الأحد، ٣١ يناير، ٢٠١٠

أوباما .. إذ يفقد إلهاميته

أوباما .. إذ يفقد إلهاميته

أسامه أبو أرشيد


لم تكن انتخابات الثلاثاء (19/1) لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي الشاغر في ولاية ماسيشيوستس، والتي فاز فيها المرشح الجمهوري سكوت براون على منافسته الديمقراطية مارثا كوكلي، إلا تعبيرا جديدا عن تراجع "إلهامية" الرئيس الأمريكي باراك أوباما. وبذلك تكون ماسيشيوستس الولاية الثالثة، بعد نيوجرسي وفرجينيا، التي ربحها أوباما في انتخابات الرئاسة قبل 14 شهرا وخسر حزبه الانتخابات فيها فيما بعد. (خسر الحزب الديمقراطي منصبي حاكم الولاية في كل من نيوجرسي وفرجينيا في تشرين الثاني 2009).

ولكن خسارة الديمقراطيين في ولاية ماسيشيوستس لها معانٍ أعمق لكل من الحزب وأوباما من خسارتي فرجينيا (في الأصل محسومة للجمهوريين ولكن أوباما ربحها) ونيوجرسي (متأرجحة مع أفضلية للديمقراطيين فيها، وربحها أوباما أيضا). فأولا، فإن خسارة مقعد مجلس الشيوخ في تلك الولاية يرسل أكبر صافرة تحذير للديمقراطيين، ذلك أن ماسيشيوستس توصف بالولاية الأكثر "ازرقاقا" في الولايات المتحدة. ومن المعروف أن اللون الأزرق يعبر عن الديمقراطيين، في حين يعبر اللون الأحمر عن الجمهوريين. فماسيشيوستس لم تنتخب جمهوريا لمجلس الشيوخ الأمريكي منذ عام 1972، كما أن كل ممثليها العشرة اليوم في مجلس النواب ديمقراطيون، فضلا عن أن ممثليها الاثنين في مجلس الشيوخ كانا ديمقراطيين، وذلك حتى يوم الثلاثاء (19/1).

السبب الثاني لصدمة الديمقراطيين في نتيجة ماسيشيوستس، أن المنافسة كانت على المقعد الذي كان يشغله السناتور الراحل إدوارد كنيدي، شقيق الرئيس الراحل أيضا جون. أف. كنيدي. وإدوارد كنيدي، كان أحد أبرز وأشهر الوجوه الديمقراطية، لا في مجلس الشيوخ فحسب، بل وفي الحياة السياسية الأمريكية، وكان يلقب إلى حين وفاته في آب من العام الماضي بـ"أسد مجلس الشيوخ". الأكثر إيلاما، أن كنيدي احتفظ بمقعده هذا عن الحزب الديمقراطي لمدة 46 عاما متتالية، وكان مقعده يعد من المقاعد المضمونة والآمنة بالنسبة للحزب الديمقراطي.

أما السبب الثالث فيتمثل بحقيقة أن أوباما كسب الولاية في نوفمبر 2008 بفارق أكثر من 26% من الأصوات عن منافسه الجمهوري، جون مكين. ورغم أن أوباما نفسه جاء إلى ماسيشيوستس أياما قبل الانتخابات ليدعم كوكلي إلا أن ذلك لم يجدِ نفعا. البيت الأبيض لم يدرج زيارة أوباما إلى ماسيشيوستس على برنامجه إلا أياما قبل الانتخابات، ذلك أن كوكلي كانت متقدمة باستطلاعات الرأي، وبفارق كبير عن براون حتى مطلع الشهر الجاري، أي أن بدأ تقدمها يتقلص وصولا إلى هزيمتها المدوية (52%-47%).

أما السبب الرابع الذي أقض مضاجع أوباما والديمقراطيين، فيتجسد بكون أن هذا "المقعد الآمن" الذي خسروه كان يمثل الرقم السحري لهم في مجلس الشيوخ (60 صوتا). فبدون الستين عضوا الآن لن يكون بإمكان الديمقراطيين تمرير إصلاح برنامج الرعاية الصحية الذي يريده أوباما. فمع أن الديمقراطيين لا زالوا يملكون أغلبية 59 صوتا (من أصل 100) بعد خسارة مقعد ماسيشيوستس في مجلس الشيوخ في مقابل 41 عضوا للجمهوريين بعد كسبهم لمقعد ماسيشيوستس، إلا أنهم يبقون بحاجة إلى 60 صوتا لقطع أي نقاشات ومداولات في مجلس الشيوخ وإرغام الحزب الجمهوري على التصويت على مشروع القرار، وحينها يمكن تمرير أي قرار بأغلبية 50+1. طبعا، خسارة الديمقراطيين هذه لن تتمثل بفرص إصلاح برنامج الرعاية الصحية فحسب، بل إنها ستعطل أي مشروع آخر سيرفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ طرحه على التصويت.

مشاكل أوباما والديمقراطيين لا تتوقف عند ذلك كله. فاستطلاعات الرأي تظهر أن الديمقراطيين سيخسرون في انتخابات التجديد النصفي (تشرين الثاني 2010) المزيد من المقاعد في كل من مجلسي الشيوخ والنواب، أين يحكمون سيطرتهم على الأغلبية فيهما. بل إن استطلاعات الرأي تظهر أن زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، السناتور هيري هيد نفسه، قد يخسر مقعده في المجلس عن ولاية نيفادا. أضف إلى ذلك تراجع مستوى التأييد الشعبي لسياسات الرئيس أوباما، ووصولها في بعض استطلاعات الرأي إلى ما دون ألـ 50%.

في سياق محاولة المحللين السياسيين لتفسير انفراط عقد قوة الديمقراطيين في الحياة السياسية الأمريكية يمكن تقديم جملة من الأسباب، يتمحور مجملها حول فشل الحزب الديمقراطي في تحقيق أغلب وعوده بالتغيير والفاعلية، وذلك على الرغم من إحكامهم للسيطرة على كل من البيت الأبيض والكونغرس في السنة الماضية، وإلى الآن. فمجمل الوعود التي قدمها الديمقراطيون وجاؤوا بها إلى الحكم، كتحقيق الشفافية في الكونغرس وتطبيق معايير أخلاقية صارمة على أعضاءه وإنجاز قوانين "ثورية" في مجالات الرعاية الصحية والضرائب على الأغنياء والهجرة.. الخ، ذهبت كلها أدراج الرياح. بل وأكثر من ذلك، بدا واضحا أن اختلافات الحزب الديمقراطي الداخلية ما بين ليبرالييه، ومعتدليه، ومحافظيه لا تقل شراسة عن الخلافات التي تباعده عن غريمه التقليدي (الحزب الجمهوري). كما لا يمكن التقليل أيضا من حقيقة أن أوباما لم يستطع حتى الآن إثبات أنه زعيم قوي لحزب تفرقه مصالح مسؤوليه المنتخبين.

ضمن ذات السياق، ومن باب الموضوعية لابد أن نشير إلى أن التجربة التاريخية الأمريكية تقول إن الحزب الذي يملك البيت الأبيض، يخسر في العادة انتخابات التجديد النصفي، ذلك أن الأمريكي حساس من ناحية لسيطرة حزب واحد على مقاليد السلطتين التنفيذية والتشريعية. فضلا عن أن الحزب الذي يتسود البيت الأبيض عادة ما يتحمل شعبيا مسؤولية أي فشل أو صعوبات، وبالتالي يكون هدف عقاب المصوتين.

ولكن هل يكفي كل ما سبق لتفسير التوجه الذي نراه منذ شهر تشرين الثاني الماضي لتقليم أظافر الحزب الديمقراطي شعبيا!؟

جلُّ المحللين الأمريكيين متفقون على أنه وبالرغم من وجاهة وأهمية كل الأسباب السابقة إلا أنها لا تكفي وحدها لتفسير التراجع الديمقراطي، إذ ثمة عاملا آخر يرتبط بشخص الرئيس نفسه وسياساته.

فأوباما جاء إلى الحكم محمولا بآمال كبيرة رسمها هو بنفسه للشعب الأمريكي، واعدا إياه بالخروج من واقع البؤس الذي انتهى إليه، إن اقتصاديا أو عسكريا أو عالميا.. الخ تحت إدارة سلفه جورج بوش. وأتقن أوباما حينها تقمص شعار "تغيير يمكن أن نؤمن به"، وإحلال ثقافة الأمل مكان ثقافة الخوف التي زرعتها إدارة بوش. كما تعهد الرجل بعلاقة تعاونية مع الحزب الجمهوري في مقابل العلاقة المتوترة التي حكمت إدارة بوش والحزب الجمهوري عندما كانا في موقع السلطة مع الحزب الديمقراطي وهو في مواقع المعارضة.

نعم، وعود كبيرة أطلقها أوباما المرشح، ثمَّ أوباما المنتخب رئيسا. فمن إغلاق معتقل غوانتانامو خلال عام إلى إعلان عدم مقدرته على ذلك بعد مرور العام بسبب تمرد حزبه عليه في هذه المسألة (طبعا لا ننسى هنا معارضة الحزب الجمهوري المستميتة). ومن التعهد بتمرير تشريع الإصلاح الصحي، متضمنا التأمين الصحي العام، قبل نهاية عام من ولايته إلى التراجع عن التأمين العام وفشله في توحيد حزبه ورائه لإجازة مشروع القانون رغم امتلاك الحزب الديمقراطي للأغلبية المطلقة في مجلسي الشيوخ والنواب. ومن إخراج الاقتصاد الأمريكي من غرفة الإنعاش إلى استمراره فيها، رغم بعض بوادر التحسن التي تعاود الانتكاس سريعا. ومن التعهد بتحسين العلاقة مع العالم الإسلامي إلى استمرار توترها وظهور بؤر توتير جديدة، كما في اليمن. ومن تسريع الانسحاب من العراق إلى مزيد من التورط في أوحال أفغانستان وباكستان، ومؤخرا اليمن. ومن التأكيد على الانخراط المباشر لحل الصراع العربي الإسرائيلي والضغط بشكل أكبر على إسرائيل إلى التراجع بشكل مهين أمام رئيس وزراءها بنيامين نتنياهو في موضوعة الاستيطان. ومن التعهد بمدِّ اليد إلى الخصوم كإيران وكوريا الشمالية وسوريا وكوبا وفنزويلا إلى مزيد من التوتير معهم.. الخ.

من باب الأمانة، فليست كل تلك الوعود المتطايرة هباء منثورا حتى الآن صناعة "أوبامية". فشخصيا، أظن أن الرجل صادق في كثير من وعوده، وأنه كان، ولا يزال، يأمل في تحقيقها. كما أنني لست من المقتنعين بأن أوباما وجه العملة الآخر لبوش. في تقديري فإن وعود أوباما الكثيرة اصطدمت بواقع صعب خلفته إدارة بوش له، كما أنها اصطدمت بمؤسسة حكم ضخمة ومتجذرة لا يعدوا الرئيس أن يكون إحدى واجهاتها، وإن كان الأقوى فيها كفرد. مؤسسة الحكم هذه "طاحونة" من لا يسير معها تهرسه في طريقها، وأظن أن أوباما قد فهم الرسالة، خصوصا فيما يتعلق في العلاقة مع المسلمين والعالم الإسلامي والصراع العربي-الإسرائيلي، وإن كان من غير الواضح بعد إن كان سيرفع الراية البيضاء أمامها.

على أي حال، فإن السياسية لا ترحم، وبغض النظر عن سبب أو أسباب تعطل تجسيد وعود أوباما فإنه هو المسؤول شعبيا. فسواء تعلق الأمر بضعف لديه أم بقوى أكبر من طاقته فإنه يبقى هو الرئيس وهو المسؤول الأول، والمواطن العادي لا يبحث في الأسباب ويتعمق في تحليلها بل هو ينظر إلى ظاهر الأمور. بل إن بعض وعود أوباما ارتدت عليه سلبا، فمثلا تعهده بتمرير مشروع إصلاح نظام الرعاية الصحية انقلب عليه مع معارضة أغلب الناخبين الأمريكيين له الآن. كما أن تعهده بإغلاق معتقل غوانتانامو لم يكن محل تأييد غالبية الأمريكيين، ثمَّ ما لبث أن لحق به وعد تحسين العلاقة مع المسلمين. فاستمرار العمليات العنفية المنسوبة للـ"قاعدة" وأفراد مقتنعين بإيديولوجيتها ضد الولايات المتحدة، كما حدث في قاعدة فورت هود العسكرية ومحاولة تفجير الطائرة الأمريكية في سماء مدينة ديترويت، ضاعف من النقمة الشعبية والرسمية على الإسلام والمسلمين، وتحديدا مسلمي أمريكا، حيث ذهبت إدارة أوباما أبعد من إدارة بوش في استهدافهم في المطارات.

طبعا، لا ينبغي أن يسقطنا ذلك كله من ناحية في فخ المساواة بين أوباما وبوش، فلا زال أوباما، على الأقل، على مستوى الخطاب، أكثر رشدا وهدوءا وعقلانية. ومن ناحية ثانية، لا ينبغي أن نظن أبدا أن أوباما هو "المسيح المخلص"، فهو ليس ذاك. فما أوباما إلا سياسي يبحث عن النجاة انتخابيا، وكما قال المفكر المغربي، عبد الإله بلقزيز، يوما: "السياسة درجة احتراق الإيديولوجيا". بمعنى أن كل الأفكار والقيم والمثل تنصهر وتتلاشى متى ما دخلت بوتقة السياسية بشراستها ولا أخلاقيتها. ولكن بوتقة السياسية هنا لم تذهب برصيد أوباما الأخلاقي والقيمي النسبي فحسب، بل إنها ذهبت أيضا بـ"إلهاميته"، حيث لم يعد لشعار "تغيير يمكن أن نؤمن به" أي معنى، بل إنه هو نفسه لم يعد يكرره، ومن هنا بدأت أزمته وأزمة الديمقراطيين الشعبية.

0 التعليقات: