الأحد، ٣١ يناير، ٢٠١٠

من أسامة .. إلى أوباما

من أسامة .. إلى أوباما

ياسر الزعاتره


"من أسامة إلى أوباما" ، بهذه العبارة بدأ بن لادن رسالته السريعة ، بل الأسرع على الإطلاق في تاريخ رسائله 93( كلمة لا غير) ، وعندما تلفظ العبارة تبدو منسجمة من الزاوية الموسيقية رغم اختلاف حرف "القافية".

هذا القدر من الندية هو دأب بن لادن في رسائله الموجهة للولايات المتحدة والغرب ، فهو يتحدث بروحية التحدي ، وبالطبع لأنه يعتقد أنه يتحدث باسم عموم المسلمين ، وليس باسم تنظيم ، مجرد تنظيم اسمه القاعدة.

هي الرسالة الأسرع إذن ، وهي تأتي تتويجا لعدد من الرسائل السريعة ، وكأن طريقة بن لادن في صياغة رسائله قد تطورت بمرور الوقت ، حيث غادر لغة الخطابة التقليدية بمترادفاتها المعروفة نحو الكلمات السريعة التي تنسجم مع لغة الإعلام السريع المرئي والمسموع.

هذا من حيث الشكل ، أما من حيث المضمون ، فالرسالة تستعيد العبارة التي أطلقها الرجل منذ سنوات طويلة في سياق تبرير هجمات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة ، والتي وجهها إلى الأمريكيين ، وخلاصتها "لن تحلم أمريكا بالأمن حتى نعيشه واقعا في فلسطين".

والحق أن التجييش الأساسي لخطاب القاعدة وبرنامجها قد اتكأ طوال الوقت على العدوان الصهيوني الأمريكي على الشعب الفلسطيني ، بخاصة بعد انتفاضة الأقصى التي تفاعلت معها الأمة بشكل استثنائي بسبب تطور وسائل الإعلام ، ويأتي ذلك إدراكا من أسامة بن لادن لحقيقة أنه ما من قضية يمكنها التأثير في الأمة مثل قضية فلسطين. وهنا فيه الرسالة لم ينس دغدغة عواطف المسلمين المسكونة باستنكار حصار غزة ، وذلك بتضمين الرسالة عبارة تقول "ليس من الإنصاف أن يهنأ الأمريكيون بالعيش ما دام إخواننا في غزة في أنكد عيش" ، مضيفا أن "غاراتنا ستتواصل ما دام الدعم الأمريكي للإسرائيليين متواصلا".

لا شك أن قضايا أخرى قد دخلت على الخط لها قدر كبير من الأهمية ، وربما كانت ذات صلة بقضية فلسطين مثل احتلال العراق ، فضلا عن قضايا أخرى جاءت في سياق الرد الأمريكي على حكاية الإرهاب مثل احتلال أفغانستان ، والخلاصة أن تكاثر جبهات الاشتباك بين الأمة الإسلامية وبين الولايات المتحدة قد زاد التعاطف مع فكرة القاعدة ، مع تحفظ ، وربما رفض لا يخفى للكثير من نشاطاتها وعملياتها ، باستثناء تلك التي تستهدف الجيش الأمريكي والعاملين معه في جبهات الاشتباك الحقيقية.

وفيما يدرك أسامة بن لادن أن الشعار الذي رفعه منذ سنوات لم يتحقق على الأرض ، حيث بقيت هجمات أيلول وحيدة في سياق استهداف الأمن الداخلي الأمريكي ، فقد جاءت محاولة تفجير طائرة ديترويت لتمنحه فرصة القول إن المحاولات لا تزال مستمرة ، وأن ابتكار الوسائل الجديدة لن يتوقف أيضا.

من الصعب هنا تجاهل تلك المؤشرات التي تقول إن الاستخبارات الأمريكية كانت على علم بنوايا منفذ العملية ، الشاب النيجيري عمر الفاروق الذي أخبرهم والده بنواياه ، وهو ما يشير في رأينا إلى رغبة إدارة أوباما في تبني خطاب بوش المتعلق بالإرهاب ، وذلك في سياق صرف الأنظار عن فشله الداخلي والخارجي ، وتجييش الشعب الأمريكي خلف سياساته في أفغانستان وباكستان ، فضلا عن احتمال تورطه القادم في الصومال واليمن.

في أي حال ، فالعملية وبصرف النظر عن فشلها وما إذا كان الأمريكيون على علم بها أم لا ، جاءت لتؤكد أن إرادة العمل لا تزال متوفرة بالفعل ، وهي هنا ستكلف الأمريكان مزيدا من الأعباء في سياق مطاردة أمثالها ، تماما كما كلفتهم هجمات أيلول الكثير من المال والجهد في سياق مواجهة أمثالها ، فضلا عن كلفة الحرب التي شنت من أجل مطاردة منفذيها.

ثمة في الرسالة بُعد يتعلق بأسامة بن لادن نفسه ، فهو يعود هنا ليؤكد أنه لا يزال على قيد الحياة وبصحة جيدة ، الأمر الذي يصيب الأمريكيين بالقلق ، هم الذين يطاردونه وصاحبيه (الملا محمد عمر وأيمن الظواهري) منذ سنوات طويلة بلا جدوى.

تبقى الإشارة إلى مجيء الرسالة في وقت يعود تنظيم القاعدة إلى الواجهة من جديد ، بصرف النظر عما إذا كان ذلك ينطوي على قوة حقيقية أم في سياق سياسي يتعلق بعودة أوباما إلى خطاب بوش. وعموما ها هو رأس التنظيم لا يزال حيا وبوسعه الإزعاج ، إن لم يكن بالفعل فبالقول والتحريض الذي قد يترجمه آخرون فعلا على الأرض بطريقتهم الخاصة.

0 التعليقات: