الأحد، 16 صفر، 1431 هـ

السلاح إلى غزة .. كلمة السـر في إغتيال المبحوح

السلاح إلى غزة .. كلمة السـر في إغتيال المبحوح

علا عطا الله


"إنه أحـد القادة المركزيين في تهريب الأسلحـة لحركة "حماس" في قطـاع غزة.. هـو الدائرة المشتركة بين حماس وإيران.. دبي كانت إحدى محطاته.. رجل الاستخبارات الخفيّ وأبرز شخصيات الحركة الأمنية..".

هـذه الأوصاف التي كان يتمتع بهـا القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، محمود المبحوح، هي التي سـاهمت، بحسب مصادر سياسية وإعلامية إسرائيلية وفلسطينية، في اغتياله والتربص بتحركاته.

وكانت حركة "حماس" قد اتهمت إسرائيل باغتيال المبحوح (50 عاما) في أحد فنادق دبي يوم 20 يناير الجاري, وأكدت عائلته وشرطة دبي أن التحقيقات الأولية أشارت إلى أن المبحوح تم اغتياله خنقا بعد تلقيه صعقة كهربائية لشل حركة جسده الرياضي المعروف بقوته وشدته.

"إسرائيل" التي نأت رسميا عن التعليق على اتهامات "حماس" والإشارة إلى حادثة مقتل "المبحوح"، أفردت وسائل إعلامها الكثيـر من المساحات للحديث عن المبحوح واصفةً إياه بـ"رجل حماس الخفي", وبعثت الصحافة العبرية بالعديد من الإشارات الدالة على أن إسرائيل هي من تقف وراء عملية الاغتيال في الوقت الذي وصفت فيه مصادر فلسطينية مطلعة لـ"إسلام أون لاين" بأن المبحوح "أبرز شخصيات حماس الأمنية في الخارج".

من إيران لـ"غزة"

الإذاعة الإسرائيلية قالت إنه ووفقا لتقارير مختلفة فإن المبحوح كان يقف وراء تهريب صواريخ ووسائل قتالية أخرى من إيران إلى قطاع غزة، زاعمة أن شاحنة السلاح التي قصفها الطيران الإسرائيلي في السودان قبل نحو عام، كان هو من يقف خلفها، على اعتبار أنها كانت تتجه لغزة.

فمن جانبها، وصفت صحيفة "هآرتس" العبرية المبحوح بـ"المطلوب الأول للجيش الإسرائيلي" مشيرة إلى أنه يقف وراء عمليّات تمويل وتهريب السلاح إلى حركة حماس خاصة في غزة"، وبينت أن الموساد حاول في أكثر من مرة اغتياله.

ولعل من أبرز التعليقات الإسرائيلية على حادثة اغتيال المبحوح ما كتبه محلل الشئون الأمنية والعسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية رون بن يشاي والمعروف بقربه من المخابرات الإسرائيلية من أن "المبحوح كان واحدا من مسئولي المنظومة المشتركة لحماس وإيران، وقد نظّم وأشرف على تهريب القذائف، والسلاح، ومواد تفجيرية ومدربين عسكريين من إيران إلى غزة..".

وأضاف بن يشاي أن "المبحوح تواجد في دبي من أجل هذه المهمة وأن إمداده للحركة بالسلاح من أهم الأسباب التي جعلت الموساد يسارع لتصفيته".

حساب مفتوح

ووافق الكاتب حماس في توجيهها لإسرائيل بأصابع الاتهام حول مقتل المبحوح، قائلا: "لدى إسرائيل أسباب كافية لتصفية حساباتها مع المبحوح الذي ساهم في تشكيل كتائب عز الدين القسام، وكان له الفضل بأسر وقتل جنديين إسرائيليين هما آفي سفورتس وأيالون سعدون...فضلا عن مشواره الأمني".

وفي ختام حديثه ، أكد بشاي أن هذه العملية ليست مجرد تصفية لمن يساعد على تهريب الأسلحة فحسب، إنما هي رسالة تحذير إلى أحمد الجعبري القيادي في كتائب القسام والذي تتهمه إسرائيل بالمسئولية المباشرة على أسر "جلعاد شاليت".

وفي أكثر من صحيفة عبرية أجمع كتاب إسرائيليون على أن اغتيال المبحوح ليس بسبب أسر وقتل للجنديين الإسرائيليين أيالون سعدون وآفي سفورتس، إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 بل لأنه يقف وراء تهريب السلاح المتطور إلى غزة في الأشهر القليلة الماضية وتحديدا بعد الحرب الإسرائيلية على القطاع قبل عام.

ووصف الإعلام الإسرائيلي اغتيال المبحوح بـ"تصفيّة حساب مفتوح منذ عشرين عاما". وكان رئيس بلدية أشكلون، بني فاكنين المسئول الإسرائيلي الوحيد الذي تطرق لتصفية المبحوح معتبرا أن ذلك يغلق دائرة الحساب.

رجل الاستخبارات

وكشفت مصادر سياسية فلسطينية مطلعة لـ"إسلام أون لاين" عن أن إسرائيل سعت جاهدة إلى اغتيال المبحوح لما يتمتع به من ثقل أمني كبير في حركة حماس، وقالت المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها: إن "المبحوح كان من أبرز وأهم شخصيات حركة حماس الأمنية في الخارج وعمل في جهاز الاستخبارات التابع للحركة لسنوات طوال".

وأوضحت المصادر أن "المبحوح منذ أن خرج من قطاع غزة ووصل إلى سوريا عام 1990م بدأ يتأهل للعمل في جهاز الاستخبارات التابع للحركة"، لافتة إلى أن "الشهيد أجاد عددا من اللغات الأجنبية، وجاب عددا كبيرا من الدول العربية والأجنبية في مهمات متعددة كلفه بها جهاز استخبارات حماس، كان في معظمها التنسيق لتزويد الحركة بالسلاح، ومعرفة أهم التقنيات لتطوير سلاح الحركة في الداخل".

وكان المبحوح بحسب المصادر قد نجا من محاولات عديدة لاغتياله أبرزها كان في بيروت ودمشق وقد تنقل المبحوح بين العديد من الدول من أجل مد حركته بما يلزمها من سـلاح.

المبحوح وخليل

وأفادت المصادر لإسلام أون لاين أن "المبحوح كان على علاقة وثيقة مع الشهيد عز الدين الشيخ خليل" الذي اغتالته إسرائيل في العاصمة السورية دمشق خريف 2004، وكان الشيخ خليل يحمل ملف الجناح العسكري لحركة حماس في الخارج، كما قاد كتائب القسام في أوائل التسعينيات في قطاع غزة والضفة الغربية.

وجمع "حب المقاومة" وكيفية إسنادها بالوسائل اللازمة بين خليل والمبحوح، وقاما معا بحسب المصادر بتدريب مجاهدين أكفاء وتسليح المقاومة بأنواع مختلفة ومتطورة من السـلاح، وقد كان المبحوح يردد على مسامع أصحابه أن إسرائيل ستغتاله كما اغتالت الشيخ خليل.

وكانت حركة حماس في بيانات نعيها لقائدها قد أكدت أن المبحوح كان يقف وراء التخطيط للعديد من الهجمات المسلحة التي شنها مقاتلو حماس ضد أهداف إسرائيلية، وكان أول من أقدمت إسرائيل على هدم منزله إبان الانتفاضة الأولى.

المبحوح .. طريد الموساد الخفي

المبحوح .. طريد الموساد الخفي

محمد الصواف - إفتكار البنداري


"كان كالضوء يتسلل، وكالهواء ينفذ، وكالظل بصمت يتحرك، فلا يعرف بتحركه أحد، ولا يطلع أحدا على برامجه، مثال لا يبارى للرجل المسلم في مظهره وقوته وحسن تدبيره".. بعض من صفات كشفها كاتب فلسطيني مقرب من حركة حماس عن شخصية القيادي البارز في الحركة "محمود المبحوح" مكنته من تدويخ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على مدار 20 عاما داخل وخارج غزة، حتى أذن الله بلحظة الرحيل قبل أسبوع مخنوقا بإمارة دبي في واقعة لم تتكشف كامل ظروفها حتى الآن.

وتتهم حماس إسرائيل باغتيال المبحوح (50 عاما) في أحد فنادق دبي يوم 20 يناير الجاري، بينما قال شقيقه إن التحقيقات الأولية تشير لاغتياله خنقا بعد تلقيه صعقة كهربائية لشل حركة جسده الرياضي المعروف بقوته وشدته.

والمبحوح الذي تقول عنه حماس إنه ضمن جنود المقاومة الذين اختاروا العمل لسنوات طويلة في الخفاء لتنفيذ مهمات لا مجال لإتمامها إلا في صمت، هو أحد مؤسسي كتائب القسام- الجناح العسكري للحركة- مع زملاء آخرين معدودين، وصاحب أول عملية نوعية تنفذها، وهي أسر وقتل أول جنديين إسرائيليين، وغير ذلك من عمليات وإنجازات قد لا يزاح عنها النقاب قبل سنوات وسنوات.

مسيرة المبحوح في المقاومة لم تبدأ مع البندقية وأوراق العمل السري، بل بمسعاه لمقاومة ما رآها مظاهر فساد من حوله تلهي شباب وطنه عن قضيتهم الأساسية، فنشط إثر التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين في عام 1978 حين كان في ربيعه الـ18 في محاربة محلات القمار التي كانت منتشرة آنذاك في مدينة غزة.

كما اشتهر بحرصه على الحفاظ على المظهر الصحيح للشاب المسلم القوي، فبرز في رياضة كمال الأجسام، وحصل فيها على المركز الأول على مستوى قطاع غزة في الثمانينيات؛ فاكتمل له بذلك -بحسب وصف مقربين منه- "هيبة الطلة الزكية؛ حيث كان بهي الطلعة، حسن الهندام، أنيق الملبس، نظيف الثياب، عبق الرائحة، متزن الخطى، يسير مرفوع الرأس، منتصب القامة".

وبعد أن أنهى الثانوية العامة وحصل على دبلوم في الهندسة الميكانيكية وافتتح ورشة لتصليح السيارات بدأت مسيرته الفعلية في صفوف المقاومة المسلحة؛ حيث كان يتخذها ستارا للتخطيط هو وزملاؤه لعمليات سرية تقض عند تنفيذها مضاجع جنرالات الاحتلال الذين يتلفتون حولهم باحثين عن اليد الخفية التي تدبرها فلا يرون إلا السراب، حتى برز للأعين حين تم اعتقاله في سجن السرايا المركزي الإسرائيلي بغزة بتهمة حيازة الأسلحة.

وفي عام 1987 سطر التاريخ أول أبرز إنجازاته في سجلات المقاومة حين شارك في تأسيس كتائب القسام، وهو نفس العام الذي شهد تفجر الانتفاضة الأولى من داخل مخيم جباليا الذي نشأ وعاش فيه وسط 16 من الإخوة والأخوات.

اندفع بكل قواه لمساندة الانتفاضة بعمليات تثلج صدور ذوي الشهداء والجرحى فدبَّر ونفذ أول عملية لأسر جنديين إسرائيليين في تاريخ حركة حماس عام 1989، وهما أيلان سعدون وآفي سبورتس، وقتلهما وإخفائهما دون أن تعرف إسرائيل مصيرهما حتى عام 1997، حيث أرشدتها إلى مكان دفنهما السلطة الفلسطينية بعد حصولها على معلومات انتزعتها من أحد أعضاء القسام في أقبية التحقيق الفلسطينية آنذاك.

وبعد اعتقال عدد من عناصر كتائب القسام، من بينهم مؤسس الحركة آنذاك الشيخ أحمد ياسين، وقائد القسام الشهيد صلاح شحاده، علمت إسرائيل بمسئولية المبحوح عن أسر الجنديين الإسرائيليين؛ فسعت لاعتقاله أكثر من مرة وفشلت لقدرته الفائقة على التخفي.

وفي عام 1990 هدمت قوات الاحتلال بيته، وبات بذلك أول بيت تصدر محكمة إسرائيلية قرارا بهدمه في غزة إضافة إلى مصادرة أرضه بتهمة خطف جنود إسرائيليين.

وبعد مطاردة في غزة دامت أكثر من شهرين تمكن وعدد من رفاقه من اجتياز الحدود إلى مصر في عملية فريدة قالت عنها مصادر مقربة من حركة حماس إنها تركت الإسرائيليين في ذهول لمدة طويلة؛ إذ كيف نجح في الإفلات من الحصار الأمني المضروب على غزة تحت عين وسمع أفراد الاستخبارات الإسرائيلية.

وعلى الحدود اعتقلته وزملاءه الأجهزة الأمنية المصرية، وطالب الإسرائيليون مصر بتسليمهم، إلا أن المبحوح وزملاءه تمكنوا من الفرار والتخفي عن أعين الأمن المصري لمدة 6 أشهر، حتى غادروا إلى ليبيا، ومنها إلى سوريا التي قضى فيها معظم سنواته اللاحقة، يستكمل عمله التخطيطي في صمت وخفاء.

"الخفي"

وفي خارج فلسطين نضجت أكثر مهارات أبو الحسن -كنية المبحوح- في التخفي، وتعلَّم مهارات الحاسوب وأجاد عدة لغات، ليوسع من قدراته على التخطيط لعمليات المقاومة داخل غزة، والبحث عن مصادر لإمدادها بالمال والسلاح.

وصار بين البلدان "كالضوء يتسلل، وكالهواء ينفذ، وكالظل بصمت يتحرك، فلا يعرف بتحركه أو يطلع على برامجه أحد، يعتمد على حسه، ولا يخالف حدسه؛ حيث كان يدرك جيدا أن الإسرائيليين لن يدعوه وشأنه"، بحسب ما ذكره الكاتب الفلسطيني الدكتور مصطفى يوسف اللداوي.

ويضيف اللداوي: "زار كل البلاد، ونسج من أجل هدفه علاقات كثيرة، وصنع تحالفات عديدة ساعدته في تحقيق نجاحات للمقاومة داخل غزة دفعت إسرائيل إلى ملاحقته في كل مكان، تتابع أسفاره وتحركاته، وتجمع المعلومات عن منطقة سكنه والمناطق التي يرتادها والأشخاص القريبين منه، حتى أنها كانت تتبع أين يبيت سيارته، ورصد بنفسه عشرات الأشخاص الذين كانوا يلاحقونه"، كما تعرض لعدد من محاولات الاغتيال طوال 20 عاما مضت.

ومن الاحتياطات التي كان يؤمن بها نفسه أنه كان "لا يستخدم هاتفه النقَّال إلا نادرا، ويشتري تذكرة سفره بنفسه في يوم سفره، ويحرص على عدم الحجز المسبق، وغالبا ما كان يموه في سفره، ويسافر إلى غير الوجهة التي يقصدها، ومن هناك يغير خط سير رحلته، ويختار الفندق الذي سيقيم فيه بنفسه ولا يكرر الإقامة فيه، ولا يأكل شيئا من الفندق، ويشتري طعامه من مطاعم عشوائية، ولا يتحرك بسيارته إلا بعد التأكد من أن علامات الأمان التي وضعها فيها كما هي لم يمسها أحد، ويقودها وعينه على السيارات من حوله".

وبقي المبحوح (الأب لأربعة أبناء) على هذا النهج حتى أذن الله بلحظة الرحيل؛ وذلك خلال زيارته إلى دبي الأسبوع الماضي في مهمة غير معروفة كلفته بها حركة حماس، حيث ارتقت روحه إلى ربها في 20 من يناير الجاري في أحد فنادق الإمارة.

ويقول فائق المبحوح -شقيق الشهيد محمود- إن: "النتائج الأولية للتحقيقات أثبتت أنه اغتيل بواسطة جهاز يحدث صعقة كهربائية، ثم جرى خنقه بواسطة قطعة قماش".

ولم تصدر إسرائيل حتى عصر الجمعة 29-1-2010 تعليقا على الحادث، أو تعلن مسئوليتها عنه، وإن نشرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية عن مصادر غير رسمية أن هذا الاغتيال رسالة لخاطفي الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت، في إشارة إلى حركة حماس؛ حيث تشتبه إسرائيل في مسئولية المبحوح عن عملية اختطافه عام 2006.

كنا البادئين حين عَقَقْنَاك يا محمود

كنا البادئين حين عَقَقْنَاك يا محمود

رشيد ثابت


لن تقطع القنوات الفضائية العربية إرسالها المعتاد لتلاوة سُوَرٍ من آي الذكر الحكيم. لن تقطع المحطات الرسمية المعلنة أو الرسمية المقنعة كذبا بالخصوصية والانتماء للقطاع الأهلي – لن تقطع بثها لتتشح بالسواد وتعزف موسيقى كلاسيكية حزينة؛ ولن "يعزف الصداحون لحن الرجوع الأخير". لن يكون هناك أي إخلال بمواعيد بث "تامر وشوقية" والحلقة المائة ألف من المسلسل المدبلج التافه الموجه للجمهور المستحق لهذه التفاهة. لن يُستدعى علماء السلاطين ومشايخهم لتأبين الراحل والبكاء عليه والدعاء له؛ فهو ليس سارقا ولا مرتشيا ولا عتلا بعد ذلك زنيم من أولاد أشباه الملوك أو لقطاء السياسة العربية من المسؤولين الفاسدين والعملاء...وليس في هذا على أية حال ما يضير محمود المبحوح لأنه قطعا ليس بحاجة لدعاء كاذب من مشايخ ضالين لن ترتفع كلماتهم أبعد من حيث ستقذف فتحات التهوية بأنفاسهم الكريهة. هل حقا يظن أي من "شيوخ المنصر" أن دعاءهم للهالك من ظلام العرب والمسلمين بأن يغسله الله بالماء والثلج والبرد سوف ينفعه؛ هذا فيما كتابه وسيرة أعماله تؤهله لحُنوط من قطران وغَسول من حمم جهنم؟

لكن قبل صب اللعنات المستحقة عن جدارة على إعلام عربي يحتفي بالساقط والساقطة واللص والخائن والعميل؛ ويرفع الوضيع ويخفض الرفيع؛ وقبل استنزال كل آيات الغضب والسخط الذي هو في محله على نظام سياسي عربي متعفن يفتح حدوده للأعداء ليجوسوا خلال الديار كما يغشى القوادون بيوت الغواني؛ وقبل ضرب كف بكف على حال دويلات الطوائف العربية التي تسوم شعوبها وزوارها العرب سوء العذاب والمشقة إن هم تنفسوا خارج سياق النص المكتوب؛ وتترك في الوقت نفسه مخابرات الغرب والشرق تصول في البلاد وتجول كيف تشاء – قبل هذا كله لا بد من استحضار كم مماثل من السخط والغضب منا نحن الناس؛ علينا نحن الناس!

لقد كنا البادئين فعققناك وقتلناك يا محمود قبل الموساد وحلفائه من "أولاد الكامب". كفى بنا عارا أننا لم نعرفك حتى رحلت عن عالمنا هذا شهيدا (وكأني بالله عزوجل قد ضن على خسيستنا أن ترتفع بوجود واحد مثلك بين ظهرانينا!). كفى بنا صغارا أننا نحفظ أسماء لاعبي كرة القدم والممثلين والممثلات من بني قحطان – وحديثا من بني خاقان – لكننا لم نعرف عن بَطَلٍ عَلَمٍ مثلك حتى سجي في قبره تحت التراب. الويل لأمة لا تحفظ لأعلامها أقدارهم ومكانتهم؛ والويل لأمة تعق كبراءها من أمثالك يا "محمود" لتنشغل بكل "مذموم" ساقط ووضيع.

لكن ليس على محمود وأمثاله من خشية. حسبه أنه سيقف يوم القيامة إن شاء الله تعالى عند رب لا يضل ولا ينسى لتتحدث صحيفته عن صاحب الرصاصة الحماسية الأولى؛ وكيف كان المبحوح في حركة المقاومة الإسلامية كسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم – من حيث أن سعدا كان أول من شد وتر قوس وضرب سهما في سبيل الله! ستقول صحيفته بإذن الله أنه رجل من الآحاد الذين يعدون بالآلاف. ستقول صحيفته بإذن الله أنه بطل اختلسته يد الزمان من عهد صدر الإسلام الأول؛ وعهود التابعين بإحسان ليحيي الله به أمة في عصر الانحطاط؛ وينفذ مهمة كبرى من جنس ما كان أبطال تلك العصور يضطلعون به من مهمات...فهذا شاب دقيق العود يفتح السند؛ وذاك رجل كهل يرسله الخليفة لنشر الإسلام في أعالي "التيبت" – وهو واحد على نفسه! - فيدخل الناس على يديه في دين الله أفواجا؛ وتعيش أجيال مليونية من عهد دولة بني أمية حتى يومنا هذه وهي تتوالد وتتناسل في ظل "لا إله إلا الله"؛ وذلك كله بفضل الله ثم بجهود ذلك الرجل الواحد!

نعم ليس على محمود المبحوح من خوف؛ فستشهد له شهادته في سبيل الله وتحتج له؛ ولعل جيف الهلكى من جنود الصهاينة الذين قضوا على يديه – كفتح واستهلال مبارك للعمل العسكري الجهادي في حماس - ستنطق له بالمزيد من أسباب الرفعة والسؤدد ولو كرهت تلك الجيف وأبت؛ تحقيقا لمضمون قوله تعالى: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون"

لكن المصير القاتم ينتظرنا نحن أبناء المجاميع الغثائية التي لا يحفل بها أحد. نحن الذين نأتي ونمضي فلا تحس منا من أحد ولا تسمع له ركزا! أمثالنا من يجب أن يخشى على نفسه ويتجهز للنار والعياذ بالله إن هو قضى على هذه الغفلة وهذا الفقر الممحل في نصرة الإسلام ونصرة أهله.

يا ليتني كنت خشبة تتقي بها عن نفسك يا محمود وترد قاتليك الجبناء غيلة! يا ليتني كنت حجرا ينفذ به الله سبحانه وتعالى عداته "إن الله يدافع عن الذين آمنوا"؛ فتحملني وترضخ بي رأس صهيوني من الذين قتلوك يا محمود! يا ليتني استطعت ففديتك بنفسي وأبي وأمي وسائر الأهل والولد! والله لو أعلم أن في أرواحنا جميعا ما كان يدفع عنا شماتة العدو الفرح بقتلك؛ وكان يرجع لي أمر تقديم هذه الأرواح دون روحك لما تأخرت في دفعها دون بطل مثلك أيها الحبيب!

وهل لي بتمثل بيت العراقية التي بكت أبا الحسن فأنشدت:

يا ليتها إذ فدت عمرا بخارجة * * * فدت عليا بما شاءت من البشر

فأقول بتصرف: يا ليت المنية فدت محمودا بمن شاءت من البشر!

السلام عليك يا محمود فأنت الآن بإذن الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ ولعلك تتقلب بين الأصحاب والإخوان من شهداء الدرب وكل فدائيي وشهداء العمل الإسلامي عبر الزمان والمكان؛ فطابت نفسك الزكية وطاب مقامك حيث أنت؛ وطابت الصحبة أيها المحمود وربح البيع.

ولرفاق محمود وإخوانه ومحبيه الأكفاء من أقرانه الأبطال الذين حزنوا لفقده فإني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحرم الموت عليهم ويحرم أجسادهم على تراب الأرض حتى تقر أعينهم من قتلة محمود ومدنسي الأقصى.

وأما لنفسي فلا أرجو من الله إلا أن يعصمني من الهلاك في جملة الغثائيين. اللهم أني أعوذ بك من ميتة سوء تسلكني على نحو نهائي وقاطع في أموات الأحياء. اللهم إني أحب محمود المبحوح وأحب كل إخوانه فأعني على نفسي الأمارة بالسوء وارفعها لرتبة هذا الحب حتى تكون أهلا لجيرة هؤلاء الكبار وصحبتهم واللحوق بهم؛ وتفر من الحشر مع المنافقين والمخلفين وأهل الأرجاف!

محمود المبحوح .. أول الرصاص وليس آخر الشهداء

محمود المبحوح .. أول الرصاص وليس آخر الشهداء

ياسر الزعاتره


منذ أن أخرجوا دولتهم إلى الوجود وحتى الآن، لا يتوقف الصهاينة عن ملاحقة وقتل كل من تورط في قتل إسرائيليين بشكل مباشر، بل حتى يهود في أي مكان من العالم، وقد لاحقوا المتورطين في الإبادة النازية واحداً واحداً، حتى قتلوهم جميعاً.

القتل ليس هو النهاية دائماً، إذ هناك الأسر لمن هم في الداخل، مع العلم أن ذات المعادلة قد تنطبق على الأسرى لاحقاً، والذين سيكون كبارهم برسم القتل فيما لو خرجوا بهذه الطريقة أو تلك.

ليست هذه النظرية مقدسة بالطبع، فليس في عرف الصهاينة مقدس قط، بما في ذلك النصوص الدينية التي تحمل عنوان المقدس، وما يعنيهم هو معادلة الأرباح والخسائر، وهذه المعادلة التي تقول بضرورة استمرار سياسة الردع لا تزال فاعلة إلى الآن، لا سيما أنها ضُربت غير مرة خلال العقدين الأخيرين، إذ تمكنت المقاومة، بخاصة الإسلامية من الإثخان في دولة المحتلين على نحو استثنائي، بل أشعرتهم بالتهديد الوجودي أكثر من مرة، فضلاً هما حققته من انتصارات صغيرة وكبيرة عليهم، أكان في لبنان، أم في فلسطين.

للصهاينة مع محمود المبحوح الذين اغتالوه في دبي ثأر وأي ثأر، فهو ابتداءً كان فاتحة الرصاص الحمساوي الذي نقل الانتفاضة الأولى من الحجارة إلى الرصاص، الأمر الذي تواصل لاحقاً بعد أن أدرك المخلصون أن الحجارة لم تعد عبئاً حقيقياً على الاحتلال، لكن الأهم أنه قاد عمليتين ضربتا معنويات الاحتلال الذي كان في حينه يعربد داخل القطاع والضفة الغربية، ولم يسبق منذ عقود أن تجرأ أحد في الداخل على اختطاف جنوده ومن ثم قتلهم والاحتفاظ بجثثهم لمبادلتها بأسرى على ذلك النحو.

عمليتا اختطاف الجنديين نسيم توليدانو وآفي سبورتاس وقتلهما (اختطف كل منهما على حدة 2، 5ـ)1988 كانتا في ذلك الزمن نقلة نوعية في أداء حماس التي لم يكن قد مضى على إعلان ولادتها كحركة مقاومة سوى بضعة شهور، لا سيما حين كشفتا بخطأ عابر من دون أن يُلقى القبض على ثلاثة من منفذيها (فروا إلى خارج القطاع بعد شهور من الملاحقة)، ومنذ ذلك الحين صار محمود المبحوح مطلوباً لسلطات الاحتلال، وكان بيته أول بيت يهدم في الانتفاضة.

اعتقل الرابع (البطل محمد شراتحة)، وكان أن اعترف تحت التعذيب على الشيخ أحمد ياسين الذي شكل المجموعة بإشرافه الشخصي، ولذلك حكم كل منهما بمؤبدين، أما الجثتان، فقد عثر الاحتلال على إحداهما بالصدفة أثناء البحث، فيما قامت أجهزة محمد دحلان بالعثور على الثانية وتسليمها في وقت لاحق.

أن يصلوا إلى محمود المبحوح في دبي بعد ملاحقة طويلة، فليس ذلك بالأمر الرهيب، ففي مثل هذه المدن التي تعج بسائر أنواع البشر، يمكن للأجهزة الأمنية أن تجند الكثيرين بأثمان بخسة، ولا ندري ما الذي كان يفعله المبحوح هناك، والأرجح أن مروره كان ذا صلة بدوره في عمليات تهريب السلاح كما قال الإسرائيليون، وهو الجانب الذي ربما دفعهم إلى التشدد في ملاحقته، إضافة إلى القضية القديمة.

هذه المحاولة لاغتيال المبحوح ليست الأولى، ولا يُعتقد أنه تساهل في إجراءاته الأمنية كما يقال، مع العلم أن مثل هذه الإجراءات ليست عاصمة تماماً بالضرورة، ولو كانت كذلك لما وصلوا إلى عماد مغنية الأكثر حرصاً على هذا الصعيد، والذي استمرت مطاردته ثلاثة عقود.

اللافت هنا هو صلف الصهاينة الذي لا يعبئون بأية دولة، حتى لو كانت من النوع الذي لا يدخل في معارك معهم، أو كانت من صنف المعتدلين، فضلاً عن المتشددين، فقد ضربوا في الحالتين وأصابوا الكثير من الأهداف.

يمضي محمود المبحوح إلى ربه شهيداً وهو في الخمسين من العمر، وتلك كرامة ولا أروع، فهو بدأ مجاهداً، ولم يتوقف عن العمل حتى لقي ربه.

هي جولة يفوز فيها القتلة بصيد ثمين، لكن الراية تعلو بدماء الشهداء، وهي لم تنكس بعد أحمد ياسين والرنتيسي وجمال منصور وعياش والآخرين، ولن تنكس أبداً ما دامت أرحام الأمهات ماضية في إنجاب الأبطال دون توقف.

سلام على محمود المبحوح وعلى سائر الشهداء، ومن سيمضون على دربهم إلى يوم الدين. سلام، سلام.

جريمة "الموساد" في دبي

جريمة "الموساد" في دبي

عبد الباري عطوان


إقدام 'الموساد' الاسرائيلي على اغتيال محمود المبحوح احد قادة الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية 'حماس' في فندق كان يقيم فيه بامارة دبي، هو اختراق لأكثر من خط احمر:

' الاول: ان الجريمة وقعت في دولة عربية 'معتدلة'، تتبنى توجهات ليبرالية اقتصادية واجتماعية، واستضافت قبل عشرة ايام وزيرا اسرائيليا شارك في مؤتمر حول الطاقة المتجددة.

' الثاني: فتح باب الاغتيالات السياسية خارج الاراضي الفلسطينية المحتلة، مما قد يترتب على هذه الخطوة من عمليات انتقامية ثأرية متبادلة في اكثر من عاصمة عربية وغربية.

فطريقة تنفيذ عملية الاغتيال هذه توحي بأنه جرى التخطيط لها بعناية فائقة، حيث قامت عناصر استخبارية بمتابعة تحركات الشهيد بدقة متناهية، منذ انطلاقه من دمشق الى دبي، الامر الذي قد يعني حدوث اختراق امني، او اهمال امني، من قبل اجهزة حركة 'حماس'، والاجهزة الامنية السورية ايضا.

عملية اغتيال على هذه الدرجة من الخطورة، ولشخصية قيادية ساهمت في تأسيس جناح عز الدين القسام، الذراع العسكرية لحركة 'حماس'، وخططت ونفذت لاختطاف ومن ثم اعدام جنديين اسرائيليين، لا يمكن ان يقوم بها غير جهاز امني على مستوى 'الموساد' الاسرائيلي.

وليس من قبيل الصدفة ان تحدث هذه العملية الاجرامية في عهد بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي وحكومته اليمينية العنصرية المتطرفة، ففي حكومته الاولى التي لم تعمّر طويلا، وفي ظروف سياسية ودبلوماسية مشابهة، اقدم نتنياهو على ارسال مجموعة من عملاء الموساد لاغتيال السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة 'حماس' في العاصمة الاردنية عمان في ايلول (سبتمبر) عام 1997 باستخدام سموم كيمياوية.

العاهل الاردني الملك حسين هدد في حينها بالغاء معاهدة 'وادي عربة' للسلام مع اسرائيل، اذا لم يتم ارسال المصل المضاد للسموم المستخدمة في عملية الاغتيال، وكان له ما اراد، حيث اذعنت حكومة نتنياهو لهذا الطلب فورا وسط فضيحة دولية.

حكومة الامارات العربية المتحدة مطالبة بالتعامل بالحزم نفسه في مطاردة الجناة وتقديمهم الى العدالة، وبالاسلوب نفسه الذي تعاملت به مع جريمة اغتيال الفنانة اللبنانية سوزان تميم، بل وبما هو اكثر صرامة، لعدم وجود مقارنة بين الجريمتين، فالاولى طابعها سياسي، والثانية جنائي.

شرطة دبي سارعت، وفي ظل الشفافية التي تتمتع بها، الى اصدار بيان اكدت فيه كشف هوية الجناة، وجوازات السفر الاجنبية التي استخدموها لدخول البلاد وتنفيذ جريمتهم، والتنسيق مع البوليس الدولي (الانتربول) لالقاء القبض عليهم.

فموقع دبي كمركز مالي وتجاري دولي هو الاكثر تضررا من جراء هذه الجريمة، لان توفير الامن يعتبر محور الارتكاز الرئيسي للحفاظ على هذه المكانة وتكريسها، اقليميا وعالميا. ولا نستبعد ان تكون اسرائيل قد قررت استهداف هذه التجربة وتقويضها من خلال هذه الجريمة، لابتزاز دولة الامارات العربية المتحدة واجبارها على خطوات تطبيعية، ضاربة بذلك عصفورين بحجر، اي تصفية شخصية قيادية عسكرية فلسطينية 'دوّخت' الموساد على مدى ثلاثين عاما، وإحداث اختراق تطبيعي مع دولة عربية ما زالت تتردد في اقامة علاقات دبلوماسية او تجارية مباشرة معها.

السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة 'حماس' حرص على التأكيد اثناء تقدمه موكب تشييع الشهيد المبحوح ابن مخيم جباليا البار، بأن ابناءه سينتقمون، وان كتائب الشهيد عز الدين القسام سترد. وعلمتنا التجارب الماضية انها، اي كتائب القسام، اذا قالت فعلت.

السؤال هو اين ستتم عملية الأخذ بالثأر، داخل الاراضي الفلسطينية ام خارجها؟ وربما يفيد التذكير، تذكير الاسرائيليين وحلفائهم الغربيين، بأن فصائل المقاومة الفلسطينية اربكت العالم بأسره، واوقعت خسائر كبيرة بالاسرائيليين، وبثت الرعب في سفاراتهم وشركات طيرانهم، عندما نقلت المعركة الى ميادين ارحب، وفي القارة الاوروبية على وجه الخصوص، في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

نتنياهو يعيش ازمة سياسية خانقة، وتعيش حكومته عزلة دولية غير مسبوقة، فعملية السلام التي أراد استخدامها كغطاء لمواصلة استيطانه وتهويده للاراضي المحتلة معطلة بالكامل، والسلطة الفلسطينية قاومت بشراسة (حتى الآن) كل الضغوط العربية والامريكية للعودة الى طاولة المفاوضات، وجاء تقرير غولدستون حول جرائم الحرب الاسرائيلية في قطاع غزة ليفضح الوجه القبيح للنازية الاسرائيلية، ويصعّد من الكراهية تجاهها، اي اسرائيل، في مختلف انحاء العالم.

لا نستبعد ان يكون نتنياهو، وفي ظل هذا الوضع المزري، يبحث عن ذريعة لشن عدوان على قطاع غزة او لبنان، او الاثنين معاً، فقد حاول اغتيال السيد اسامة ابو حمدان ممثل حركة 'حماس' في لبنان، بوضع سيارة ملغومة امام مكتبه في الضاحية الجنوبية، ولكن المحاولة فشلت، وان كان راح ضحيتها احد عناصر المكتب، وها هو يرسل عملاء الموساد الى دبي لتصفية الشهيد المبحوح لتحقيق انتصار صغير، ربما يدفع ثمنه غالياً فيما هو قادم من ايام.

علينا ان نتذكر ان مناحيم بيغن ووزير دفاعه في حينها ارييل شارون استغلا محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن موشي ارغوف، لاجتياح لبنان لاخراج المقاومة الفلسطينية من جنوبه، فخرجت المقاومة فعلاً، ودخلت اسرائيل في حرب اكثر دموية مع خصم اشد عناداً في الحق هو 'حزب الله'، الذي اجبرها على الانسحاب مهزومة، واذلّها مرة ثانية عندما حاولت تكرار الشيء نفسه في صيف عام 2006.

كتائب القسام انتقمت لشهيدها المهندس يحيى عياش بأربع عمليات استشهادية في القدس المحتلة والخضيرة. وتل ابيب، اوقعت مئات القتلى والجرحى، وهزت الدولة الاسرائيلية وأمنها، فقد اقسم قادة الكتائب على تنفيذ اربع عمليات انتقاماً لشهيدهم، وقد اوفوا بالعهد كاملاً بعد اسابيع معدودة من عملية الاغتيال التي وقعت عام 1996، ورسّخوا ثقافة العمليات الاستشهادية على مدى السنوات التي تلت.

من يقدم على عملية اغتيال كهذه، وفي امارة دبي، لا يريد السلام والاستقرار في المنطقة، وانما اشعال الحروب، وزعزعة الأمن، ولعل نتنياهو يريد من خلال هذه الجريمة جرّ المنطقة الى حمامات دموية، وهدم المعبد على رأسه ورؤوس الآخرين، فشخص مثله، وفي مثل عنصريته واحقاده لن يتورع عن فعل ذلك.

عملية الاغتيال الاجرامية هذه تأتي بمثابة قرع جرس انذار لايقاظ العرب جميعاً من سباتهم العيق، والعودة الى ثوابتهم الوطنية والاسلامية، والتراجع عن خيار السلام الذي تبنوه طوال السنوات الثلاثين الماضية ولم يعد عليهم الا بالذل والهوان والغطرسة الاسرائيلية.

لا حرمة لدولة عربية في المنظور الاسرائيلي، ولا حصانة لترابها وأمنها، فجميع العرب والمسلمين اعداء الداء، معتدلين كانوا او متشددين، هذا ما يجب ان يعرفه زعماء العرب، ويتعاطون على اساسه مع هذه الدولة المارقة قبل فوات الأوان.

جريمة دبي

جريمة دبي

علي الظفيري


ثمة تصريحات مطلوبة لم نسمعها الأسبوع الماضي. مثلاً لم تقل السلطة الوطنية الفلسطينية شيئاً عن مقتل محمود المبحوح القيادي في حركة حماس. لم تصرح مصر بشيء. ولا دول عربية أخرى. الولايات المتحدة الأميركية وهي القيّم الأخلاقي العالمي لم تجد في العملية ما يثير الانتباه أو يستوجب التوقف! ولا حتى أوروبا. وهذه الأوروبا الاستعمارية ذات التاريخ الملطخ بدماء البشرية كلها تنسب لنفسها مكانة أخلاقية مرجعية فاصلة في عالم اليوم، ولكنها، وهي التي تصنف حركات المقاومة على أنها حركات إرهابية، تأبى كل قواميس الأخلاق أن تفسح لدولها الرئيسية أي سطر في صفحاتها.

ما جرى في دبي هو ذاته ما جرى في دمشق. يوم اغتالت "إسرائيل" أعلى قائد عسكري في حزب الله. ف"إسرائيل" التي شنت في يوليو 2006 حربا شاملة على لبنان بقصد هزيمة المقاومة اللبنانية، اكتشفت بعد اليوم الأول لانتهاء حربها أنها لم تنجز ما خططت له، بل تكشف لها مع الأيام أنها خسرت كثيراً جراء هذه الحرب.. خسرت عسكرياً وسياسياً وأخلاقياً. من هنا كان فقدان الوعي الإسرائيلي لاتزانه ومحاولته لاستعادة ما فُقد جراء هذه الحرب.. كيف يمكن أن تخسر "إسرائيل" حرباً بهذا الغطاء العربي والدولي! من هنا كان البحث في دمشق عن صيد ثمين، فكان «عماد مغنية».

في دبي كان سيناريو مشابه؛ شنت "إسرائيل" حرباً كبرى على قطاع غزة، حصلت على كل التسهيلات السياسية والأخلاقية التي لا يمكن أن تتكرر، توهمت أنها ستخرج بقطاع لا حماس فيه. لكن حدث العكس؛ حماس في الواجهة، بل يبدو أن لا شيء ينازع الحركة على القيادة والتحكم في القطاع! هذه ضربة ثانية تتلقاها الرأس الإسرائيلية في غضون عامين. والمشكلة ليست "إسرائيل" فحسب، ثمة رؤوس كثيرة وكبيرة وضعت نفسها بجانب الرأس الإسرائيلية. وضاعف هذا من الوجع الذي تسببت به حركة حماس. تريد "إسرائيل" أن تقول في عملية: إنها ما زالت قادرة على الفعل الإجرامي.

توعد حزب الله بالرد على اغتيال عماد مغنية «الحاج رضوان». وكذلك فعلت حركة حماس الأسبوع الماضي. لم يرد حزب الله حتى الآن ولن يرد في المدى المنظور. وحسناً يفعل الحزب؛ فالظروف غير مواتية لأية عملية يقوم بها الآن ولا قريباً. ولو قام بذلك لاستغل الرد أبشع استغلال من قبل المتربصين به. وحماس اليوم في وضع لا تحسد عليه. وأي رد تقوم به سيوظف ضدها. وستجد قائمة الصامتين في صدر هذا المقال فرصتها للهجوم على الحركة المقاومة.. ستسمع من أبوالغيط قولاً إننا حذرنا حماس دائماً.. طبعاً حذرناها من الرد على أي إجرام إسرائيلي. محمود عباس سينظّر عن العبثية. العبثية التي يقصدها الرئيس الفلسطيني هي كل ما من شأنه التشويش على المشاريع التجارية في ظل الاحتلال! القلوب السوداء في البيت الأبيض ستطلق مؤتمراتها الصحافية اليومية للتمهيد والتهديد. أوروبا العجوز القاتلة ستتفهم الرد الإسرائيلي على التهديد. يبدأ الفهم والوعي الأوروبي بالعمل عند الفعل الإسرائيلي. لا يريد استيعاب ما قبله. مثل أن يكون مجرم حرب متقاعد كـ «توني بلير» ممثلاً للجنة الرباعية الدولية!

ربما كان واحد من أهداف العمليتين الإرهابيتين القذرتين في دمشق ودبي هو استفزاز رد المقاومة. تدرك "إسرائيل" أنها لم تفعل ما يجب في المرتين الأوليين. وربما يهيأ لها أن تعوّض في المرة القادمة. والمقاومة التي فقدت المبحوح في دبي تقبل ذلك. لا من باب قبول الجريمة الإسرائيلية. بل من باب الإيمان بأن العمل المقاوم معرض للاستهداف دائماً، وأن من يُجير روحه لخدمة الأهداف السامية لمشروعه الوطني يحمل هذه الروح دائماً بين كفيه ويتمنى الشهادة، بل يركض خلفها.

الصهيونية الثقافية

الصهيونية الثقافية

د. سيف دعنا


استند المشروع الصهيوني الاستعماري المتمثل بتأسيس "دولة يهودية" على أرض فلسطين العربية على سلسلة من المحاور والأسس المترابطة, والتي سأتناول بعضها تباعا وباختصار في المستقبل لإلقاء الضوء على طبيعة المشروع الصهيوني مقدمة لتقديم تصور لطبيعة الصراع معه.

هذه المحاور هي الصهيونية الثقافية, والتي سأزعم أنها الأهم والحلقة المركزية في المشروع, الصهيونية الاقتصادية, الصهيونية الايكولوجية, والصهيونية السياسية.

سأستنتج لاحقا, وبناء على النقاش المختصر لبعض هذه المحاور, أن المشروع الصهيوني غير قابل للاستدامة لأسباب سياسية, واقتصادية, وبيئية, وثقافية, ولا يمكن التعايش معه لكون هذه المحاور لا يمكن أن تنتج إلا كيانا عدوانيا.

هذه مقدمة للمرحلة الأولى للصهيونية الثقافية فقط. المراحل الأخرى والتي تميز كل منها بإعادة تعريف لمفاهيم ثقافية صهيونية أساسية, وحتى إعادة تعريف لفكرة "إسرائيل" ذاتها بما يتناسب وتحولات المشروع الاستعماري, ستأتي لاحقا.

الاستعمار الاستيطاني النقي

تميز أدبيات الاستعمار المقارن, عادة بين نوعين من الاستعمار. الأول, هو الاستعمار المتروبولي, أو المرتبط بالمركز الاستعماري في البلد الأم, الذي لا يتضمن انتقال عدد كبير من السكان للإقامة الدائمة في المستعمرة ويتميز بالسيطرة عبر سلطة كولونيالية ويشكل أحد ديناميات الإمبريالية, أو إقامة الإمبراطورية, كما كانت حال الاستعمار الإنجليزي في الهند.

النموذج الثاني, الاستعمار الاستيطاني, ويتميز, على العكس, بانتقال المستعمرين بأعداد كبيرة للسكن الدائم في المستعمرة وتأسيس وطن على طراز الوطن الأوروبي الأم.

هذا النوع ينقسم بدوره إلى ثلاثة أنواع هي: المستوطنة المختلطة, المستوطنة الزراعية, والمستوطنة النقية. ما يميز النوعين الأولين هو استيطان الأرض فقط, واستغلال اليد العاملة المحلية (في حالة المستوطنة المختلطة) أو استيراد اليد العاملة (في حالة المستوطنة الزراعية).

وحدها المستوطنة الاستعمارية النقية, كما هي حال "إسرائيل", تستوطن الأرض والعمل معا, وبالتالي فإن بنيتها تتضمن رفضا وإلغاء لوجود السكان الأصليين بطردهم من الحياة الاقتصادية حتى من مجال الأيدي العاملة التي يمكن استغلالها.

والخطاب الصهيوني (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) أفرغ فلسطين من أهلها مجازيا أولا واخترع أرضا بلا شعب ليؤسس للإبادة والتطهير العرقي الحقيقي لاحقا. فهذا الخطاب لم يكن محض دعاية, بل أسست له بنية ثقافية استعمارية ارتبطت جدليا بالسياسة والممارسة الصهيونية. ولم يكن إفراغ فلسطين من أهلها في الخطاب الصهيوني بسبب جهل في الجغرافيا والتاريخ, أو بسبب حاجة دعائية فقط, بل بسبب العنصرية المتأصلة في الصهيونية التي أنكرت أساسا إنسانية العربي الفلسطيني ووجوده وثقافته لتفسح الطريق أمام القتل والتشريد المستمرين حتى اليوم.

المستوطنة الاستعمارية النقية, كما هي البنية التي ميزت المشروع الصهيوني منذ موجة الهجرة الاستعمارية الصهيونية الثانية التي بدأت عام 1904, والتي استعمرت الأرض وتبنت سياسة عبرنة العمل والمنتوج, وبالتالي استعمرت العمل, رغم التكاليف الاقتصادية الهائلة لهذه السياسات، شكلت نموذجا استعماريا فريدا (التشابه مع النموذج الأميركي ربما يفسر جزئيا العلاقة المتميزة بين المستعمرتين).

أدبيات الكولونيالية تؤكد أن هذا النوع من الاستعمار ليس عنصريا فقط, بل يتميز بما يسميه ديفد فيلدهاوس "أنقى أنواع الدوافع العنصرية"، وبكون "الإبادة الجماعية خاصية أصيلة" فيه لا ظاهرة عارضة أو مؤقتة كما يشير وورد تشيرتشيل. (لفهم النموذج الاستعماري الأميركي, انظر منير العكش: أميركا والإبادات الثقافية).

الأعمال الأولى

المهمة الثقافية التي واجهت الحركة الصهيونية ومؤسساتها الأكاديمية لاحقا, والتي تمثلت باختراع رواية وذاكرة, إنسان, لغة, وعي جمعي, فكرة وجغرافيا وطن, وفي نفس الوقت إلغاء فلسطين والفلسطينيين, كانت جسيمة لسبب أساسي وتاريخي وهو غياب فلسطين شبه المطلق عن التأريخ اليهودي والدراسات اليهودية التي اهتمت حتى تأسيس الحركة الصهيونية بالشؤون اليهودية في أوروبا فقط.

ففي حين أنه حتى القرن السابع عشر لم تذكر فلسطين سوى في دراستين يهوديتين, كان على هذه المؤسسات الأكاديمية أن تختزل وتحول كل تاريخ فلسطين إلى تاريخ اليهود في فلسطين وتسكت كل تاريخ آخر (انظر كيث وايتلام: اختراع إسرائيل القديمة وإسكات فلسطين).

المشروع الكولونيالي الصهيوني في فلسطين تضمن, واستند إلى مشروع ثقافي أطلق عليه غسان كنفاني تسمية الصهيونية الثقافية, ولن أجادل فيما إذا سبق السياسي الثقافي, أو استولده, أو العكس, ولا أظن أن ذلك مهما طالما رأينا جدلية العلاقة بين المستويين.

المهم هو قراءة أي إنتاج ثقافي "إسرائيلي" في سياقه التاريخي الاستعماري لا بوصفه عملا ثقافيا بحتا. أغلب الأعمال الصهيونية الأولى تضمنت بعدا ثقافيا واضحا برغم الطابع السياسي لرسالتها الأساسية.

ثلاثة من الأعمال الأولى الأكثر أهمية تضمنت الإصرار على عدم إمكانية ورفض اندماج اليهود في مجتمعاتهم بشكل مطلق وإرجاع ذلك إلى خصوصية اليهود من جهة وكره الأغيار المتأصل لهم عبر كل العصور (أحد أسس الصهيونية كما يراها إسرائيل شاحاك), وبالتالي اقتراح "الدولة اليهودية" باعتبارها الحل الوحيد للمشكلة اليهودية في أوروبا.

أهمية هذه الفكرة وهذه الأعمال التي سأتطرق لها باختصار شديد ليس اقتراحها لحل الدولة اليهودية فقط, بل وبنفس الأهمية أنها تتضمن إعادة اختراع أو تعريف لليهودي, وبالتالي إعادة تشكيل جذري للثقافة اليهودية, يتناسب مع حل الدولة اليهودية ويؤسس لها.

فالدعوة, وليس فقط تأسيس الدولة اليهودية تتضمن إعادة إنتاج للثقافة اليهودية بإعادة تعريفها لليهودي أو إنتاج اليهودي الجديد.

كتاب "التحرير الذاتي" 1882 لليو بنسكر, الذي صاغ بيان بيلو الشهير, اعتبره بن غوريون أهم المؤلفات الصهيونية على الإطلاق (حتى أهم من كتاب هرتزل "الدولة اليهودية").

لم يؤسس بنسكر لفكرة استحالة الاندماج فقط, بل هو الذي صاغ مفهوم "فوبيا اليهود"، أو الخوف من اليهود, الذي انتشر لاحقا كمعاداة السامية, وهي بالعرف الصهيوني الخيالي واللا تاريخي عابرة للزمان والمكان.

سبق كتاب بنسكر بعشرين عاما تقريبا كتاب موسى هس "روما والقدس". لم يرفض هس فكرة الاندماج فقط بل غير اسمه الأصلي "موريتس" إلى موسى احتجاجا على حركات الاندماج اليهودية آنذاك.

وللأسماء طبعا رمزية وأهمية في تعريف وتشكيل الذات. وهذا ارتبط لاحقا ليس فقط بإعادة إحياء الأسماء التوراتية لتسمية المستوطنات والفرق الرياضية, وتغيير أو عبرنة قادة الحركة الصهيونية لأسمائهم, بل بترجمة أو عبرنة فلسطين (ويافا ترجمت حتى النخاع, يقول درويش), وبالتالي إعاده تعريفها "كإسرائيل". نفي هس لإمكانية اندماج اليهود في مجتمعاتهم يصل لدرجة أن وصفه لليهود يتفق مع أكثر الكتب لا سامية كما علق الكاتب هال دريبر.

رغم أن بن غوريون قلل من شأن دور هرتزل الفكري والثقافي, وأكد أن أهميته كانت في قيادته السياسية لشعب عاش طويلا بدون قيادة, فإن كتاب "الدولة اليهودية" تضمن ليس فقط التأكيد على رفض الاندماج, بل وصل حد نزع صفة اليهودية عن كل يهودي يؤيد الاندماج, وبالتالي أعاد تعريف اليهودي واليهودية على أساس فكرة "الدولة اليهودية", وهذا واضح في توجيهه هذه التهمة لليهود الفرنسيين الذين حررتهم الثورة دينيا وسياسيا, وبالتالي أكدت لا ضرورة وعبثية فكرة "الدولة اليهودية".

هرتزل اعتبر أن الدولة شأن يخص اليهود فقط, ومن يرفض هذا الحل فهو فرنسي (أي ليس يهوديا). ولكن يبقى نقد بن غوريون لضحالة هرتزل الفكرية في محله, فتصور هرتزل للدولة (الذي تضمن فدرالية لسانية, وعلما, وتنظيم اجتماعيا) لا يشبه الدولة التي أسست على الإطلاق.

نقيض هرتزل في التصور المستقبلي كان المستوطن الروسي أحاد هعام, الذي دعا إلى إقامة أو تحويل فلسطين إلى مركز ثقافي وروحي لليهود. هذه المراجعة المختصرة تتجاهل طبعا مساهمات أخرى مهمة, ولها دلالات أخرى يمكن النظر إليها كما للصهيونية الثقافية بعد الدولة, وللمرحلة الثالثة منذ نهاية السبعينيات والتي يسميها البعض "إسرائيل الجديدة" في موضوعات لاحقه.

الجامعة المستوطنة

الدور المركزي في تشكيل الثقافة الصهيونية, ولكن هذه المرة بشكل منهجي ومنظم, لعبته الجامعة العبرية والمؤسسات التابعة لها, وتحديدا ما سمي معهد القدس, مركز الدراسات اليهودية, والجمعية اليهودية لاستكشاف فلسطين.

الجامعة العبرية لعبت دورا محوريا في المشروع الصهيوني شمل مشاركتها في كل المجالات تقريبا, وإصرار وايزمن على تأسيسها منذ بداية القرن العشرين كان لإدراكه العميق للدور الذي يمكن أن تلعبه كما تشير مذكراته. هذه الجامعة, مثلا, لعبت دورا مركزيا في خطة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين (الخطة دال) كما أشار إليه إيلان بابيه في "التطهير العرقي"، فأساتذتها هم من جهز الخرائط للمدن والقرى والأحياء التي تم تهجيرها, وكانوا من ضمن مستشاري اللجنة المكونة من اثني عشر زعيما صهيونيا برئاسة بن غوريون, التي صممت الخطة وأشرفت على تنفيذها.

هذا المثال الاستشراقي الصارخ للاستخدام الأداتي والسياسي للعلوم والجامعات, لا يوازيه سوى الدور الهائل الذي لعبته هذه المؤسسة في تأسيس البنية الثقافية الاستيطانية للمشروع الصهيوني الذي لا يمكن تخيل "إسرائيل" اليوم دونها.

هذه المؤسسة المستوطنة, مثلت وتمثل النموذج المثالي لفهم الحالة الاستيطانية النقية التي تمثلها "إسرائيل"، وتختلف عن أي مؤسسة تعليمية أنشأها المستعمرون سابقا أو لاحقا, في كون بنيتها ووظيفتها ارتبطت عضويا وكليا بالمشروع الاستيطاني الصهيوني (انظر غابريئيل بيتربرغ: عودة الصهيونية). لكن يصر البعض على رفض المقاطعة الأكاديمية لها أو لأمثالها في الكيان الصهيوني, ويرى بسذاجة (أو ربما لأسباب أخرى) أن العلاقة الأكاديمية فوق السياسة.

ربما يشكل مصطلح "نفي المنفى" الذي كان أحد مروجيه المؤرخ الصهيوني, عضو معهد القدس, ووزير التعليم لاحقا, بن تسيون دينابيرغ, المفهوم المركزي في الثقافة الصهيونية وتأسيس الوعي التاريخي الصهيوني.

إحدى الدلالات العديدة لهذا المفهوم التي تهمنا هي أن هذا المفهوم يؤسس لبناء اليهودي الجديد بوصفه نقيضا ليهودي المنفى (أو كون يهودي المنفى هو الآخر على اعتبار أن تعريف الذات يقتضي بالضرورة تعريف الآخر, وبالعكس) وليس بوصفه نقيضا للفلسطيني, فهو غير موجود.

هذا المفهوم ببنائه لليهودي الجديد بهذه الطريقة أسس لإلغاء الفلسطيني في الوعي الصهيوني وتحويله إلى مجرد أحد مكونات البيئة, وبالتالي ساوى بين المجازر وإزالة الشوك من الأرض للزراعة. كذلك, هذا المفهوم يعيد إنتاج وتعريف فلسطين على أنها وطن تاريخي لليهود ونقيض للمنفى الذي هو حالة غير طبيعية.

ربما يفسر "نفي المنفى" كذلك اللامبالاة الصهيونية تجاه الهولوكوست في البداية كما يقول توم سيغيف في "المليون السابع"، قبل أن يكتشف بن غوريون إمكانية تحوله إلى قوة ابتزاز لعقدة الذنب الليبرالية الغربية التي يعتقد البعض وجودها, وتحولها لاحقا إلى صناعة كما يشير إليه نورمان فنكلستين.

طبعا, أعيد تعريف الناجين من المحرقة لاحقا وتحويلهم إلى أبطال "إسرائيليين" كما يشير إسحاق لاؤور في "أسطورة الصهيونية الليبرالية"، وهو ما سأتحدث عنه في مرحلة تأسيس الدولة لاحقا. تجليات هذا المفهوم في أغلب الصيغ الثقافية الصهيونية الأولى كالأدب والشعر واضحة (لا مجال لمراجعتها هنا).

صاموئيل كلاين, أحد أعضاء الجمعية اليهودية لاستكشاف فلسطين, روج لفكرة "فلسطين الكبرى" التي أصبحت لاحقا "إسرائيل الكبرى," وشعار "اعرف بلدك" الفكرة التي أسست للشعور اليهودي بالظلم التاريخي الذي لحق بهم نتيجة لفصل ضفتي نهر الأردن.

الترويج لفكرة "إسرائيل الكبرى" التي تضم الأردن وبعض لبنان المتأصلة في الثقافة والفكر السياسي الصهيوني, كما تذكرنا رواية نتنياهو للتاريخ كل يوم, هي من مساهمات كلاين الذي كتب أعماله بالعبرية رغم كون لغته الأصلية هي الألمانية وهو الذي روج أيضا لفكرة الحق التاريخي (وتبني فكرة الحقوق التاريخية يميز قوميات شرق ووسط أوروبا كالصهيونية والنازية) لليهود في كل أرض "إسرائيل الكبرى" التي شكلت أحد أسس الرواية الرسمية.

هنا بدأت تتشكل الرواية التي يحاولون فرضها على مناهج أطفالنا وصهينة وعيهم (كيف نفسر التمييز بين فلسطين الوطن, التي ترمز للضفة والقطاع, وفلسطين التاريخية في المناهج الفلسطينية؟).

وكذلك كانت صناعة لغة جديدة تتضمن وعيا ورؤيا للعالم سميت بالعبرية, برغم اختراعها شبه الكلي, لأسباب سياسية بحتة, لا عملية, على اعتبار تناسب اللغة الألمانية والييدش علميا أكثر وسيادتهما لدى المستوطنين, وبرغم احتجاج المتدينين على استخدام اللغة "المقدسة" في الأمور اليومية. وكان اليعيزر بن يهودا, القادم من روسيا البيضاء ومؤلف أول قاموس عبري, مؤمنا بالتلازم العضوي بين الصهيونية المنحدرة من ظروف شرق ووسط أوروبا في القرن التاسع عشر, واللغة العبرية التي شارك في اختراعها.

ولكن تم الخلط في الوعي "الإسرائيلي" والعالمي بين لغة قديمة استخدمت حصرا لقراءة التوراة, وبين لغة مخترعة تقريبا كليا, كما يشير إليه إريك هوبسباوم, برغم الاختلاف في القواعد والمفردات وتبني العبرية الجديدة وعيا غربيا استعماريا, لإعطاء شرعية لمستوطن أوروبي لا شرعية له.

ثم تتابع التزوير بهدف اختراع رموز ثقافية ضرورية لنجاح المشروع واختلطت السياسة بالتاريخ, والأسطورة بالإركيولوجيا, والحقيقة بالقوة. حول التأريخ الصهيوني قصة مجموعة من القتلة وقطاع الطرق (السيكاري), أو ما يعرف بأسطورة المسادا, إلى ملحمة ثورية تلهم الشعراء والكتاب, وتلهم الجنود الذين يؤدون القسم في موقعها المفترض قبيل بدء الخدمة, واحتلت هذه الأسطورة رمزية مهمة في الأدب والشعر الصهيونيين.

ثم قام يغال يادين الذي مارس خلطة غريبة من السياسة والإركيولوجيا بوصف قاطع طريق وأزعر (حسب وصف المؤرخ كيث وايتلام) مثل باركوخبا بالأمير (كما يشير عنوان كتابه).

لم تجد الصهيونية بدا من تزوير التاريخ لتخترع رموزا ثقافية في سعيها لتشكيل الشخصية اليهودية الجديدة واختراع حق في أرض لا حق لها فيها.

كل الروايات القومية تستند في شق منها للأسطورة, الخرافة, وإعادة كتابة التاريخ بما يتناسب مع الحاضر, ولكن في حالة الرواية الصهيونية, واقتبس من جاك دريدا في "هوامش الفلسفة": هذا "ماض لم يكن حاضرا أبدا, ولن يكون".

الذكرى الأولى لإنتصار قطاع غزة

الذكرى الأولى لإنتصار قطاع غزة

منير شفيق


سنتان ونصف بين حرب العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو/تموز 2006 وحرب العدوان على قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2008 ويناير/كانون الثاني 2009. وهي فترة اعتبرت كافية ليستعيد الجيش الصهيوني "هيبة الجيش الذي لا يُقهر".

لهذا افتُرض بأن الجيش الصهيوني قد عالج النواقص والأخطاء التي ارتكبها في حربه على لبنان لا سيما من النواحي العسكرية والسياسية والإعلامية. وهذه الفرضية لا تحتاج إلى استنتاج، وقد اعترف تقرير فينوغراد فضلا عن عدد من منظري الحرب الصهاينة، بارتكاب عدد من الأخطاء العسكرية والسياسية والإعلامية، مما أدى إلى الفشل الذريع الذي مُني به الجيش لأول مرة بذلك الحجم أمام قوة مقاومة متواضعة بتسّلحها، ولكن فاجأته بدفاعها المفكَّر به جيدا، وبما ألحقته من إصابات في سلاح الدبابات، وأطلقته من صواريخ، وأظهرته من ذكاء وشجاعة وثبات بألوان متعدّدة.

علما أن الفارق في موازين القوى العسكرية من حيث العديد والآليات والتكنولوجيا والقوة التدميرية كان هائلا في مصلحة الجيش الصهيوني، ومن حيث الدول العربية والعالمية التي غطت على عدوانه أو وقفت ضد حزب الله، وقد حمّلته ظلما مسؤولية اندلاع الحرب.

ولهذا كان من أهداف الحرب العدوانية على قطاع غزة أن تكون حاسمة عسكريا ودقيقة سياسيا وإعلاميا، وأكثر حشدا عربيا ودوليا، من أجل استعادة هيبة الجيش الذي لا يُهزم من جهة، ومن أجل تحقيق هدف إخضاع القطاع وتصفية قوة حماس وفصائل المقاومة فيه من جهة ثانية.

هذان الهدفان لا يستطيع مكابر أن ينكرهما. وذلك على الرغم من حرص القيادة السياسية الصهيونية على إبقائهما غامضين وغير صريحين وواضحين. وذلك لتجنب الخطأ الذي ارتكب في حرب لبنان عندما أعلن أن الهدف هو تصفية المقاومة. فكانت النتيجة وبالا حين لم يتحقق الهدف. وكان الفشل فاضحا كذلك.

ومن هنا يلاحظ أن الكيان الصهيوني خاض حربا لا تقل اتسّاعا وشراسة عن حربه في لبنان ولكن مع إبقاء الأهداف غامضة. لأنه لم يكن متأكدا من قدرته على الحسم، أو تحسّباً من انفضاحه مرة أخرى بالفشل أمام مقاومة متواضعة بقدراتها العسكرية حتى قياسا بالمقاومة في لبنان وعمقها الإستراتيجي السوري. وذلك عدا مشاركتها من ناحية المعنويات والتصميم على القتال والتضحية حتى الاستشهاد، وعدا الإعداد الجيد للدفاع عبر أنفاق ومخابئ بقيتا بعيدا عن إحداثيات العدو. ويمكن أن يضاف لها ميزة تتمثل في قوة الالتفاف الشعبي العربي والإسلامي والرأي العام العالمي.

لكن، حين يؤخذ في الاعتبار حاجة الجيش الصهيوني لاستعادة هيبته الردعية، والحاجة إلى التخلص من حماس والمقاومة وإخضاع القطاع ليتساوى مع الضفة الغربية في الخضوع للسيطرة الأمنية الأميركية الإسرائيلية...

ثم حين يؤخذ في الاعتبار الحشد العسكري الجوي والبحري والبري وعديد القوات التي احتشدت حول غزة لاقتحامها وكثافة النيران التي ضربت إحداثيات معدّة سلفا، وبطشت في استعراض للقوات الأمنية (تعتبر مدنية في العرف الدولي) فكانت فاتحة الحرب مجزرة ذهب ضحيتها أكثر من 170 شهيدا، وقد حسب أن تكون قيادة حماس في غزة من بينها...

عندئذ، لن يكون بمقدور أحد أن يشك في الهدف الإسرائيلي الذي أُريد من الحرب أن تحققه حتى لو لم يعلن صراحة ومقدّما خشية الفضيحة في حالة الفشل في تحقيقه كما حدث فعلا من حيث الفشل ولكن بقاء من راح يجادل في حدوث الفشل أو في حدوث الانتصار لقطاع غزة والمقاومة. وقد نسوا ما معنى قول ليفني لحماس وهي تعلن الحرب: "كفى.. كفى".

بل يجب أن يضاف إلى ما تقدم ليؤخذ في الاعتبار أيضا المواقف الدولية وبعض العربية والفلسطينية الرسمية التي انطلقت منذ اللحظة الأولى تنحو باللوم على حماس، وتحمّلها مسؤولية العدوان، وما سيترتب عليه. بل وصل الأمر ببعض الدول إلى حد المعاندة معه طوال فترة الحرب في رفضها، ومعارضتها الشديدة، لعقد قمة عربية طارئة ترفع الصوت المندّد بالعدوان والمطالِب بوقفه.

ولهذا لم يكتمل نصاب القمة الطارئة التي أصرّت قطر على عقدها. فعُقِدَت من دون أن تأخذ طابعا ممثلا لكل الدول العربية. ومع ذلك كان لها تأثيرها المساند لصمود شعب قطاع غزة وللمقاومة الفلسطينية، وكان لها أثرها لاحقا في زيادة عزلة العدوان وإضعاف موقفه.

وهذا ما عكسه أيضا الإعلام العالمي وبعض العربي، وإن فقد كل تأثير له على الرأي العام، أمام هول ما راح العدوان يرتكبه من جرائم حرب، كما أمام عظمة الصمود الشعبي والمقاومة التي لم تلِن لها قناة طوال 22 يوما.

هذا يعني أن العدو حين شن حربه العدوانية على غزة أعدّ عدّتها عسكريا وسياسيا وإعلاميا، فلسطينيا وعربيا ودوليا، ومع ذلك راح يدور حول نفسه 22 يوماً في المعركة البرية وهو غير قادر على اقتحام مواقع المقاومة، ومن دون أن يُجدي استخدام القنابل المحرّمة دوليا مثل الفوسفور الأبيض والدايم واليورانيوم المنضب في كسر إرادة الصمود الشعبي، أو في فرار قوات المقاومة وتخليهم عن مواقعهم وسلاحهم.

من يستطيع أن يقول إن العدو كان قادرا على اجتياح القطاع ولكنه أحجم عن ذلك من "كرم أخلاقه"، أو من أجل تحقيق هدف عبقري لم يعلن عنه حتى الآن. فإذا كان الهدف قتل المدنيين لإخضاعهم فقط، فلماذا الهجوم البري؟ وإذا كان الهدف إرعاب المقاومة فقط فلماذا الهجوم البري كذلك؟ إن استخدام القوات البرية لا معنى له غير الاجتياح والاحتلال والقتل والأسر وفرض الشروط.

من هنا لا حجة لمن ينكر فشل العدوان على قطاع غزة، ولا حجة لمن لا يرى في الصمود الشعبي وثبات المقاومة واستمرار إطلاق صواريخها سببا لوقف العدوان من جانب واحد مما فرض عليه الانسحاب بلا قيد أو شرط. ولكن مع عدم التقليل من أهمية ردود الفعل الشعبية العربية والإسلامية والعالمية وكذلك مواقف الدول التي تنادت لعقد قمة طارئة عربية في الدوحة من جهة الإسهام في عزل العدوان وفضح جرائمه وفي إحراج الدول والقوى التي تواطأت مع العدوان، أو تسترت عليه، أو لم تتحرك ضده.

إن الوجه الرئيسي لحرب العدوان على قطاع غزة كان فشله في تحقيق أهدافه وكان الانتصار التاريخي والإستراتيجي الذي يجب أن يدخل في حساب صوابية إستراتيجية المقاومة حيثما كان هناك عدوان أو احتلال.

أما الوجه الآخر لهذه الحرب العدوانية فيتمثل في ما ارتكب فيها من جرائم حرب وإبادة ضد البشرية ومن دمار وما خلفته من شهداء وجرحى ومشردين في العراء. إن هذا الوجه على الرغم من قوته يجب أن لا يطغى على الوجه الأول: انتصار المقاومة والصمود الشعبي في دحر العدوان.

ذلك لأن إبراز الانتصار يحمل بعدا إستراتيجيا هاما للغاية بالنسبة إلى القضية الفلسطينية وإلى الصراع ضد المشروع الصهيوني. وهذا هو الجديد الذي أكدته كل من المقاومتين في لبنان وفي فلسطين، أما المجازر والضحايا والخسائر المادية فيجب أن تستخدم في ظل تأكيد ذلك الانتصار، ومن أجل زيادة عزلة العدو ومحاصرته. بل لولا الانتصار ما كان من الممكن أن تتحوّل الحملة ضد المجازر والجرائم التي ارتكبها العدو إلى معركة دائمة وتنتقل إلى المسرح الدولي ولكان مصيرها كمصير أمثال لها أشدّ منها وأوسع ارتكبها العدو نفسه في نكبة 1948 وفي كل حروبه العدوانية.

فعلى سبيل المثال كان ضحايا العدوان الصهيوني عام 1982 على لبنان حوالي 19 ألف شهيد، بل في ليلة واحدة استشهد، في مجزرة صبرا وشاتيلا، أكثر من 2700 إنسان أغلبهم من النساء والأطفال والمسنين، وقد داست الجرافات المجنزرة بطون الحوامل.

من هنا يجب إبراز ما حققته المقاومة والصمود الشعبي من انتصار في دحر العدوان. فقطاع غزة ليس مندبة بل مفخرة للأمة.

التمنّن المصري الرسمي على الفلسطينيين

التمنّن المصري الرسمي على الفلسطينيين

د. عبد الستار قاسم


لا يتوقف مسؤولون مصريون، على رأسهم الرئيس المصري، وبعض الإعلاميين والموالين للنظام السياسي المصري عن التمنن على الفلسطينيين بالتضحيات التي قدمها الشعب المصري العظيم من أجل فلسطين والفلسطييين، ودائما يذكّرون الجميع بالحروب التي خاضتها مصر من أجل فلسطين، وبحجم الخسائر التي لحقت بمصر جراء ذلك.

ويقولون أحيانا إن مصر كانت تضحي والعديد من الدول العربية كانت تتفرج ولا تقدم ما يتوجب عليها تجاه قضية العرب الأولى. ويأتي هذا التذكير عادة ليبرر المسؤولون المصريون ومن والاهم السياسات التي تتخذها مصر منذ عام 1977، والتي تمخضت عن اتفاقية كامب ديفد وبناء الجدار الفولاذي على الخطوط الاستعمارية بين غزة وسيناء.

وكأن هؤلاء يريدون زجر الأصوات العربية المنتقدة، والقول بأنه لا يجوز لمن لم يقدم تضحيات مماثلة أن يتفوه بعبارات النقد.

ويبدو أن هؤلاء المسؤولين المصريين لم ينتبهوا إلى قول الله سبحانه وتعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى"؛ وقول الرسول عليه السلام: "لا يدخل الجنة منان." إنهم يكثرون من التمنن إلى درجة أنهم يؤثرون سلبا على الوعي العربي بقدسية تضحيات شعب مصر، وبكبرياء الدماء المصرية العربية التي نزفت من أجل قضايا عربية متعددة.

ما بين الشعب والنظام

لا أحد ينكر تضحيات الشعب المصري العربي الأبي الجسام من أجل الأمة العربية وقضاياها المختلفة، ولا يتنكر أحد للعبء الكبير الذي حمله الشعب المصري على الرغم من الإمكانات الاقتصادية والمادية المحدودة جدا، ولا أحد يقول إن الشعب المصري كان خلف الشعوب العربية، أو تلكأ يوما عن تحمل مسؤولياته الأخلاقية والقومية والدينية.

شعب مصر شعب عظيم، وهو الذي ينجب العظماء في مختلف الميادين، وهو السباق دائما إلى رفع اللواء وتقديم الغالي والنفيس. لقد قدم هذا الشعب تضحيات كبيرة في حروب متعددة ضد الاستعمار الإنجليزي، وضد الاستعمار الفرنسي، وضد الاستعمار الطلياني، وضد الاحتلال الصهيوني. وهو الشعب الذي حمل لواء الوحدة العربية، ودافع عن الثروات العربية، وعمل دائما على طرد الاستعمار من مختلف مناطق الوطن العربي.

لكن أيضا يجب ألا ننكر تضحيات شعوب عربية أخرى، واستعداد هذه الشعوب الدائم لتقديم التضحيات.

ولهذا النقد لا يتم توجيهه للشعب المصري، وإنما للنظام المصري الذي استخدم التضحيات لصناعة التبريرات. في الوطن العربي، علينا التمييز بين الأنظمة والشعوب لأن الأنظمة تفرض نفسها فرضا، وتستعمل مختلف أنواع القمع والتنكيل من أجل تصعير الشعوب وتصغيرها وإبعادها عن قضايا الأمة.

الأنظمة لا تمثل الشعوب، وهي جميعها تمارس سياسة الاستزلام (أي تربية بعض الناس من أجل أن يكونوا المدافعين عن النظام) وشراء الذمم، وتستخدم ثروات الشعوب من أجل استمرارها في الحكم. ولهذا من المتوقع أن نجد دائما من يدافع عن هذه الأنظمة دفاع المستميت، ليس حبا لها، وإنما حبا للمصالح الذاتية التي يتم جنيها.

كشف الحساب

ما دام النظام المصري يمن باستمرار على الفلسطينيين، أقدم له وأمام الشعب المصري وكافة الشعوب العربية كشف حساب حول المحطات الرئيسية في الصراع ضد الصهاينة، وهنا أجد نفسي أمام البوح بالمستور، وذلك لإجلاء الأمر:

حرب عام 1948: لقد أبلى الجيش المصري بلاء حسنا في القتال ضد الصهاينة عام 1948، واستولى على عدد من التجمعات السكانية اليهودية، وعلى بعض الطرق الرئيسية في جنوب فلسطين، وبعض تقاطع الطرق، ووصل إلى مدينة بيت لحم.

من الذي أفشل هذا الإنجاز؟ هو النظام المصري بقيادة الملك فاروق، والذي زود الجيش المصري بأسلحة فاسدة أدت إلى هزيمته في النهاية. لا الشعب الفلسطيني ولا الشعب المصري كانا سببا في الهزيمة، وإنما النظام المصري هو الذي زود الجيش بأسلحة تقتل حاملها دون عدوها.

عقب الحرب، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في غزة بتايخ 1/10/1948 قيام حكومة عموم فلسطين، وتم تشكيل أول وزارة فلسطينية للدولة الفلسطينية برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي. لقد أعلن الفلسطينيون دولتهم، وأقاموا حكومتهم، وهذا ما تغفله مختلف وسائل الإعلام العربية والفلسطينية لأغراض في نفس يعقوب. قام النظام المصري باستدعاء الحاج أمين الحسيني إلى القاهرة، وحجزه، ثم أرسل بقوات مصرية إلى غزة بمهمة اعتقال رئيس الوزراء والوزراء. وبهذا قوض النظام المصري الدولة الفلسطينية الوليدة التي لم تدم أسبوعا.

حرب 1956: لم تكن حرب 1956 بسبب فلسطين، وإنما بسبب العدوان الثلاثي الذي ترتب على تأميم القناة. هذا علما أن كل الشعوب العربية وقفت مع مصر في حينه على اعتبار أن مصر ومياهها وأجواءها عربية خالصة، وليس من حق الاستعمار البقاء أو الاستملاك، ولو كانت الفرص متاحة أمام هذه الشعوب لما توانت عن نجدة مصر بكافة الوسائل والأساليب. وقد عاشت تلك الشعوب نشوة النصر لأن القناة قد تأممت، ولم يعد لبريطانيا وفرنسا نصيب من مياهها.

لكن النظام المصري وافق على شروط إسرائيلية مقابل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وهي فتح خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية والذي هو مياه مصرية وسعودية خالصة، ووقف العمليات الفدائية من قطاع غزة، وتعديل الحدود الخاصة بالمنطقة المحايدة، والقبول بانتشار قوات الأمم المتحدة على الجانب المصري من الحدود فقط.

طبعا لا أريد أن أحمل الأمور أكثر من طاقتها في ذكر هذه الحقائق حيث أن مصر كانت ضعيفة عسكريا إلى حد كبير، ولم تكن قادرة على تحمل أعباء الصدام المستمر مع إسرائيل. لكن الحقيقة لا بد أن تُقال لكي يحصل الوضوح.

حرب 1967: لم يكن أي نظام عربي بمن فيهم نظام الرئيس جمال عبد الناصر مستعدا عام 1967 لخوض حرب ضد إسرائيل. كانت تعيش البلدان العربية في تلك الفترة أجواء مزايدات وشتائم وسباب متبادل، وكان كل نظام يحاول إظهار نفسه على أنه المدافع الأول عن حقوق شعب فلسطين. وقد أدت هذه المزايدات في النهاية إلى خوض حرب عشوائية ارتجالية رعناء دفع ثمنها الجندي العربي المصري والسوري والأردني والفلسطيني. وكانت النتائج وخيمة وما زال العرب جميعا يدفعون ثمنها.

حشدت الأنظمة العربية بمن فيها النظام المصري جيوشا للاستعراض وليس للحرب، ودون أن تكون تلك الجيوش مدربة أو منظمة أو صاحبة عقيدة قتالية حقيقية تقوم على الوعي ووضوح الهدف. ولا نستطيع القول إن تلك الأنظمة العربية قد خاضت حربا دفاعا عن الفلسطينيين أو لاستعادة الحقوق الفلسطينية، وإنما قدمت جيوشها قرابين، عن علم أو غير علم، كجزء من الصراعات العربية الداخلية، وربما لو كانت تعرف تلك الأنظمة نوايا إسرائيل الحقيقية لاختارت ساحة أخرى للمزايدات فيما بينها غير حشد الجيوش على خطوط وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

النظام المصري، ومعه أنظمة عربية أخرى ورطت كل الأمة العربية في تلك الحرب، وما زالت الأجيال العربية تدفع الثمن الباهظ.

حرب 1973: لم تنشب حرب 1973 من أجل استعادة فلسطين أو إعادة الفلسطينيين إلى ديارهم، وإنما من أجل إزالة آثار العدوان، أي استعادة الأراضي التي فقدتها سوريا ومصر عام 1967. طبعا إزالة آثار العدوان عبارة عن هدف نبيل، وقد التفت كل الأمة العربية حوله، ولا شك أن تحرير الأرض يتطلب التضحيات، لكن من المفروض أن يكون واضحا لدينا أن الأنظمة العربية لم تخض الحرب من أجل تحرير التراب الفلسطيني، وإنما من أجل تحرير الترابين السوري والمصري، علما أنني كشخص لا أميز بين هذا التراب وذاك، وأعتبر كل الأرض العربية أرضا مقدسة. وعلى الرغم من ذلك، لم تنجح الجيوش العربية في تحقيق هدف الحرب.

المهم أن مصر كان من الممكن أن تحصل على ما حصلت عليه في سيناء بدون حرب. عرضت إسرائيل مرارا على مصر الصلح وإعادة سيناء إلى الحكم المدني المصري، لكن النظام المصري لم يكن يقبل، وكان يردد دائما أنه يعمل على تحرير سيناء. لكن قبل النظام المصري في النهاية الحكم الذاتي المصري في سيناء، وقبل مختلف الترتيبات الأمنية التي تجرد مصر من السيادة على سيناء. فلماذا خاض النظام الحرب وضحى بشباب مصر إذا كانت المحصلة هي القبول بالشروط الإسرائيلية المطروحة قبل الحرب؟

واضح من النتائج التي انتهت إليها مصر أن النظام المصري كان يبحث عن مبررات للسير في طريق الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن السيادة المصرية على سيناء، وكانت الدماء المصرية هي المطية.

لم يرحم النظام شعب مصر، ولم يحترم دماء شباب مصر، واستعمل الآلام والأحزان المصرية من أجل الصلح مع إسرائيل. فهل نستطيع أن نحمل الشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية مسؤولية الدماء التي نزفت، أو سوء تخطيط النظام المصري؟ أو ربما سوء نوايا النظام؟

غزة

يكفي النظام المصري ما يصنعه الآن ضد غزة حتى يمحو أي حسنات قد قام بها في السابق، أو صدقات قد قدمها لشعب فلسطين. والنظام لا يشارك بقوة في حصار غزة فحسب وإنما يعمل باستمرار على تشويه صورة الناس في غزة والمسؤولين عن إدارة القطاع.

إنه يصور الناس في غزة بأنهم معتدون آثمون ينتهكون سيادة مصر ويهددون أمنها. إنه نظام يقلب الحقائق تماما، وكأنه صاحب سيادة على سيناء أو صاحب قرار.

النظام المصري الآن ينفذ ما يمليه عليه الإسرائيليون والأميركيون، ويغطي ذلك باتهام سكان غزة، ويحاول جاهدا من خلال هذه التغطية إثارة الكراهية والبغضاء بين الفلسطينيين والمصريين. هل من عاقل يظن أن أهل غزة يجتازون كل العوائق العسكرية والأمنية التي يقيمها الأميركيون في سيناء ويحتلون السويس أو الإسماعيلية؟

الفلسطينيون يدفعون الثمن

هناك لبنانيون يتحدثون بصوت عال قائلين إن لبنان يتحمل أعباء القضية الفلسطينية، وهناك أردنيون يتحدثون بذات اللهجة. وقد بدأنا نسمع أصواتا عراقية تعلو بذات الاتجاه، وحتى بعض أصوات المعارضة الإيرانية آخذة بالارتفاع.

لا يوجد فلسطيني ينكر للشعوب تضحياتها، لكن الأحزان والآلام التي لحقت بالشعوب لم يكن الفلسطينيون السبب فيها. إسرائيل ومن أقامها هم السبب الحقيقي في معاناة الفلسطينيين وكل الشعوب العربية والإسلامية. لولا إسرائيل، ولولا الدعم الغربي لإقامة إسرائيل ودعمها، ولولا تآمر أنظمة عربية أقامها الاستعمار وحماها ومولها لما عانى أحد في المنطقة من شيء اسمه القضية الفلسطينية.

أنظمة عربية عديدة شريكة في دعم إسرائيل، ولولا إصرار هذه الأنظمة على التجزئة العربية، لما وصل حال الأمة إلى مثل هذا التمنن. الفلسطيني الآن ملاحق في أغلب الدول العربية، وهو متهم من قبل أغلب الأنظمة العربية، وأجهزة المخابرات تحتفظ بملفات حول أغلب الفلسطينيين بتهمة الوقوف مع الحق الفلسطيني أو مع المقاومة.

الأنظمة العربية هي عنوان الفشل، والشعب الفلسطيني هو عنوان الملاحقة. أما الإسرائيلي فمحترم في دول عربية عدة، ولا تحتفظ المخابرات العربية بملفات للجرائم التي ارتكبها ضد العرب.

الخلل في الوضع العربي

ما يتمنن به المسؤولون المصريون على الفلسطينيين يعبر عن خلل عربي عام. الوضع العربي بقيادة هذه الأنظمة العربية يعاني من التردي والتدهور والتخلف على مختلف المستويات، والتنابز بما قدمه الواحد للآخر عبارة عن انعكاس لمستوى أخلاقي منهار يأخذ معه ما تبقى لهذه الأمة من ماء وجه.

لا يصل نظام عربي إلى مثل هذا التمنن إلا وقد وصل معه حال الأمة إلى مستويات سحيقة من التدني الذاتي، ومن التآكل والاضمحلال.

ولهذا أمام مفكري هذه الأمة ومثقفيها ومقاوميها أن ينهضوا ويعملوا معا من أجل تغيير دوران عجلة التاريخ. المسؤولية تقع الآن على الناس وليس على مسؤوليهم لأن المسؤولين يثبتون كل يوم خيبتهم وفشلهم، بل وتآمرهم مع أعداء الأمة نحو ما يجلب للأمة المزيد من العار والهزائم.

وأمام الشعوب العربية أن تقف معا في مواجهة هذا التمزق الذي لا يأتي عليها إلا بالويلات، وأمام الشعب الفلسطيني أن يثق بأمته العربية والإسلامية، وأن يعي أن وهنها طارئ لا بد أن ينكفئ يوما أمام عنفوانها.

يبحثون عن أسرار حزب الله

يبحثون عن أسرار حزب الله

د. عبد الستار قاسم


نشر مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب تقريرا حول قوة حزب الله العسكرية، وأكد في مجمله أن هذه القوة العسكرية تعاظمت منذ حرب تموز/2006، إنما دون إعطاء معلومات إحصائية صلبة يمكن الاستناد إليها في فهم ميزان القوى بين الحزب وإسرائيل. ربما كانت مسألة عديد قوات حزب الله هي الأكثر وضوحا من المسائل الأخرى التي تطرق لها التقرير. لقد صيغ التقرير إجمالا بعبارات عامة لا توحي بتوفر معلومات دقيقة يمكن استخلاص بعض النتائج منها.

مسألة المعلومات هي المسألة الشائكة بالنسبة لإسرائيل، وهي العنصر الأول في حيرة وتردد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. خاضت إسرائيل حرب تموز وهي تظن أنها تعلم، واكتشفت هي وأمريكا في اليوم الثاني للحرب أنهما لا تعلمان، وأن الحزب قد أعد جيدا للحرب، وخير إعداده تمثل في بقاء قدراته العسكرية سرا. تمكن الحزب من مفاجأة العدو، وحول كل أهدافه إلى سراب، واضطره إلى تقليص الأهداف إلى مجرد زيادة عدد قوات الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني، الأمر الذي لم يكن ضمن الأهداف الأولى المعلنة. لقد دفعت إسرائيل ثمن عماها المعلوماتي، واستطاع حزب الله أن يحافظ على عناصر المفاجأة بسبب حرصه الشديد على العمل سرا تحت الأرض.

ذات المشكلة ما زالت قائمة بالنسبة لإسرائيل، إذ هي كارهة لرؤية عدو قوي في الشمال، ويزداد قوة وفق تقديراتها، لكنها مترددة جدا في شن حرب تدمره لأنها ليست واثقة من تحقيق ذلك. إسرائيل تبحث جاهدة بكافة الوسائل عن سبل للتعرف على التطورات العسكرية والأمنية لدى حزب الله، وربما استطاعت استخباراته جمع بعض المعلومات، لكن تحرشها اليومي المسعور بالجنوب اللبناني يشير إلى ضائقة معلوماتية شديدة تعيشها. لا تتوقف إسرائيل عن استفزاز حزب الله في الجنوب أملا منها أن يرد الحزب ويستعمل بعض أسلحته الجديدة فيوفر لها معلومات ثمينة تمكنها من اتخاذ إجراءات وقائية. تنتظر إسرائيل من الحزب القيام بعمل ما يكشف بعض أسلحته، وهي في سبيل ذلك تتحمل تقريع قوات الأمم المتحدة والاتهامات المستمرة ضدها بخرق قرار مجلس الأمن 1701.

واضح أيضا أن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لا تحمل عصا لإسرائيل لوقف طلعاتها الجوية فوق لبنان، أو لوقف انتهاكها للخطوطالاستعمارية بين لبنان وفلسطين لأنها هي أيضا تريد أن تعرف حول تسليح حزب الله، وحول آخر ما أنتجته الصناعات العسكرية الإيرانية والسورية. الدول الغربية لا تهمها الانتهاكات ولا قرارات الأمم المتحدة، وإنما يهمها التعرف على الميزان العسكري الاستراتيجي لما في ذلك من أهمية في مسألة التخطيط والتدبير. ومن المحتمل أن استخبارات الدول الغربية، وقطعا بعض البلدان العربية تتعاون مع إسرائيل لاستجلاء ما يجري في الجنوب البناني، والتعرف على آخر الاستحداثات العسكرية.

واضح أن إسرائيل باتت تتشكك حول فعالية قواتها الجوية في أي حرب قادمة لأنها تتشكك بأن حزب الله قد بات يمتلك مفاجأة خاصة بالطيران الحربي، وهي تعي تماما أن نصرها في أي معركة لا يمكن أن يتأتى في حالة شلل قواتها الجوية. لكنها أيضا تتشكك بالنسبة للمستقبل حيث أن عدم شن الحرب سيؤدي إلى زيادة قوة حزب الله وارتفاع منسوب التهديد الاستراتيجي الذي يمثله. أي هي كبالع المنجل الذي لا يستطيع قذفه ولا يستطيع إبقاءه.

إسرائيل مستمرة في الإعداد للحرب القادمة، ومن الصعب معرفة ماذا تعد بالضبط لأنها متكتمة أيضا. فهي لا تفصح عن التسليح الجديد الذي لديها، ولا عن التدريب الذي تقوم به، ولا عن التكتيك العسكري الذي يمكن أن تتبعه في الحرب القادمة. لكن جهودها منصبة على أساليب ووسائل اكتشاف وتدمير مكامن حزب الله. هي مهتمة بالتأكيد في تجنيب مدنييها ويلات الحرب، لكن هذه مسألة تأتي في الدرجة الثانية من ناحية الاهتمام لأن النصر هو الهدف الأول، وهي تعي تماما أن مهمتها الأولى تكمن في سيطرة جيشها على الأرض ومنع اندحاره وليس في وقف إطلاق الصواريخ، وستركز أساسا على الأهداف التي تشكل خطورة كبيرة على آلياتها العسكرية سواء على الأرض أو في الجو.

من المتوقع أن تميل إسرائيل في أي حرب قادمة نحو المزيد من الاعتماد على الحرب الإليكترونية. ستستخدم طائرات إليكترونية بكثافة، والإنسان الآلي أيضا كمجسات متقدمة، ومن المحتمل أنها طورت قنابل ذات قوة ارتجاجية ضخمة تؤثر على مخابئ حزب الله. ستشهد الحرب القادمة تركيزا إسرئيليا على تحت الأرض وليس فوق الأرض، وقناعتي أن حزب الله قد طور أساليب ووسائل قتالية جديدة تختلف عن تلك التي استعملها في حرب تموز.

هل الافتراض بأن إسرائيل هي التي ستهاجم صحيحا؟ طبعا لا، لكن حزب الله يفضل الحرب الدفاعية على الهجومية لأن الهجومية تعني الخروج إلى سطح الأرض. لقد ضاعف حزب الله عديد جنوده بعدة مرات، مما يشير إلى نواياه بالتقدم البري. الجبهة اللبنانية لا تحتاج لأكثر من عدة آلاف في حرب دفاعية مخندقة، وعشرات الآلاف من القوات تشير إلى نوايا هجومية. لكن المسألة غير الواضحة تتعلق فيما إذا كان حزب الله ينوي التقدم بقوات أرضية في حرب دفاعية أم في حرب هجومية. الحرب الدفاعية هي بالتأكيد المفضلة، ونتائجها هي التي تمكن حزب الله من التقدير الصحيح لنجاح أي تقدم بري باتجاه المستوطنات الصهيونية في الشمال. إذا نجح الحزب في شل الطيران الإسرائيلي ودحر المدرعات الإسرائيلية فإن الطريق ستصبح سالكة أمامه للتقدم إلى الشريط المحاذي للحدود الاستعمارية. هذا أمر خاضع للتقديرات الميدانية، على الرغم من أن الاحتمال وارد بأن قوات حزب الله قد تدربت جيدا فيما يخص هذا الاحتمال.

أما فكرة الحرب الهجومية من قبل حزب الله، فمن الصعب أن يقوم بها الحزب دون استعداد جيش نظامي قوي للمساندة.

تدخل الجبهة الداخلية في كلا الطرفين في الميزان العسكري. إسرائيل تعاني الآن من غنج أناسها وجنودها. الجيل المؤسس قد انتهى، وأتى جيل الإنترنيت والكيت والكات، ولم تعد تلك الروح القتالية التي سادت موجودة. أما حزب الله فيواجه أزمة داخلية أكبر متمثلة بتآمر جزء من جبهته الداخلية ومن العرب عليه. حزب الله قوي بإعداده واستعداده، ومهموم بخيانة بعض أبناء جلدته. قوى الاعوجاج (ما يسمى بالاعتدال) العربي واللبناني ستقف ضده، وستعمل على دعم إسرائيل بما أمكن.

الملاحظة الكبيرة في كل المسألة أن إسرائيل قد توقفت منذ حين عن المرجلة والزمجرة على العرب. كانت يدها في السابق تسبق كلامها، أما الآن فكلامها كثير وفعلها قليل، ولا تستعرض عضلاتها إلا على حلفائها المسمون بالمعتدلين العرب.

على هامش زلزال هايتي

على هامش زلزال هايتي

منير شفيق


ضرب زلزال جزيرة هايتي الصغيرة، المتواضعة في بنيانها وعمرانها وقدراتها، وعدد سكانها الذي يكاد لا يصل الثلاثة ملايين. وكان أثره دماراً وحصاداً للأرواح كبيراً، فاق ما خلّفه إعصار تسونامي من دمار وقتلى وجرحى ومشردّين.

في هايتي الآن دمار شبه كامل للبنى التحتية وصولاً إلى قصر الرئاسة نفسه، وفيها ما يقارب 200 ألف قتيل و250 ألف جريح، ومليونين بحاجة إلى مختلف أنواع المساعدة من طعام وإيواء ودواء. ولعل أخطر ما قد يضرب هايتي يأتي من احتمال انتشار الأوبئة بسبب تعفن جثث الموتى في الشوارع وبطء دفنها.

سارعت إدارة أوباما إلى وضع يدها على مطار هايتي، وأرسلت بوارج حربية إلى شواطئها، وأعلنت إرسال عشرة آلاف جندي للسيطرة على الأمن، والإشراف على توزيع الأغذية والمساعدات. وكلف الرئيس الأميركي باراك أوباما الرئيسين السابقين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش بجمع الأموال لمساعدة ضحايا الزلزال وتسلُّم إدارة «صندوق كلينتون-بوش من أجل هايتي». (انتبهوا الرؤساء ينفع بعضُهم بعضا أيضاً).

هذا، ولم ينس باراك أوباما الإعلام ليستعرض مراسيم تعيين الرئيسين العتيدين في المهمة الإنسانية-النبيلة الجديدة، مصرِّحاً بأن حاجة هذا البلد الصغير القابع في منطقة الكاريبي إلى المساعدة «ستمتدّ شهوراً وسنوات». وهذا يعني أن الوجود العسكري الأميركي الذي يسيطر الآن على هايتي سيَمتد شهوراً وسنوات، الأمر الذي راح يقلق كوبا وفنزويلا وبوليفيا من النيّات المبيّتة وراء الاستخدام الأميركي لكارثة الزلزال تحقيقاً لواحد من الأهداف الاستراتيجية الأميركية في البحر الكاريبي، وهو احتلال هايتي مرّة بعد أخرى.

من يُدقق في مجموع الخطوات التي اتخذتها إدارة أوباما في «نجدة» هايتي سيجدها خلال الأيام السبعة الأولى من بعد الزلزال كانت ذات طابع عسكري لا علاقة لها بالنجدة السريعة المباشرة لضحايا الزلزال. فقد كانت الأولوية إرسال الجنود ووضع اليد على هايتي، بما في ذلك التحكم بحراك الدول الأخرى التي هبّت للمساعدة. وقد انفردت إدارة أوباما التغييرية في تقرير كل ما يتعلق بوصول المساعدات وتوزيعها، وأصبح دور الرئيس وحكومته لاغياً عملياً، وعلى العالم المساعدة من خلالها.

هذه السيطرة العسكرية على الجزيرة وهذا الانفراد في التحكم بأي مساعدة خارجية أثارا احتجاجات واسعة، وكان أبرزها الاحتجاج الفرنسي الذي وُجِّه إلى إدارة أوباما حول الوضع في مطار العاصمة الهايتية «بورأوبرنس»، حيث «منعت طائرة مستشفى فرنسية من الهبوط»، وهو ما أعلنه وزير الدولة الفرنسي لشؤون التعاون ألان جويانديه.

إن منع طائرة مستشفى من الهبوط لنجدة ضحايا الزلزال يكشف بصورة صارخة الأهداف الأميركية التي تحكمت في سياسة المساعدة الأميركية لهايتي، حيث يمكن القطع هنا أن الأولوية لم تكن لنجدة الضحايا والتخفيف من المأساة الإنسانية، وإنما السيطرة العسكرية على الجزيرة والانفراد في التحكم بكل ما يتعلق بها من الآن فصاعداً، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ومصيراً، حتى لو كان ثمن ذلك التباطؤ في وصول المساعدات الإنقاذية.

لقد صوّرت أجهزة الإعلام تظاهرات الاحتجاجات للمئات من ضحايا الزلزال، في اليوم السادس من وقوع الكارثة، وهم يطلبون ما يسدّ الرمق من الطعام فقط، وكان ذلك في العاصمة، أما في الضواحي والقرى والبلدان الأخرى فقد تُركت آثار الزلزال تأخذ مداها حتى الحد الأقصى.

ثمة تقديرات بأن الضحايا من الجرحى والأحياء تحت الركام -بسبب بطء وصول المساعدات والنجدة- قد تقترب أو تفوق أعداد الذين قضوا في الزلزال ساعة وقوعه. وهذه الظاهرة، بهذه المناسبة، مكرّرة في كل حالات الكوارث الطبيعية التي تحدث لشعوب تنتمي إلى بلدان العالم الثالث، الأمر الذي يسمح بالقول إن وراء ذلك سياسة وليس مجرد صعوبات في سرعة التحرك إلى الموقع والإنقاذ المباشر. وقد كتب عن ذلك في كثير من المناسبات وسرّبت تقارير سريّة تتضمن الحث على إبطاء وصول المساعدات والنجدة قدر الإمكان حتى لو بيوم واحد أو ساعات، لأن كل تأخير حتى لو كان بالدقائق والساعات، ناهيك عن الأسبوع الأول، يزيد من الضحايا، وهو ما يلتقي مع استراتيجيات التخفيف من سكان العالم الثالث، والفائضين عن حاجة النظام الرأسمالي الإمبريالي العولمي.

لمن يريد أن يرفض وجود مثل تلك السياسات لدى بعض الدول الكبرى وفي مقدّمها الولايات المتحدة الأميركية، له أن يفعل ذلك، ولكن الوقائع تؤكد أن ثمة بطئاً في وصول المساعدات للمناطق المنكوبة، ويمكن إيراد الكثير من الأمثلة التي تثبت التباطؤ، سواء أكان متعمّداً أم غير متعمّد، وهذا هو مثال هايتي يجأر بهذه الحقيقة بعد مرور أسبوع على الكارثة.

ثم هنالك أيضاً ظاهرة عدم التناسب بين جعل المتاجرة بتقديم المساعدات والإعلان عن تأسيس صناديق لجمع التبرعات من جهة، وبين التلاشي التدريجي للفعل بعد انتهاء الحفل الإعلامي، لننسى الكارثة من جهة أخرى، كما بين إنفاق قسم كبير، إن لم يكن الأكبر من الأموال التي جُمِعت كمصاريف إدارية وخدماتية وليس لتضميد الجراح وإعادة البناء من جهة ثالثة.

فيا لهذا العالم الظالم ونظامه السائد وقادته الأشدّ ظلماً.

مع نكبات الآخر .. ما سر "البلادة" العربية؟

مع نكبات الآخر .. ما سر "البلادة" العربية؟

منى سليم


لماذا انسحب عنا الإحساس بالمسئولية والشعور بالغير، لماذا نقف ننظر لهؤلاء الغرباء يأتون من كل مكان في العالم لفك الحصار عن غزة، ومن بعده ينطلق العالم لنجدة هايتي في حين تتواضع الهمة العربية والإسلامية في هذا الجانب؟ ولماذا لم يتحرك سوى النذر القليل من المصريين حين أطلقت منظمات مدنية دعوى لتكوين قوافل شعبية لنجدة منكوبي السيول في الصعيد وسيناء؟

الإجابة عن هذا السؤال كانت الشغل الشاغل لكثير من المهتمين برصد الحالة النفسية والاجتماعية التي تتحرك داخلها المجتمعات والشعوب العربية، والتي كانت حتى وقت قريب تتفاخر باختزانها درجة كبيرة من التراحم داخلها.

تفتيت الجماعة والفردية المتوحشة

من جانبه يرى د. محمد المهدي، استشاري الطب النفسي ومستشار القسم الاجتماعي بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، أن الأمر أصبح مقترنا وبشدة بأوضاع الكرامة والحريات لدى المواطن العربي الذي يفتقد كثيرا من مشاعر التحقق الذاتي ويتلقى كثيرا من أشكال القهر والمهانة مما كون لديه شعورا سلبيا تجاه نفسه وقضاياه فما بالنا بشعوره بالآخرين، في حين خطت المجتمعات الأوروبية، على وجه الخصوص، عبر أجيال وأجيال خطوات واسعة في الاتجاه نحو الحرية والتحرر الإنساني، فانتقلت من الجمود للجنوح ثم أوجعتها ماديتها فحافظت على مزيد من انطلاقها، ولكنها بحثت عن سياق روحي لتسبح من خلاله ولهذا نجد فتاة أوروبية تقف أمام جدار أصم وتموت، في حين يعيش ملايين من العرب في شبه موت من كثرة اللامبالاة واللاشعور بالغير.

ويؤكد أن الواقع بأغلب الدول العربية حول أهلها إلى مجموعة من السكان ببناية واسعة، وفي مرحلة تاريخية تم الإيحاء لهم بأنه لم يعد هناك قضية قومية أو أمة واحدة ننتمي إليها وهو ما أعطى إشارة خضراء لكل إنسان داخل هذه البناية أن ينشغل بلقمة العيش، وأن ينغمس في هذه الحالة من الفردية المتوحشة.

ويحذر المهدي من خطورة تنامي هذا الإحساس داخل الأفراد وبخاصة الشباب حيث لا يهتم معظمهم بمتابعة الأمور العامة والمشاركة بها إلا من خلال الدردشة والتعليق أمام أجهزة الكمبيوتر، ويرى أن قليلا منهم ينخرط في حركات اجتماعية من خلال رابطات سياسية أو جمعيات خيرية، وقلما نجد منهم من يتبرع لرفع أنقاض أو إنقاذ منكوبين رغم أن هذه السن ترتبط بالحركة وتأجيج مشاعر الانخراط والدفاع عن المجتمع والإنسانية.

ويعود المهدي مرة أخرى للظروف التي أقرها الواقع الاجتماعي والتي فرضت على أهله حالة من التهميش، مؤكدا أن القهر الاجتماعي الذي تتعرض له المجتمعات العربية كان من أهم نتائجه غياب النموذج القادر على التوحد مع مشكلات بيئته، تفاديا للضغط السياسي والاجتماعي بتجنب الآخر وتجنب المواجهات، خاصة في وجود محاذير ومعوقات تضع كل تجمع في دائرة وتحيطه بالتساؤلات الأمنية والسياسية، مشيرا إلى أن هذه النوعية من الكوارث والنكبات تحتاج إلى تحرك جماعي، في حين أن سياسة أغلب البلدان النامية هي تفتيت أي جماعة، أيا كان وصفها، حتى لا تتحول لجماعة ضغط.. فيفقد الإنسان إيمانه بقدرته على التغيير.

ثقافة الطفولة المتأخرة

"ثقافة الطفولة المتأخرة".. هكذا تصف المشكلة د. نعمت عوض الله، المستشارة الاجتماعية بشبكة "إسلام أون لاين"، قائلة إن المقصود بها تمحور الإنسان حول نفسه ورغباته بشكل شديد فلا ينظر إلى ما يلي هذه اللحظة ولا يعرف إلا نفسه ولا ينشغل إلا بإسعادها، وترى أن حال شباب اليوم هو أوضح نموذج على ذلك، فبدلا من أن يكون ما يتمتع به من صحة وحماس مدخلا لسرعة تحركه لنجدة الغير نجده يتململ من فكرة العطاء ولا يتحمس لها.

فرضية أخرى توضح تملك الفردية داخل الأسرة العربية، تشير إليها د. نعمت حيث تقر بأن التكنولوجيا لعبت دورا كبيرا في تفكك الجماعة وعدم شعور أي فرد بها بالآخر، مما أفرز حالة القصور التي نشاهدها اليوم والتي يسبح بها الجميع، فلا يرى الفرد إلا حاجته ولا يدرك أن كل ما بين يديه اليوم ويسبب له شعورا بالاكتفاء قد يذهب غدًا ويحتاج إلى من يفكر به ويمد له يد العون، علاوة على ما لعبته الفردية والسعي وراء كل متعة إلى افتقاد الإنسان متعة أخرى وواحة نفسية خضراء يحط بها كل من يقدم يد المساعدة للغير ويتذوق طعم المسئولية الاجتماعية.

وفي إشارة لدور ثقافة العولمة التي جعلت الأولوية للتعامل مع الآلة لا مع البشر تضيف أن أغلب المديرين بالشركات الخاصة لم يتجاوزوا الثلاثين من العمر نظرًا لقدرتهم العالية على التعامل مع التكنولوجيا، في حين أن موقع المدير تكون أولى مهامه إدارة البشر قبل المهام الأخرى وهي المهمة التي تعتمد بالأساس على الخبرة وكثرة التعامل مع البشر، وهو ما يفتقده أغلب الشباب في مجتمعنا بالوقت الحالي، مؤكدة أن الحل يعتمد على ضرورة إعلاء ثقافة الجمع ضاربة مثلا بمن يخرج ليدعو الناس لإطفاء حريق أحاطت بحيهم، وردة الفعل المتوقعة مقارنة بمن ينطلق يطالب المارين بالقدوم لتطفئة منزله هو فقط.

قهر الآلة

ويتفق مع هذا الرأي د. أحمد البحيري -استشاري الأمراض النفسية- الذي يرى أن مجتمعات الغرب عانت كثيرا من تأثيرات الميكنة والسرعة، وأخذت تبحث عن مخرج بالمسارعة في التمدد داخل العالم والتمرد على قهر الآلة، لكننا في المجتمعات العربية ما زلنا في مرحلة علمية متأخرة، لم نستوعب التكنولوجيا بعد حتى نستطيع التغلب على آثارها، فهو سباق سرعة أكثر منه شعورًا بالسلبية أو تملكا للفردية والأنانية.

ويؤكد أن سرعة الحياة وتوالي الأحداث أصابت الإنسان رغما عنه بحالة من البلادة، وكأن أقوى ما يمكن أن يشارك به هو المتابعة والتضامن القلبي لا أكثر.

التبعية تقضي على المشاركة

وتعتبر أمينة كاظم -أستاذ علم النفس- أن التبعية في مجتمعاتنا لعبت دورا في عدم شعور الفرد بقدرته على المشاركة، مشيرة إلى أن الطفل منذ صغره يحتاج لموافقة أبوية ومدرسية على كل كبيرة وصغيرة في حياته، ومن بعدها تكون سلطة "الشلة" أو الرفاق، ثم يأتي من بعدها المتسلط الأكبر وهو المال أو مصدر الرزق متمثلا في مدير العمل على سبيل المثال، وجدول الحضور والانصراف، وغيرها من الالتزامات التي تغرق الإنسان في روتينه اليومي ولا يستطيع كسره لا لنجدة غيره ولا حتى للترفيه عن نفسه.

أبو راتب .. عنوان آخر لإضطهاد مسلمي أمريكا

أبو راتب .. عنوان آخر لإضطهاد مسلمي أمريكا

أسامه أبو أرشيد


هكذا نحن مسلمو أمريكا، لا نكاد نستفيق من صدمة ونتعافى من ضربة، حتى تحل بنا واحدة جديدة وتهوي علينا أخرى. أبدأ بهذه العبارات على خلفية اعتقال المنشد الإسلامي السوري محمد مصطفى مسقفة، المشهور بأبي راتب (47 عاما)، وذلك خلال عودته الأسبوع الماضي برا من كندا إلى ولاية ميتشغان الأمريكية، حيث كان يقيم ويعمل.

فيوم الجمعة (22/1)، وخلال محاولته العبور إلى الولايات المتحدة عبر جسر "السفير"، اعتقلت سلطات الجمارك وأمن الحدود، أبا راتب، بناء على لائحة اتهام موجهة ضده، ولم يكشف عنها من قبل، تتهمه بالكذب على عناصر من مكتب التحقيقات الفدرالي "أف. بي. آي"، وسلطات الهجرة، فضلا عن "الاحتيال" في أوراق طلب الحصول على الجنسية الأمريكية، حيث إن أبا راتب يحمل كرت الإقامة الدائمة في أمريكا (الكرت الأخضر)، كما تتهمه اللائحة أيضا بالحنث باليمين.

وتزعم الحكومة، حسب بيان مكتب الادعاء للمقاطعة الشرقية لولاية ميتشغان، والصادر في نفس يوم اعتقال أبي راتب، أن هذا الأخير، "احتال" بطلبه للتقدم بالجنسية الأمريكية عام 2002، وذلك عندما لم يذكر فيه أنه اشتغل في فترة ما مع مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية "هولي لاند فونديشين"، والتي أغلقتها الحكومة أسابيع قليلة بعد هجمات أيلول 2001، بحجة دعم حركة حماس. وقد أدينت المؤسسة وخمسة من موظفيها ومتطوعيها في مدينة دالاس/تكساس أواخر عام 2008، في حكم إشكالي بعد محاكمة مثيرة وطويلة، تضمنت عجز هيئة محلفين عام 2007 عن إدانة أي من المتهمين الخمسة، غير أن غياب القاضي عن محكمته يوم صدور الحكم، وعودته أربعة أيام بعد صدوره، أحدث ارتباكا وخللا لدى مُحَلَّفَيْنِ من أصل 12 غيرا رأيهما خلال تلك الأيام الأربعة. وبسبب ذلك الخلل، تمكنت الحكومة من محاكمة المؤسسة ومسؤوليها ومتطوعيها الخمسة مجددا، وإدانتهم في قضية لم تنته فصولها بعد في المحاكم الأمريكية.

ويزعم بيان الادعاء أيضا، أن أبا راتب "كذب" على عناصر من "أف. بي. آي" عام 2003، وذلك عندما أخبرهم بأنه لم يعمل مع مؤسسة الأرض المقدسة كموظف، وإنما ساهم كمنشد في بعض أنشطتها قبل إغلاقها، وبأنه لم يتلق يوما تعويضات عن عمل له مع المؤسسة، خارج سياق فرقة الإنشاد. غير أن الحكومة تزعم، أن أبا راتب عمل فعليا مع المؤسسة في مكتبها في مدينة ديترويت في ولاية ميتشغان ما بين عامي 1997-1998، وبأنها عثرت على شيكات مكتوبة له من قبل المؤسسة تؤكد مزاعمها. كما وجه الادعاء إلى أبي راتب تهمة الحنث باليمين، وهي التهم التي لو أثبت ضده، لا قدر الله، فإنه قد يسجن بسببها 23 عاما، ويغرم سبعمائة وخمسين ألف دولار (750,000)!!.

بداية لا بد من الإشارة هنا إلى أن أبا راتب أنكر في أول ظهور له في المحكمة (الاثنين 25/1) كل هذه التهم الموجهة له، كما أن محاميه يصر على أنها تهم بلا دلائل، وهذه أمور سيتم الفصل فيها في المحكمة.

الآن، ما ينبغي قوله هنا، إن قضية أبي راتب ليست حادثة معزولة تتحرك ضمن فراغ، بل إنها تمثل حلقة جديدة في سياق مستمر لاستهداف المسلمين في أمريكا منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي تقريبا، وتصاعدت بشكل حاد ورهيب بعد هجمات أيلول 2001 على كل من نيويورك وواشنطن. ولا أريد هنا أن أكرر ما كنت كتبته من قبل في مقالات سابقة في السبيل عن هذه الحملة وفصولها وحوادثها، ففيها ما يكفي لإعطاء صورة موجزة ومبسطة عن واقع الرعب والظلم الذي يحياه مسلمو أمريكا.

شخصيا التقيت أبا راتب مرات كثيرة، لعل آخرها كانت عام 2008 في نشاط للجالية المسلمة في مدينة شيكاغو في ولاية ألينوي. هذه الشخصية الوادعة والمحببة للقلب، لها مكانة كبيرة بين أبناء الجالية المسلمة في أمريكا، خصوصا العرب منهم، وبشكل أكثر تحديدا في مدينة ديترويت وضواحيها، حيث كان يقيم ويعمل مدرسا في إحدى المدارس الإسلامية.

لا أزعم معرفة عميقة به (وإن كنا نعرف بعضنا بعضا)، ولا أزعم كذلك أنا كنا على تواصل دائم، فمكان إقامتينا متباعدان كثيرا، ولكنني أعرفه بما فيه الكفاية لأقول بأن الرجل جاء إلى هذه البلاد طامعا بغد أجمل، وأمن أكبر، واستقرار أفضل، ولكنه ومن الأسف، وكحال مئات، بل وآلاف المسلمين، وجد تحيزا واستهدافا لكل من انخرط بالعمل الإسلامي المشروع والقانوني لتحسين واقع مسلمي أمريكا، وصياغة مستقبل أفضل لهم، فضلا عن محاولة الدفع باتجاه أمريكا أفضل وأكثر عدالة للجميع.

هذا لا يعني أن أبا راتب كان منخرطا بالعمل السياسي، فأنا مذ التقيته أول مرة (في حدود عام 2000)، وهو يبتعد عن الدخول والخوض بالسياسية، وما أعلمه عنه منذ تلك الفترة أن الرجل بالإضافة إلى عمله بالتدريس، كان يقوم بالإنشاد بالتعاقد مع فرق عدة. بل إن أبا راتب توقف حتى عن النشيد الذي يحمل مضامين سياسية في مرحلة ما بعد هجمات أيلول 2001، وربما قبل ذلك، على الأقل في أمريكا.

ولكن حقيقة كون أبي راتب لا يتدخل بالسياسة ولا ينخرط حتى بالجهد الحقوقي والمدني للجالية المسلمة في أمريكا، واكتفائه بالتعليم للأطفال والنشيد غير المسيس، لم يشفعا له عند بعض من لا يريد بالمسلمين خيرا في هذه البلاد. فكان أن استهدف كغيره، وعطل حقه بالحصول على الجنسية الأمريكية، ثمّ تزايدت عليه الضغوط حتى اضطر فيما أعرف إلى التوجه إلى الشارقة أو غيرها للعمل، ثمّ عودته الأخيرة، التي يبدو، كما سمعت من بعض الأصدقاء المشتركين، التي جاءت لتجديد بطاقة الإقامة الدائمة التي شارفت على الانتهاء.

بعض المواقع اليمينية المعروفة بارتباطاتها الصهيونية في الولايات المتحدة، فتحت ملفا لأبي راتب بهدف التحريض والتشنيع عليه، مشيرة إلى أنه أنشد يوما لحركة حماس. طبعا هم يعلمون أن الإنشاد لحماس، أو أي مجموعة أخرى، حتى لو كانت "القاعدة" نفسها، أمر محمي في الولايات المتحدة بالتعديل الدستوري الأول، والذي ينص في أحد أبعاده على حرية التعبير. هذا طبعا إن لم يتحول هذا الدعم اللفظي إلى دعم مادي بأي شكل من الأشكال. ولكن لماذا يقومون بذلك إذا كانوا يعلمون أنه لا يمكن محاكمته على أناشيده القديمة تلك، حتى لو كان أنشدها قبل اعتقاله ببضع دقائق؟

ببساطة، إنهم يحاولون التأثير على الرأي العام لتبني موقف سلبي منه. وإذا ما نجح مسعاهم ذاك، فإن هذا يعني تسهيل إدانة الرجل في المحكمة، ذلك أنه سيحاكم أمام هيئة محلفين مشكلة، عبر اختيار عشوائي، من قبل مواطنين أمريكيين عاديين يقيمون في محيطه السكني بتعريفه الواسع. ومع أن المحلفين مطالبون دستوريا وقانونيا بالفصل ما بين قناعاتهم المسبقة وتجنب أي تغطيات إخبارية حول موضوع المحاكمة التي أنيطت بهم، وما بين الحقائق التي تقدم في المحكمة، إلا أن طبيعة البشر غلابة، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بأقلية، كالمسلمين في أمريكا، ممن يتعرضون لعملية تشويه بشعة من قبل بعض الأطراف اليمينية والصهيونية صباح مساء.

إحدى المبادئ التي ينص عليها الدستور الأمريكي ويقدسها هو مبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون. هذا المبدأ والذي يقدسه الإسلام أيضا، للأسف لا يجد تجسيدا دائما له على الأرض في أمريكا. وقد فصلت في مقالي في السبيل قبل أسبوعين "وجاء دور المسلمين... قيم أمريكا عندما تصبح شعارات دون مضامين"، بعض المراحل التاريخية التي شهدت اعتسافا على هذا المبدأ، وأشرت حينها إلى أن مسلمي أمريكا هم ضحايا الاعتساف في هذه المرحلة. وها هو أبو راتب يضاف كعنوان جديد لهذا الاعتساف غير العادل في هذه الحقبة الزمنية الجديدة في التاريخ الأمريكي.

ولكن وقبل أن أستطرد أكثر في تفسير هذا المعطى، لا بد من إشارة تدخل في باب الموضوعية، ذلك أنه وبشكل عام فإن مبدأ المساواة في الفرص والوظائف وأمام القانون في أمريكا، هو المبدأ الغالب والحاكم في الأعم، وعادة ما تنتصر السلطات الحكومية سواء الفدرالية منها أم الولائية، فضلا عن القضاء، لهذا المبدأ، وكثيرا ما استفاد منه المسلمون أيضا. ولكن عندما يتعلق الأمر بالعمل الإسلامي القانوني والمشروع في أمريكا، وتعلو النبرة المفتعلة والمبالغ فيها "الحرب على الإرهاب"، يُغَيَّبُ هذا المبدأ بشكل مريب.

أقول ذلك بناء على تجارب نَفَذَ فيها آخرون من سلطة القانون عندما تعلق الأمر بتهم كتلك التي توجه اليوم لأبي راتب، ولكن طبعا في سياق آخر غير العمل الإسلامي.

خذ مثلا وزير المالية الأمريكي، تميثي غايثنر، والذي اتضح خلال جلسات مناقشة تثبيته في موقعه في مجلس الشيوخ الأمريكي في شهر كانون الثاني من العام الماضي أنه لم يدفع بعض الضرائب المستحقة عليه، وبأنه قدم معلومات خاطئة فيما يتعلق بذات الأمر في وثائق رسمية. لو طبق عليه القانون بحرفيته لما كان غايثنر وزيرا للمالية اليوم، ولربما دخل السجن أيضا. ونفس الأمر ينطبق على الكثير من أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس الأمريكي، إذ لا تكاد تمر بضعة أشهر حتى تطفو إلى السطح فضيحة جديدة لهذا العضو أو ذاك، تتضمن في حالات كثيرة الحنث باليمين، أو إعطاء معلومات مضللة لعناصر فدراليين، ولكن قليلا منهم يدخل السجن.

في سياق التحريض اليميني والصهيوني على أبي راتب، والذي أشرنا إليه سابقا، ربما ينبغي أن نشير هنا إلى المستوى المنحط الذي وصلت إليه. فهذه التحريضات وصلت إلى حد اتهام محاميه دريد الدر بأنه "اعتذاري" عن "الإرهاب" الذي يصفه بـ"المقاومة"، حسب ما تقوله تلك المواقع الهابطة. وتزعم تلك المواقع بأن دريد فلسطيني، رغم أنه لبناني، وذلك فيما يبدو في مسعى لإدانته بدعم "الإرهاب" الفلسطيني، الذي تزعم تلك المواقع أن موكله أبا راتب أنشد له مبجلا في الماضي. ولا يتوقف انحطاط تلك المواقع عند هذا الحد، بل وصل بها الأمر إلى أن يهاجموه (دريد) بسبب أن بعض النساء في عائلته محجبات، بما في ذلك إحدى قريباته (شارلين مقلد الدر)، والتي هي أول قاضية مسلمة محجبة في التاريخ الأمريكي، وهي قاضية حاليا في ولاية ميتشغان.

لذلك كله، ينبغي أن ندرك أن أبا راتب ما هو إلا ضحية جديدة في سياق الكراهية والتمييز والهستيريا ضد المسلمين في أمريكا، والتي تشحنها بعض الجهات.. ضحية سبقتها مئات، ويبدو أنه سيلحقها آخرون بالعشرات. ولا يكاد أحد يعرف إن كان هذا الاستهداف الأعمى لعمل مشروع وقانوني في أمريكا سيصل يوما إلى نهاية. لقد تعشم المسلمون خيرا بانتخاب باراك أوباما للرئاسة، ورغم كلماته الإيجابية عن الإسلام والمسلمين، إلا أننا لم نر ثمارها بعد على أرض الواقع.. هذا إن كانت ستثمر أصلا في يوم ما!

أبو راتب .. في قبضة أوباما

أبو راتب .. في قبضة أوباما

ياسر الزعاتره


قبل أيام أقدمت السلطات الأمريكية على اعتقال المنشد الإسلامي المعروف محمد مصطفى مسفقة (أبو راتب)، وذلك على خلفية قضية مؤسسة الأرض المقدسة المتهمة بدعم وتمويل حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

أبو راتب هو أحد الأصوات العذبة والمميزة في عالم النشيد الإسلامي، وهو فنان حقيقي ينشد ويلحن، بل ويكتب في بعض الأحيان، وهو في واقع الحال من الآباء المؤسسين لهذا الفن، وإن جاء بعد جيل سوري سبقه إلى هذا المضمار.

على يد (أبو راتب) ازدهر النشيد الإسلامي، وكانت له مساهمته الحقيقية في صناعة الصحوة الإسلامية التي اختطفها بعد ذلك متطفلون حرّموا النشيد واعتبروه من المنكرات، غير مفرقين بينه وبين الغناء الهابط.

على هذه الخلفية يمكن القول إن (أبو راتب) يُعد مطلوباً في الولايات المتحدة، وعندما يمنع أمثال البريطاني يوسف إسلام من دخول الولايات المتحدة، فمن الطبيعي أن يستهدف أمثال صاحبنا.

مشكلة (أبو راتب) أنه وَثق بالديمقراطية الأمريكية، أقله في الممارسة، إذ كان عليه أن يغادر إلى غير رجعة بعدما رأى بعينيه ما وقع لرموز الحالة الإسلامية في الولايات المتحدة، لا سيما أولئك الذين لهم صلة ما بالقضية الفلسطينية، ولعل صاحبنا قد ركن إلى أنه سوري وليس فلسطيني، حتى لو كان يُنشد (في كثير من إبداعه) لفلسطين التي كانت ولا تزال الجرح الإسلامي الأكبر، والقضية التي تثير مشاعر المسلمين أينما حلوا وارتحلوا.

والحق أن (أبو راتب) قد أنشد لفلسطين أجمل الأناشيد، لقدسها وأقصاها، لبطولاتها ومعاناتها، ولكنه لم يعتقد أن ذلك سيشكل جريمة من النوع الذي يستحق الاعتقال، وأين؟ في الولايات المتحدة التي تتشدق باحترام الحريات ونشر الديمقراطية.

قصة مؤسسة الأرض المقدسة مثيرة للحزن والأسى، وعلى خلفية قضيتها يقبع في السجون الأمريكية سرب من أجمل الرجال الذي أحبوا وطنهم وأمتهم ودينهم، ولم يسيئوا لأمن الولايات المتحدة، لكن التبعية الأمريكية للهواجس الصهيونية ما لبثت أن ألقت بهم وراء الشمس دون ذنب اقترفوه (شكري أبو بكر، محمد المزين، مفيد عبدالقادر، غسان العشي، عبدالرحمن عودة).

قبل أوباما كان عدد من الرجال يأخذون حكماً بالبراءة، وكان مأمولاً أن ينتصر "الرئيس الأسود" للمظلومين، فتنتهي القضية إلى الإفراج عن الرجال، لكن المفاجأة أن الموقف جاء معاكساً، إذا ثبتت الأحكام، بل وزاد بعضها أيضاً، وها هي المطاردة تطال رجلاً لا صلة له بتلك المؤسسة، اللهم سوى الإنشاد في بعض الاحتفالات التي تقيمها من أجل جمع التبرعات، وهي احتفالات مرخصة تقيمها مؤسسة مرخصة لم يكن بوسع (أبو راتب) أن يرفض المشاركة فيها.

ليس لصاحبنا أية علاقة أخرى بالمؤسسة، وإذا قيل إنه تلقى أموالاً منها، فالأمر طبيعي، لأنه يعمل في سلك النشيد ويعتبره مهنته التي يعيش منها، وكان من الطبيعي أن يتقاضى أجراً على الإنشاد في الاحتفالات التي لم يكن ليشارك فيها لو لم تكن مرخصة. وما نرجحه هو أن يكونوا قد ضغطوا عليه من أجل الشهادة بحق أناس آخرين، ولما رفض قرروا استهدافه كما وقع لكثيرين سواه خلال السنوات الأخيرة.

(أبو راتب) اليوم أسير الديمقراطية الأمريكية، وفوبيا الإرهاب التي عاد أوباما لكي ينشرها بين الأمريكيين، لكي يبرر فشله وخيبته، ولكي يرضي دوائر الصهيونية واليمين في الولايات المتحدة.

ليس أمام (أبو راتب) غير التمسك ببراءته وعدالة قضيته، وليس أمامنا سوى إعلان التضامن معه كفنان مسلم يستحق أن يقف الجميع معه، داعين الله أن يفرج كربه، وكرب سائر المظلومين على وجه هذه الأرض.

قبل أيام وصلتني قصيدة مغناة من كتابة وإنشاد (مدير المؤسسة) شكري أبو بكر المحكوم بالسجن 65 عاماً، ولا نعرف إن كان سيتواصل مع (أبو راتب) الذي يمكنه تلحينها وإنشادها بطريقة أفضل بكثير، أم ستكون لكل منهم زنزانته الخاصة.

من أسامة .. إلى أوباما

من أسامة .. إلى أوباما

ياسر الزعاتره


"من أسامة إلى أوباما" ، بهذه العبارة بدأ بن لادن رسالته السريعة ، بل الأسرع على الإطلاق في تاريخ رسائله 93( كلمة لا غير) ، وعندما تلفظ العبارة تبدو منسجمة من الزاوية الموسيقية رغم اختلاف حرف "القافية".

هذا القدر من الندية هو دأب بن لادن في رسائله الموجهة للولايات المتحدة والغرب ، فهو يتحدث بروحية التحدي ، وبالطبع لأنه يعتقد أنه يتحدث باسم عموم المسلمين ، وليس باسم تنظيم ، مجرد تنظيم اسمه القاعدة.

هي الرسالة الأسرع إذن ، وهي تأتي تتويجا لعدد من الرسائل السريعة ، وكأن طريقة بن لادن في صياغة رسائله قد تطورت بمرور الوقت ، حيث غادر لغة الخطابة التقليدية بمترادفاتها المعروفة نحو الكلمات السريعة التي تنسجم مع لغة الإعلام السريع المرئي والمسموع.

هذا من حيث الشكل ، أما من حيث المضمون ، فالرسالة تستعيد العبارة التي أطلقها الرجل منذ سنوات طويلة في سياق تبرير هجمات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة ، والتي وجهها إلى الأمريكيين ، وخلاصتها "لن تحلم أمريكا بالأمن حتى نعيشه واقعا في فلسطين".

والحق أن التجييش الأساسي لخطاب القاعدة وبرنامجها قد اتكأ طوال الوقت على العدوان الصهيوني الأمريكي على الشعب الفلسطيني ، بخاصة بعد انتفاضة الأقصى التي تفاعلت معها الأمة بشكل استثنائي بسبب تطور وسائل الإعلام ، ويأتي ذلك إدراكا من أسامة بن لادن لحقيقة أنه ما من قضية يمكنها التأثير في الأمة مثل قضية فلسطين. وهنا فيه الرسالة لم ينس دغدغة عواطف المسلمين المسكونة باستنكار حصار غزة ، وذلك بتضمين الرسالة عبارة تقول "ليس من الإنصاف أن يهنأ الأمريكيون بالعيش ما دام إخواننا في غزة في أنكد عيش" ، مضيفا أن "غاراتنا ستتواصل ما دام الدعم الأمريكي للإسرائيليين متواصلا".

لا شك أن قضايا أخرى قد دخلت على الخط لها قدر كبير من الأهمية ، وربما كانت ذات صلة بقضية فلسطين مثل احتلال العراق ، فضلا عن قضايا أخرى جاءت في سياق الرد الأمريكي على حكاية الإرهاب مثل احتلال أفغانستان ، والخلاصة أن تكاثر جبهات الاشتباك بين الأمة الإسلامية وبين الولايات المتحدة قد زاد التعاطف مع فكرة القاعدة ، مع تحفظ ، وربما رفض لا يخفى للكثير من نشاطاتها وعملياتها ، باستثناء تلك التي تستهدف الجيش الأمريكي والعاملين معه في جبهات الاشتباك الحقيقية.

وفيما يدرك أسامة بن لادن أن الشعار الذي رفعه منذ سنوات لم يتحقق على الأرض ، حيث بقيت هجمات أيلول وحيدة في سياق استهداف الأمن الداخلي الأمريكي ، فقد جاءت محاولة تفجير طائرة ديترويت لتمنحه فرصة القول إن المحاولات لا تزال مستمرة ، وأن ابتكار الوسائل الجديدة لن يتوقف أيضا.

من الصعب هنا تجاهل تلك المؤشرات التي تقول إن الاستخبارات الأمريكية كانت على علم بنوايا منفذ العملية ، الشاب النيجيري عمر الفاروق الذي أخبرهم والده بنواياه ، وهو ما يشير في رأينا إلى رغبة إدارة أوباما في تبني خطاب بوش المتعلق بالإرهاب ، وذلك في سياق صرف الأنظار عن فشله الداخلي والخارجي ، وتجييش الشعب الأمريكي خلف سياساته في أفغانستان وباكستان ، فضلا عن احتمال تورطه القادم في الصومال واليمن.

في أي حال ، فالعملية وبصرف النظر عن فشلها وما إذا كان الأمريكيون على علم بها أم لا ، جاءت لتؤكد أن إرادة العمل لا تزال متوفرة بالفعل ، وهي هنا ستكلف الأمريكان مزيدا من الأعباء في سياق مطاردة أمثالها ، تماما كما كلفتهم هجمات أيلول الكثير من المال والجهد في سياق مواجهة أمثالها ، فضلا عن كلفة الحرب التي شنت من أجل مطاردة منفذيها.

ثمة في الرسالة بُعد يتعلق بأسامة بن لادن نفسه ، فهو يعود هنا ليؤكد أنه لا يزال على قيد الحياة وبصحة جيدة ، الأمر الذي يصيب الأمريكيين بالقلق ، هم الذين يطاردونه وصاحبيه (الملا محمد عمر وأيمن الظواهري) منذ سنوات طويلة بلا جدوى.

تبقى الإشارة إلى مجيء الرسالة في وقت يعود تنظيم القاعدة إلى الواجهة من جديد ، بصرف النظر عما إذا كان ذلك ينطوي على قوة حقيقية أم في سياق سياسي يتعلق بعودة أوباما إلى خطاب بوش. وعموما ها هو رأس التنظيم لا يزال حيا وبوسعه الإزعاج ، إن لم يكن بالفعل فبالقول والتحريض الذي قد يترجمه آخرون فعلا على الأرض بطريقتهم الخاصة.

أوباما .. إذ يفقد إلهاميته

أوباما .. إذ يفقد إلهاميته

أسامه أبو أرشيد


لم تكن انتخابات الثلاثاء (19/1) لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي الشاغر في ولاية ماسيشيوستس، والتي فاز فيها المرشح الجمهوري سكوت براون على منافسته الديمقراطية مارثا كوكلي، إلا تعبيرا جديدا عن تراجع "إلهامية" الرئيس الأمريكي باراك أوباما. وبذلك تكون ماسيشيوستس الولاية الثالثة، بعد نيوجرسي وفرجينيا، التي ربحها أوباما في انتخابات الرئاسة قبل 14 شهرا وخسر حزبه الانتخابات فيها فيما بعد. (خسر الحزب الديمقراطي منصبي حاكم الولاية في كل من نيوجرسي وفرجينيا في تشرين الثاني 2009).

ولكن خسارة الديمقراطيين في ولاية ماسيشيوستس لها معانٍ أعمق لكل من الحزب وأوباما من خسارتي فرجينيا (في الأصل محسومة للجمهوريين ولكن أوباما ربحها) ونيوجرسي (متأرجحة مع أفضلية للديمقراطيين فيها، وربحها أوباما أيضا). فأولا، فإن خسارة مقعد مجلس الشيوخ في تلك الولاية يرسل أكبر صافرة تحذير للديمقراطيين، ذلك أن ماسيشيوستس توصف بالولاية الأكثر "ازرقاقا" في الولايات المتحدة. ومن المعروف أن اللون الأزرق يعبر عن الديمقراطيين، في حين يعبر اللون الأحمر عن الجمهوريين. فماسيشيوستس لم تنتخب جمهوريا لمجلس الشيوخ الأمريكي منذ عام 1972، كما أن كل ممثليها العشرة اليوم في مجلس النواب ديمقراطيون، فضلا عن أن ممثليها الاثنين في مجلس الشيوخ كانا ديمقراطيين، وذلك حتى يوم الثلاثاء (19/1).

السبب الثاني لصدمة الديمقراطيين في نتيجة ماسيشيوستس، أن المنافسة كانت على المقعد الذي كان يشغله السناتور الراحل إدوارد كنيدي، شقيق الرئيس الراحل أيضا جون. أف. كنيدي. وإدوارد كنيدي، كان أحد أبرز وأشهر الوجوه الديمقراطية، لا في مجلس الشيوخ فحسب، بل وفي الحياة السياسية الأمريكية، وكان يلقب إلى حين وفاته في آب من العام الماضي بـ"أسد مجلس الشيوخ". الأكثر إيلاما، أن كنيدي احتفظ بمقعده هذا عن الحزب الديمقراطي لمدة 46 عاما متتالية، وكان مقعده يعد من المقاعد المضمونة والآمنة بالنسبة للحزب الديمقراطي.

أما السبب الثالث فيتمثل بحقيقة أن أوباما كسب الولاية في نوفمبر 2008 بفارق أكثر من 26% من الأصوات عن منافسه الجمهوري، جون مكين. ورغم أن أوباما نفسه جاء إلى ماسيشيوستس أياما قبل الانتخابات ليدعم كوكلي إلا أن ذلك لم يجدِ نفعا. البيت الأبيض لم يدرج زيارة أوباما إلى ماسيشيوستس على برنامجه إلا أياما قبل الانتخابات، ذلك أن كوكلي كانت متقدمة باستطلاعات الرأي، وبفارق كبير عن براون حتى مطلع الشهر الجاري، أي أن بدأ تقدمها يتقلص وصولا إلى هزيمتها المدوية (52%-47%).

أما السبب الرابع الذي أقض مضاجع أوباما والديمقراطيين، فيتجسد بكون أن هذا "المقعد الآمن" الذي خسروه كان يمثل الرقم السحري لهم في مجلس الشيوخ (60 صوتا). فبدون الستين عضوا الآن لن يكون بإمكان الديمقراطيين تمرير إصلاح برنامج الرعاية الصحية الذي يريده أوباما. فمع أن الديمقراطيين لا زالوا يملكون أغلبية 59 صوتا (من أصل 100) بعد خسارة مقعد ماسيشيوستس في مجلس الشيوخ في مقابل 41 عضوا للجمهوريين بعد كسبهم لمقعد ماسيشيوستس، إلا أنهم يبقون بحاجة إلى 60 صوتا لقطع أي نقاشات ومداولات في مجلس الشيوخ وإرغام الحزب الجمهوري على التصويت على مشروع القرار، وحينها يمكن تمرير أي قرار بأغلبية 50+1. طبعا، خسارة الديمقراطيين هذه لن تتمثل بفرص إصلاح برنامج الرعاية الصحية فحسب، بل إنها ستعطل أي مشروع آخر سيرفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ طرحه على التصويت.

مشاكل أوباما والديمقراطيين لا تتوقف عند ذلك كله. فاستطلاعات الرأي تظهر أن الديمقراطيين سيخسرون في انتخابات التجديد النصفي (تشرين الثاني 2010) المزيد من المقاعد في كل من مجلسي الشيوخ والنواب، أين يحكمون سيطرتهم على الأغلبية فيهما. بل إن استطلاعات الرأي تظهر أن زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، السناتور هيري هيد نفسه، قد يخسر مقعده في المجلس عن ولاية نيفادا. أضف إلى ذلك تراجع مستوى التأييد الشعبي لسياسات الرئيس أوباما، ووصولها في بعض استطلاعات الرأي إلى ما دون ألـ 50%.

في سياق محاولة المحللين السياسيين لتفسير انفراط عقد قوة الديمقراطيين في الحياة السياسية الأمريكية يمكن تقديم جملة من الأسباب، يتمحور مجملها حول فشل الحزب الديمقراطي في تحقيق أغلب وعوده بالتغيير والفاعلية، وذلك على الرغم من إحكامهم للسيطرة على كل من البيت الأبيض والكونغرس في السنة الماضية، وإلى الآن. فمجمل الوعود التي قدمها الديمقراطيون وجاؤوا بها إلى الحكم، كتحقيق الشفافية في الكونغرس وتطبيق معايير أخلاقية صارمة على أعضاءه وإنجاز قوانين "ثورية" في مجالات الرعاية الصحية والضرائب على الأغنياء والهجرة.. الخ، ذهبت كلها أدراج الرياح. بل وأكثر من ذلك، بدا واضحا أن اختلافات الحزب الديمقراطي الداخلية ما بين ليبرالييه، ومعتدليه، ومحافظيه لا تقل شراسة عن الخلافات التي تباعده عن غريمه التقليدي (الحزب الجمهوري). كما لا يمكن التقليل أيضا من حقيقة أن أوباما لم يستطع حتى الآن إثبات أنه زعيم قوي لحزب تفرقه مصالح مسؤوليه المنتخبين.

ضمن ذات السياق، ومن باب الموضوعية لابد أن نشير إلى أن التجربة التاريخية الأمريكية تقول إن الحزب الذي يملك البيت الأبيض، يخسر في العادة انتخابات التجديد النصفي، ذلك أن الأمريكي حساس من ناحية لسيطرة حزب واحد على مقاليد السلطتين التنفيذية والتشريعية. فضلا عن أن الحزب الذي يتسود البيت الأبيض عادة ما يتحمل شعبيا مسؤولية أي فشل أو صعوبات، وبالتالي يكون هدف عقاب المصوتين.

ولكن هل يكفي كل ما سبق لتفسير التوجه الذي نراه منذ شهر تشرين الثاني الماضي لتقليم أظافر الحزب الديمقراطي شعبيا!؟

جلُّ المحللين الأمريكيين متفقون على أنه وبالرغم من وجاهة وأهمية كل الأسباب السابقة إلا أنها لا تكفي وحدها لتفسير التراجع الديمقراطي، إذ ثمة عاملا آخر يرتبط بشخص الرئيس نفسه وسياساته.

فأوباما جاء إلى الحكم محمولا بآمال كبيرة رسمها هو بنفسه للشعب الأمريكي، واعدا إياه بالخروج من واقع البؤس الذي انتهى إليه، إن اقتصاديا أو عسكريا أو عالميا.. الخ تحت إدارة سلفه جورج بوش. وأتقن أوباما حينها تقمص شعار "تغيير يمكن أن نؤمن به"، وإحلال ثقافة الأمل مكان ثقافة الخوف التي زرعتها إدارة بوش. كما تعهد الرجل بعلاقة تعاونية مع الحزب الجمهوري في مقابل العلاقة المتوترة التي حكمت إدارة بوش والحزب الجمهوري عندما كانا في موقع السلطة مع الحزب الديمقراطي وهو في مواقع المعارضة.

نعم، وعود كبيرة أطلقها أوباما المرشح، ثمَّ أوباما المنتخب رئيسا. فمن إغلاق معتقل غوانتانامو خلال عام إلى إعلان عدم مقدرته على ذلك بعد مرور العام بسبب تمرد حزبه عليه في هذه المسألة (طبعا لا ننسى هنا معارضة الحزب الجمهوري المستميتة). ومن التعهد بتمرير تشريع الإصلاح الصحي، متضمنا التأمين الصحي العام، قبل نهاية عام من ولايته إلى التراجع عن التأمين العام وفشله في توحيد حزبه ورائه لإجازة مشروع القانون رغم امتلاك الحزب الديمقراطي للأغلبية المطلقة في مجلسي الشيوخ والنواب. ومن إخراج الاقتصاد الأمريكي من غرفة الإنعاش إلى استمراره فيها، رغم بعض بوادر التحسن التي تعاود الانتكاس سريعا. ومن التعهد بتحسين العلاقة مع العالم الإسلامي إلى استمرار توترها وظهور بؤر توتير جديدة، كما في اليمن. ومن تسريع الانسحاب من العراق إلى مزيد من التورط في أوحال أفغانستان وباكستان، ومؤخرا اليمن. ومن التأكيد على الانخراط المباشر لحل الصراع العربي الإسرائيلي والضغط بشكل أكبر على إسرائيل إلى التراجع بشكل مهين أمام رئيس وزراءها بنيامين نتنياهو في موضوعة الاستيطان. ومن التعهد بمدِّ اليد إلى الخصوم كإيران وكوريا الشمالية وسوريا وكوبا وفنزويلا إلى مزيد من التوتير معهم.. الخ.

من باب الأمانة، فليست كل تلك الوعود المتطايرة هباء منثورا حتى الآن صناعة "أوبامية". فشخصيا، أظن أن الرجل صادق في كثير من وعوده، وأنه كان، ولا يزال، يأمل في تحقيقها. كما أنني لست من المقتنعين بأن أوباما وجه العملة الآخر لبوش. في تقديري فإن وعود أوباما الكثيرة اصطدمت بواقع صعب خلفته إدارة بوش له، كما أنها اصطدمت بمؤسسة حكم ضخمة ومتجذرة لا يعدوا الرئيس أن يكون إحدى واجهاتها، وإن كان الأقوى فيها كفرد. مؤسسة الحكم هذه "طاحونة" من لا يسير معها تهرسه في طريقها، وأظن أن أوباما قد فهم الرسالة، خصوصا فيما يتعلق في العلاقة مع المسلمين والعالم الإسلامي والصراع العربي-الإسرائيلي، وإن كان من غير الواضح بعد إن كان سيرفع الراية البيضاء أمامها.

على أي حال، فإن السياسية لا ترحم، وبغض النظر عن سبب أو أسباب تعطل تجسيد وعود أوباما فإنه هو المسؤول شعبيا. فسواء تعلق الأمر بضعف لديه أم بقوى أكبر من طاقته فإنه يبقى هو الرئيس وهو المسؤول الأول، والمواطن العادي لا يبحث في الأسباب ويتعمق في تحليلها بل هو ينظر إلى ظاهر الأمور. بل إن بعض وعود أوباما ارتدت عليه سلبا، فمثلا تعهده بتمرير مشروع إصلاح نظام الرعاية الصحية انقلب عليه مع معارضة أغلب الناخبين الأمريكيين له الآن. كما أن تعهده بإغلاق معتقل غوانتانامو لم يكن محل تأييد غالبية الأمريكيين، ثمَّ ما لبث أن لحق به وعد تحسين العلاقة مع المسلمين. فاستمرار العمليات العنفية المنسوبة للـ"قاعدة" وأفراد مقتنعين بإيديولوجيتها ضد الولايات المتحدة، كما حدث في قاعدة فورت هود العسكرية ومحاولة تفجير الطائرة الأمريكية في سماء مدينة ديترويت، ضاعف من النقمة الشعبية والرسمية على الإسلام والمسلمين، وتحديدا مسلمي أمريكا، حيث ذهبت إدارة أوباما أبعد من إدارة بوش في استهدافهم في المطارات.

طبعا، لا ينبغي أن يسقطنا ذلك كله من ناحية في فخ المساواة بين أوباما وبوش، فلا زال أوباما، على الأقل، على مستوى الخطاب، أكثر رشدا وهدوءا وعقلانية. ومن ناحية ثانية، لا ينبغي أن نظن أبدا أن أوباما هو "المسيح المخلص"، فهو ليس ذاك. فما أوباما إلا سياسي يبحث عن النجاة انتخابيا، وكما قال المفكر المغربي، عبد الإله بلقزيز، يوما: "السياسة درجة احتراق الإيديولوجيا". بمعنى أن كل الأفكار والقيم والمثل تنصهر وتتلاشى متى ما دخلت بوتقة السياسية بشراستها ولا أخلاقيتها. ولكن بوتقة السياسية هنا لم تذهب برصيد أوباما الأخلاقي والقيمي النسبي فحسب، بل إنها ذهبت أيضا بـ"إلهاميته"، حيث لم يعد لشعار "تغيير يمكن أن نؤمن به" أي معنى، بل إنه هو نفسه لم يعد يكرره، ومن هنا بدأت أزمته وأزمة الديمقراطيين الشعبية.