الأحد، 16 صفر، 1431 هـ

كنا البادئين حين عَقَقْنَاك يا محمود

كنا البادئين حين عَقَقْنَاك يا محمود

رشيد ثابت


لن تقطع القنوات الفضائية العربية إرسالها المعتاد لتلاوة سُوَرٍ من آي الذكر الحكيم. لن تقطع المحطات الرسمية المعلنة أو الرسمية المقنعة كذبا بالخصوصية والانتماء للقطاع الأهلي – لن تقطع بثها لتتشح بالسواد وتعزف موسيقى كلاسيكية حزينة؛ ولن "يعزف الصداحون لحن الرجوع الأخير". لن يكون هناك أي إخلال بمواعيد بث "تامر وشوقية" والحلقة المائة ألف من المسلسل المدبلج التافه الموجه للجمهور المستحق لهذه التفاهة. لن يُستدعى علماء السلاطين ومشايخهم لتأبين الراحل والبكاء عليه والدعاء له؛ فهو ليس سارقا ولا مرتشيا ولا عتلا بعد ذلك زنيم من أولاد أشباه الملوك أو لقطاء السياسة العربية من المسؤولين الفاسدين والعملاء...وليس في هذا على أية حال ما يضير محمود المبحوح لأنه قطعا ليس بحاجة لدعاء كاذب من مشايخ ضالين لن ترتفع كلماتهم أبعد من حيث ستقذف فتحات التهوية بأنفاسهم الكريهة. هل حقا يظن أي من "شيوخ المنصر" أن دعاءهم للهالك من ظلام العرب والمسلمين بأن يغسله الله بالماء والثلج والبرد سوف ينفعه؛ هذا فيما كتابه وسيرة أعماله تؤهله لحُنوط من قطران وغَسول من حمم جهنم؟

لكن قبل صب اللعنات المستحقة عن جدارة على إعلام عربي يحتفي بالساقط والساقطة واللص والخائن والعميل؛ ويرفع الوضيع ويخفض الرفيع؛ وقبل استنزال كل آيات الغضب والسخط الذي هو في محله على نظام سياسي عربي متعفن يفتح حدوده للأعداء ليجوسوا خلال الديار كما يغشى القوادون بيوت الغواني؛ وقبل ضرب كف بكف على حال دويلات الطوائف العربية التي تسوم شعوبها وزوارها العرب سوء العذاب والمشقة إن هم تنفسوا خارج سياق النص المكتوب؛ وتترك في الوقت نفسه مخابرات الغرب والشرق تصول في البلاد وتجول كيف تشاء – قبل هذا كله لا بد من استحضار كم مماثل من السخط والغضب منا نحن الناس؛ علينا نحن الناس!

لقد كنا البادئين فعققناك وقتلناك يا محمود قبل الموساد وحلفائه من "أولاد الكامب". كفى بنا عارا أننا لم نعرفك حتى رحلت عن عالمنا هذا شهيدا (وكأني بالله عزوجل قد ضن على خسيستنا أن ترتفع بوجود واحد مثلك بين ظهرانينا!). كفى بنا صغارا أننا نحفظ أسماء لاعبي كرة القدم والممثلين والممثلات من بني قحطان – وحديثا من بني خاقان – لكننا لم نعرف عن بَطَلٍ عَلَمٍ مثلك حتى سجي في قبره تحت التراب. الويل لأمة لا تحفظ لأعلامها أقدارهم ومكانتهم؛ والويل لأمة تعق كبراءها من أمثالك يا "محمود" لتنشغل بكل "مذموم" ساقط ووضيع.

لكن ليس على محمود وأمثاله من خشية. حسبه أنه سيقف يوم القيامة إن شاء الله تعالى عند رب لا يضل ولا ينسى لتتحدث صحيفته عن صاحب الرصاصة الحماسية الأولى؛ وكيف كان المبحوح في حركة المقاومة الإسلامية كسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم – من حيث أن سعدا كان أول من شد وتر قوس وضرب سهما في سبيل الله! ستقول صحيفته بإذن الله أنه رجل من الآحاد الذين يعدون بالآلاف. ستقول صحيفته بإذن الله أنه بطل اختلسته يد الزمان من عهد صدر الإسلام الأول؛ وعهود التابعين بإحسان ليحيي الله به أمة في عصر الانحطاط؛ وينفذ مهمة كبرى من جنس ما كان أبطال تلك العصور يضطلعون به من مهمات...فهذا شاب دقيق العود يفتح السند؛ وذاك رجل كهل يرسله الخليفة لنشر الإسلام في أعالي "التيبت" – وهو واحد على نفسه! - فيدخل الناس على يديه في دين الله أفواجا؛ وتعيش أجيال مليونية من عهد دولة بني أمية حتى يومنا هذه وهي تتوالد وتتناسل في ظل "لا إله إلا الله"؛ وذلك كله بفضل الله ثم بجهود ذلك الرجل الواحد!

نعم ليس على محمود المبحوح من خوف؛ فستشهد له شهادته في سبيل الله وتحتج له؛ ولعل جيف الهلكى من جنود الصهاينة الذين قضوا على يديه – كفتح واستهلال مبارك للعمل العسكري الجهادي في حماس - ستنطق له بالمزيد من أسباب الرفعة والسؤدد ولو كرهت تلك الجيف وأبت؛ تحقيقا لمضمون قوله تعالى: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون"

لكن المصير القاتم ينتظرنا نحن أبناء المجاميع الغثائية التي لا يحفل بها أحد. نحن الذين نأتي ونمضي فلا تحس منا من أحد ولا تسمع له ركزا! أمثالنا من يجب أن يخشى على نفسه ويتجهز للنار والعياذ بالله إن هو قضى على هذه الغفلة وهذا الفقر الممحل في نصرة الإسلام ونصرة أهله.

يا ليتني كنت خشبة تتقي بها عن نفسك يا محمود وترد قاتليك الجبناء غيلة! يا ليتني كنت حجرا ينفذ به الله سبحانه وتعالى عداته "إن الله يدافع عن الذين آمنوا"؛ فتحملني وترضخ بي رأس صهيوني من الذين قتلوك يا محمود! يا ليتني استطعت ففديتك بنفسي وأبي وأمي وسائر الأهل والولد! والله لو أعلم أن في أرواحنا جميعا ما كان يدفع عنا شماتة العدو الفرح بقتلك؛ وكان يرجع لي أمر تقديم هذه الأرواح دون روحك لما تأخرت في دفعها دون بطل مثلك أيها الحبيب!

وهل لي بتمثل بيت العراقية التي بكت أبا الحسن فأنشدت:

يا ليتها إذ فدت عمرا بخارجة * * * فدت عليا بما شاءت من البشر

فأقول بتصرف: يا ليت المنية فدت محمودا بمن شاءت من البشر!

السلام عليك يا محمود فأنت الآن بإذن الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ ولعلك تتقلب بين الأصحاب والإخوان من شهداء الدرب وكل فدائيي وشهداء العمل الإسلامي عبر الزمان والمكان؛ فطابت نفسك الزكية وطاب مقامك حيث أنت؛ وطابت الصحبة أيها المحمود وربح البيع.

ولرفاق محمود وإخوانه ومحبيه الأكفاء من أقرانه الأبطال الذين حزنوا لفقده فإني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحرم الموت عليهم ويحرم أجسادهم على تراب الأرض حتى تقر أعينهم من قتلة محمود ومدنسي الأقصى.

وأما لنفسي فلا أرجو من الله إلا أن يعصمني من الهلاك في جملة الغثائيين. اللهم أني أعوذ بك من ميتة سوء تسلكني على نحو نهائي وقاطع في أموات الأحياء. اللهم إني أحب محمود المبحوح وأحب كل إخوانه فأعني على نفسي الأمارة بالسوء وارفعها لرتبة هذا الحب حتى تكون أهلا لجيرة هؤلاء الكبار وصحبتهم واللحوق بهم؛ وتفر من الحشر مع المنافقين والمخلفين وأهل الأرجاف!

ليست هناك تعليقات: