكان (تفجيرات الداخل هي الأكثر أهمية، لاسيما خلال المرحلة الأخيرة التي تصاعدت فيها على نحو لافت)، وهنا ترى طهران أن السعودية لا تفعل الكثير على صعيد لجم الخطاب المذهبي المنطلق من بعض دوائرها المحلية، فضلا عن الدوائر التابعة لها في أكثر من بلد عربي، وقصة "الرافضة" التي تترد في الإعلام الممول أو الموجّه سعوديا هي عنوان التحريض، لكن الوجه الآخر لهذه الصورة لا زال يشير إلى أن فضائيات الطرف الآخر لا تقصر بدورها في ضخ الخطاب المذهبي، بل إنها (ليس كلها بالطبع) في كثير من برامجها باتت تعبر عن شعور طاغ بالقوة لا يرى بأسا في تكرار المقولات التي تستفز السنّة بشكل كبير، بخاصة ما يتصل بملف الصحابة رضوان الله عليهم.

أما الذي لا يقل أهمية فيتمثل في عدم ضبط إيران لجهات تعمل على التبشير بالمذهب بطريقة مستفزة (ينسب هذا الأمر للشيرازيين)، وإن كنا نرى في الأمر مبالغة من جهة، وإساءة للسنّة من جهة أخرى، وبالطبع لأن مذهبهم ليس هشا لكي يُحرف الناس عنه بسهولة، والثاني أن حالات التشيع لا تكاد تذكر، تقابلها حالات تسنن من الطرف الآخر (لو كان التشييع سهلا لنجح مع سنّة إيران).

من جهة أخرى لا يبدو من السهل على الرياض وقف تلك الحملة المذهبية، أولا بسبب صعوبة لجم الحالة السلفية المعروفة بتشددها حيال المذهب الشيعي (يشمل ذلك السلفية التقليدية والسلفية الجهادية وحتى الإصلاحية، بل يشمل حتى دوائر إخوانية متأثرة بالأجواء السلفية أيضا)، وثانيا لأن هناك من يتحدث يوميا عن مساعي التشييع وعن اضطهاد السّنة في إيران، وثالثا لأن تلك الحملة تظل مصدر قوة مهم بالنسبة للسعودية في مواجهة الطموحات الإيرانية، حيث تبعث إليها برسالة مفادها أن أية طموحات تتجاوز المقبول سيرد عليها بتصعيد تلك الحملة على نحو يدفع العالم العربي والإسلامي "السني" نحو مواجهة شاملة مع إيران.

في ذات السياق تنهض قصة الشيعة في السعودية والخليج، مقابل السنّة في إيران، وهي كرة لهب يتقاذفها الطرفان، لاسيما أنها تنطوي على قدر من الصحة في الحالتين؛ على تفاوت في تقييم كل حالة، وهي قصة تخفت وتتصاعد بناء على الأجواء السياسية، مع أن الأصل هو حق كل طرف في المطالبة بحقوقه بطريقة سلمية مشروعة، لاسيما أن المسألة ذات صلة بالسياسة أكثر من المذهب، بدليل أن في إيران أقليات أخرى تشكو التمييز مع أنها شيعية كما هو حال الكثير من عرب الأهواز. وفي العموم فإن مظالم السياسة ليست حكرا على الأقليات، بل هي تطال الغالبية في أكثر الدول العربية والإسلامية أيضا مع الأسف الشديد.

والحال أننا إزاء سلاح ذو حدين، إذ يمكن لإيران أيضا أن تبدأ حملة تحريض للقوى الشيعية في السعودية والخليج على نحو يهدد الاستقرار في تلك الدول، بخاصة في ظل شعورها بالقوة قياسا بدول عربية مفككة تتصدرها الشقيقة الكبرى التي يعطل فعلها ويسرق دورها ملف التوريث، بينما يمكن للسعودية وسواها من الدول العربية، إضافة إلى ما سلف أن ترد بدعم قوى التمرد السنية، بل وغير السنية (عرب الأهواز الشيعة) في إيران.

والنتيجة أن فتح المعركة بين الطرفين على مصراعيها لن يكون في صالح أي منهما، فلا السعودية يمكنها احتمال التحريض الإيراني وإثارة القلاقل لها ولجيرانها في الخليج، ولا إيران يمكنها احتمال حرب مذهبية مفتوحة ضدها تبدو الأجواء مواتية للنفخ فيها وتصعيدها في ظل الحشد المذهبي في المنطقة، وفي ظل انتشار الخطاب السلفي، فضلا عن إمكانية اللعب على تناقضاتها العرقية والمذهبية.

من هنا، فإن مفتاح الحل لهذه المعضلة يتمثل في حوار سعودي إيراني، والأهم عبر حوار عربي إيراني تتصدره مصر والسعودية، ويمكن لسوريا أن تلعب فيه دورا إيجابيا تبعا لعلاقتها الجيدة بالطرفين، لاسيما أنها تتحسس كثيرا من أي تصعيد من هذا النوع، هي التي تحسب نفسها على "الإسلام السنّي"، وإن دفعتها السياسة نحو الفضاء الإيراني.

كما يمكن لقطر أن تلعب ذات الدور تبعا لعلاقتها الإيجابية بالطرفين أيضا، أما الطرف الثالث فهو تركيا "العدالة والتنمية" التي يمكنها القيام بدور أكثر من إيجابي على هذا الصعيد تبعا لثقلها الإقليمي أيضا.

مثل هذا الحوار هو أكثر من ضروري، لاسيما إذا استثمر حالة الضعف والارتباك الأميركي، وهو حوار تحفزه معادلة أن أحدا من الطرفين العربي أو الإيراني لا يمكنه إلغاء الآخر، فضلا عن وجود قواسم مشتركة كثيرة بين الطرفين مثل الصراع مع المشروع الصهيوني، ومثل الحاجة إلى عراق مستقر، فضلا عن أهمية العلاقات الإيجابية على الصعيد الاقتصادي، وكل ذلك يساعد على مواجهة الابتزاز الأميركي والغربي الذي يفضل استمرار تخويف كل طرف من الآخر.

هذا التطور سيحتاج بدوره إلى ظروف أفضل، فمن جهة يحتاج إلى استقلالية حقيقية للقرار العربي لا تتوفر الآن في ظل ارتهان مصر لهواجس التوريث ورفض الإصلاح، كما سيحتاج إلى تواضع من قبل إيران فيما يتعلق بالطموحات الإقليمية مقابل الوضع العربي والطموح التركي، فضلا عن خروجها من الإطار المذهبي الذي يستفز غالبية المسلمين، إلى جانب قدر من الدفع في اتجاه توافق وطني في العراق لا يهمش العرب السنّة، ويقلل من هواجس جعله دولة تابعة على مختلف الأصعدة.

يبقى الانفتاح الداخلي على الأقليات العرقية والمذهبية في إيران، وهو ما يبدو ضروريا من دون شك، يقابله قدر من الانفتاح الداخلي المقابل في الدول العربية التي تعيش فيها أقليات شيعية، أقله في الدول التي تتوفر فيها أزمة من هذا النوع.

هي قضية شائكة كما قلنا من قبل، لكن الحوار والبحث عن القواسم المشتركة هو الحل، لاسيما أن الصراع لن يصب في صالح أي من الطرفين, بل سيصب من دون شك في صالح عدوهما المشترك ممثلا في المشروع الأميركي الصهيوني.

يبقى موضوع موسم الحج الذي لا يميل أحد إلى تسييسه على النحو الذي تلوح به إيران، وبالطبع حتى لا يترتب على ذلك قدر من الفوضى والدماء التي تسيء إلى الإسلام والمسلمين أمام العالم أجمع، متمنين أن تفضي الجهود السورية القطرية إلى تجاوز هذه الإشكالية كمقدمة لأجواء أفضل تفكك الأزمات الأخرى، ومن ضمنها معركة الحوثيين، بعد ملامح تفكك الأزمة اللبنانية.

النظام الانتخابي النسبي السليم

النظام الانتخابي النسبي السليم

د. عبد الستار قاسم

يثور جدل في بلدان كثيرة حول النظام الانتخابي الأفضل تمثيلا للناس، وتتعدد الأفكار وتتفاعل لتنتهي بحل قد لا يرضي الجميع، لكنه كفيل بتأمين حسن سير العملية الانتخابية. تتبنى بعض الدول التي تؤمن بالحرية النظام الانتخابي النسبي، وبعضها يعتمد نظام الدوائر؛ وأخرى تتبنى نظام الأكثرية، بينما تتبنى أخرى نظام الأغلبية. ولا يغيب تعديل النظام الانتخابي عن عدد من الدول، فتلجأ إلى فتح المداولات من جديد لتصيغ نظاما انتخابيا جديدا.

هناك نقاط أساسية في أي نظام انتخابي لا بد من أخذها بعين الاعتبار وهي:


1- هناك أشخاص لديهم الرغبة أو الطموح لخوض انتخابات؛

2- هناك أحزاب تريد خوض الانتخابات ببرامجها المعدة سلفا؛

3- هناك من يريد انتخاب شخص بعينه؛

4- هناك من يسعى لانتخاب برنامج معين.

هدف النظام الانتخابي هو تحقيق أكبر قدر ممكن من التمثيل لجمهور الناس، ومن المهم أن يراعي مختلف المعايير التي تؤدي إلى هذا الهدف.

ثار جدل على الساحة الفلسطينية حول النظام الانتخابي، وتم اعتماد نظام الدوائر عام 1996، وتم تعديله عام 2005 ليصبح خليطا من الدوائر والنسبي. أما الآن فهناك حديث عن تحويل النظام تماما إلى النسبي. لكن السؤال يبقى: ما هو النظام الانتخابي الذي يمكن أن يلبي المعايير أعلاه؟ النظام الانتخابي النسبي السائد في أغلب دول العالم لا يلبي متطلبات الاختيار الحر بالشكل السليم وهو منحاز للأحزاب، ويفرض على الناس أشخاصا من خلال القوائم قد من المحتمل أنه غير مرغوب بهم. لدي الاجتهاد التالي الذي يحافظ على النسبية وعلى حق الأشخاص غير الملتزمين بأحزاب في خوض الانتخابات الرئاسية والتشريعية:

أ‌- لنا الخيار في تقسيم منطقة الانتخابات إلى دوائر انتخابية بعدد مقاعد المجلس التشريعي، فيكون لكل دائرة مقعد واحد؛ أو يمكن الإبقاء على التقسيم القائم حاليا؛

ب‌- يخوض الانتخابات أشخاص بصفتهم الشخصية أو صفتهم التنظيمية وذلك وفق اختيارهم هم؛

ت‌- إذا حصل شخص مستقل على أعلى الأصوات في الدائرة فإنه يفوز بالمقعد؛ وإذا بقي التقسيم وفق ما كان عليه في انتخابات عام 2006، فإن المستقل يفوز إذا حصل على أصوات ضمن المقاعد المخصصة للدائرة. أي إذا كان للدائرة سبع مقاعد، وجاء ترتيب مستقل حسب عدد الأصوات رابعا فإنه يفوز بمقعد؛

ث‌- يتم حساب مجموع الأصوات التي حصل عليها كل حزب أو تنظيم من خلال جمع أصوات ما حصل عليه ممثلو الحزب في كل دائرة. هذا يفرض وجود معادلة إحصائية لجمع الأصوات لأنه ليس من المتوقع أن تتساوى الأصوات التي يحصل عليها مرشحو الحزب الواحد.

ج‌- يتم طرح المقاعد التي فاز بها أشخاص مستقلون من مجموع مقاعد المجلس، فيتبقى مجموع المقاعد التي تتقاسمها الأحزاب وفق نسبة كل منها من الأصوات؛

ح‌- يتم إزاحة الأحزاب التي لم تحصل على نسبة الحسم؛

خ‌- يتم تشكيل قائمة كل حزب في المجلس التشريعي وفقا لأعلى النسب التي يحصل عليها المرشحون في الدوائر.

مثال: إذا كان عدد مقاعد التشريعي 132، وفاز خمسة مرشحين مستقلين، فإن الأحزاب تتنافس على 127 مقعدا. إذا كان لدينا أحزاب س، ص، ع، د فإن مجموع ما حصل عليه كل حزب هو حاصل جمع الأصوات التي حصل عليها ممثلوه في الدوائر. كل حزب يحصل بعد ذلك على نسبة من المقاعد المتبقية وهي 127 وفقا لنسبته من مجموع الأصوات في كل الدوائر الانتخابية. من أجل الدقة الحسابية، الأفضل أن تتكون الدائرة من مقعد واحد فقط، وإلا فإن المعادلة الإحصائية تصبح مطلوبة؛

لا يتقدم الحزب للجنة الانتخابات بقائمة تحدد مسبقا أولوية العضوية في المجلس التشريعي، وإنما فقط بقائمة مرشحيه في الدوائر. ثم يتم ترتيب أسماء الفائزين من الأحزاب وفق نسبهم الانتخابية في دوائرهم. أي الذي حصل على 75% من أصوات دائرته، له أولوية في دخول التشريعي على الذي حصل على 60%، وهكذا. إذا حصل حزب معين على عدد من الأصوات تؤهله للحصول على سبع مقاعد، فإن الذين يملأونها هم ممثلوه الذين حصلوا على أعلى النسب في دوائرهم من بين مرشحي الحزب في كل المنطقة الانتخابية.

بهذا النظام، نستطيع الوفاء بمختلف معايير التمثيل الجيد للمواطنين. من فوائد هذا النظام أيضا أن الأحزاب تتجنب ضغوط الذين لا حظوظ لهم إلا من خلال القوائم المعدة سلفا، ولن يكون بمقدور أحد الاختباء في قوائم الأحزاب.

إذا كنا نبحث عن تمثيل أكثر دقة، فإننا نعتمد نظام الإعادة بين أعلى متنافسين في الدائرة إذا لم يحصل أي من المرشحين على أغلبية (أي 50%+). وفي هذه الحالة، يُفضل نظام الدائرة ذات المقعد الواحد.

إسرائيل والحليف الإستراتيجي الجديد .. الصين‏

إسرائيل والحليف الإستراتيجي الجديد .. الصين‏

محمود صبري

خلص الباحثون الإسرائيليون الإستراتيجيون في مؤتمر هرتسيليا التاسع، والذي عقد في فبراير الماضي 2009، إلى توصيات محددة تختص بتفعيل العلاقات الإسرائيلية مع الصين، التي وصفوها بأنها يجب أن تكون "الحليف الإستراتيجي الجديد"، وأكدوا أن على إسرائيل أن تدفع قدما في هذا الطريق بناءً على قراءة التغيرات المقبلة على الساحة العالمية.

هذه التوصيات تعيد للأذهان حقيقة أنه حتى قبل أن تنشأ إسرائيل على أرض فلسطين في عام 1948، كان اليهود يبحثون عن الحليف الأقوى الذي يضمن مصالحهم، وانتهجت الدولة العبرية سياسة الاحتماء في الدول الكبرى التي تتمتع بالسطوة والنفوذ خلال فترة زمنية معينة حتى تفقد تلك الدولة قوتها، فتغير إسرائيل تحالفاتها لترتبط بحصان أسود جديد أو دولة أخرى يصعد نجمها وتتزايد قوتها بالقدر الكافي للدفع بمصالح إسرائيل إلى الأمام وضمان التفوق على جيرانها في الشرق الأوسط.


وتمتلك إسرائيل سجلا حافلا من التحالفات يؤكد نظرية الولاء للأقوى التي بدأت منذ عهد بريطانيا العظمى، حيث ظفروا بوعد بلفور في 2 نوفمبر 1917، وهو الحدث الذي أقر لأول مرة ما يسمى بحق اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، ولم يهدأ الحليف البريطاني حتى تم الإعلان عن قيام هذه الدولة في 15 مايو 1948.

وفي ظل تعقد الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط وعدم استقرار الدولة العبرية بالقدر الكافي، عمد الإسرائيليون إلى استقطاب دولة عظمى أخرى لجانبهم، هي فرنسا، التي انضمت لبريطانيا كما وضح خلال العدوان الثلاثي ضد مصر في عام 1956، وهو العدوان الذي أكد لإسرائيل أن الحليفين البريطاني والفرنسي غير قادرين على ضمان مصالحها، وعندئذ جاء الدور على القوة العظمى الجديدة "الحصرية فيما بعد"، فتوثق التحالف الإسرائيلي – الأمريكي الذي جنت إسرائيل ثماره الأولى في حرب يونيو 1967.

منذ ذلك الحين أصبحت أمريكا، ولا زالت، تمثل الدعم والسلاح والرعاية والاقتصاد بالنسبة لإسرائيل، لكن المؤشرات الآن باتت تشير إلى تراجع العملاق الأمريكي، الذي أصبح غارقاً في مشاكله الداخلية وانهياره الاقتصادي، في ظل عالم لا تستقر فيه موازين القوى.. عالم تشير فيه كل التوقعات إلى أن القوة الأكبر في الغد ستكون ذات ملامح آسيوية.

وهكذا، كان من الطبيعي لإستراتيجية الولاء للأقوى الإسرائيلية أن تتجه آسيويا بحثا عن تنين صيني أو فيل هندي أو حتى نمر ياباني أو كوري يكون أكثر قدرة على ضمان المصالح الإسرائيلية عندما يفقد الحليف الأمريكي تفوقه.

في هذا السياق يتناول العرض التالي طبيعة العلاقات الإسرائيلية – الصينية المتعددة الأبعاد، والتي من المرجح معها أن تنتقل الصين إلى درجة الحليف الأقوى لإسرائيل في المستقبل، وهو أمر لا يخلو من البحث المستمر داخل محافل الفكر والسياسة والعسكرية الإسرائيلية.

العلاقات الدبلوماسية

كانت إسرائيل أولى دول منطقة الشرق الأوسط، وسابع دولة في العالم، اعترفت بالصين الشعبية، في وقت لم تعترف فيه الدول العربية بالدول الشيوعية الجديدة، ومع ذلك اتسمت العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإسرائيل لفترة طويلة بالبطء الشديد والتوتر في بعض الأحيان، وشهدت صعودا وهبوطا في كثير من الأحيان بسبب الموقف الصيني من الصراع العربي – الإسرائيلي.

ففي 9 يناير 1950 بعث وزير الخارجية الإسرائيلي، موشيه شاريت، لرئيس وزراء الصين، زو أنلاي، برقية تهنئة أعلن فيها أن حكومة إسرائيل تعترف بالصين، دون أن تتضمن البرقية عرضا بتبادل العلاقات الدبلوماسية خشية إثارة الحليف الأمريكي. وكانت الصين قد أعلنت في عام 1949، أي قبل صعود الشيوعيين لسدة الحكم، أنها ستقيم علاقات دبلوماسية مع أي دولة تقطع علاقاتها مع تايوان، و